الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (40)سفينة النجاة للمجتمع المسلم !!

سلسلة خميسيات حالمة (40)سفينة النجاة للمجتمع المسلم !!

سفينة النجاة للمجتمع المسلم !!

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، أشرف عباد الله ، وأكملهم خُلقا ، خاتم الأنبياء والمرسلين ، محمد بن عبد الله ،معلم الأمة وقدوتها خير من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وعلى جميع أنبياء الله ورسله وآلهم وصحابتهم المتقين ومن تبعهم على الهدى والتوحيد بإحسان إلى يوم الدين . وبعد :

فإن من الواجبات والقربات الشرعية تناصح الأمة بالمعروف وتواصيهم بالحق وتواصيهم بالصبر ، وتحذير بعضهم بعضًا من الوقوع فيما يغضب الله عز وجل من الذنوب والمنكرات والمعاصي يقول الله تبارك وتعالى ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).  فللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منزلة عظيمة عند الله تعالى ، وقد عدّه بعض العلماء من مميزات الإسلام وأولوياته ، وقرنه الله عز وجل مع الإيمان في قوله تعالى: (كُنتُم خَير أُمةٍ أخرجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنَهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِاللهِ ) كما قرنه سبحانه وتعالى مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، قال تعالى: ( وَالمُؤمِنَُونَ وَالمُؤمنَاتُ بَعضُهم أولياءُ بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنَهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَلاةَ وَيُؤتُونَ الزكاةَ وَيُطيعُونَ اللهَ وَرَسُولهُ أُولَئِكَ سَيرحمُهُمُ اللهُ إنَّ اللهَ عَزِيزُ حَكِيمُ ). كما جعله عز وجل أحد أساسيات الحكم في قوله تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ) . 

وفي القرآن الكريم وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الكثير من النصوص الشرعية القطعية التي تدل على عِظم شأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتأكيد على أهميته في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والشعوب. فبتحقيقه والقيام به على الصفة التي أمر الله ورسوله بها يصلح الأفراد وتصلح الدول والأمم ويكثر فيها الخير بإذن الله تعالى، ويضمحل فيها الشر وتسد فيها أبواب الفتن ويقل فيها ارتكاب المنكر بعونه تبارك وتعالى . وبإضاعة هذا الواجب الشرعي  تأتي العواقب الوخيمة وتحل الكوارث والشرور الكثيرة، فتتفرّق الأمم وتقسو القلوب وتتفشى المعاصي والمنكرات ، وتظهر الرذائل وتنتشر الموبقات ، ويغلب الباطل والعياذ بالله من ذلك.

وقد يفهم البعض أن هذا الواجب الشرعي خاص بمن كلفوا به من قبل الإمام أو الحاكم وهذا على خلاف الشرع والأمر الإلهي الكريم ، فهو واجب على جميع المسلمين وهو ما يميزهم على غيرهم من الأمم وجعل لهم به الخيرية في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وهو أمر محمود في صاحبه يرفع درجاته أجرًا وثوابًا وتقديرًا وتكريما ، ويمكن أن يقوم به الذكور والإناث والكبار والصغار ، والعاملون والقاعدون ، والمأمورون والمتطوعون ، فهو خير ونتاجه الخير بإذن الله ، لكن تنظيمه وتقعيده وتحديد أساليبه وإجراءاته وسلوكاته من الأمور التي تساعد على أدائه على الوجه الذي يرضي المولى تبارك وتعالى ويحد من التعديات بحجة القيام بالواجبات .

وقد بين الكثيرون من العلماء فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فأسهب البعض منهم في ذلك  واختصر البعض الآخر ، وأبرز ما اتفقوا عليه يتمثل في الآتي :

أولاً: أنه من مهام وأعمال الرسل عليهم السلام، قال تعالى: ( وَلَقَد بَعَثنَا فيِ كُلِ أُمةٍ رَسُولاً أن اعبدُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا الَّطاغُوتَ ).

ثانياً: أنه من صفات المؤمنين كما قال تعالى: (التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بالمعروف وَالنَّاهُونَ عنِ المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لحُدُودِ اللهِ وَبَشِرِ المُؤمِنِينَ ). على عكس أهل الشر والفساد في قوله تعالى :(المُنَافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ بَعضُهُم مِن بَعضٍ يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ وَيَنَهَونَ عَن المَعرُوفِ وَيَقبِضُونَ أيدِيَهُم نَسُوا اللهَ فَنَسِيهُم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفَاسِقُونَ ).

ثالثاً: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الصالحين، قال تعالى: ( لَيسُوا سَواءً من أهلِ الكتَابِ أُمةُ قَائِمةُ يَتلُونَ آياتِ اللهِ آناء الليلِ وَهُم يَسجُدُونَ ) ( يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوم الآخِرِ وَيَأمرونَ بِالمعرُوفِ وَيَنهونَ عَن المُنكَر وَيُسَارِعُونَ في الخَيراتِ وَأولئِكَ منَ الصَّالِحُينَ ).

رابعاً: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خيرية هذه الأمة قال تعالى : ( كُنتُم خَيرَ أُمةٍ أُخَرِجَت للِنَّاسِ تَأمرونَ بِالمَعرُف وتَنهُونَ عنِ المُنكرِ وَتُؤمِنُونَ بِالله ).

خامساً: أنه من دواعي التمكين في الأرض وأسباب النصر، قال تعالى:( وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنِ يِنَصُرُهُ إنَّ اللهَ لَقَوىُّ عَزيزُ )( الَّذيِنَ إن مَّكَّناهُم في الأَرضِ أقَامُوا الّصلاةَ وأتُوا الزكاةَ وَأمَرُوا بِالمعرُوفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَرِ وللهِ عَاقِبةُ الأمُورِ ).

سادساً: عظم فضل القيام به كما قال تعالى: ( لاّ خَيرَ في كَثِيِرٍ مِنّ نَّجوَاهُم إلاّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعروفٍ أو إصلاحِ بَينَ النَّاس وَمَن يَفعَل ذَلكَ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللهِ فَسَوفَ نُؤتِيهِ أَجراً عَظِيماً )، وقوله صلى الله عليه وسلم:{ من دعا إلى هدى كان له مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً } رواه مسلم.

سابعاً: أنه من أسباب تكفير الذنوب كما قال عليه الصلاة والسلام:{ فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر } رواه أحمد.

ثامناً: أن في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظ للضرورات الخمس في الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

 وإذ تُرِك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعُطّلت مهامه ؛ وظهر الفساد في البر والبحر وترتب على تركه أمور عظيمة منها:

أولاً:  وقوع الهلاك والعذاب، قال تعالى: ( وَاتَّقُوا فَتنَةً لا تُصِيبَنَ الذين ظَلَمُوا مِنكُم خاصةً ). وعن حذيفة رضى الله عنه مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم } متفق عليه.

ثانيًا : عدم إجابة الدعاء، وقد وردت أحاديث في ذلك كثيرة منها الحديث السابق وحديث عائشة رضي الله عنها  مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم } رواه أحمد.

ثالثًا : انتفاء خيرية الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: { والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم } رواه أبو داود.

رابعًا : ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلام حالك و تسلط الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه ، وكثير غير ذلك من البلاء الذي يحسه وتعيشه الأمم التي لم تنتهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وتؤكد سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية والتي لم يتم بعد تطويرها منذ إصدارها في التسعينات الهجرية من القرن المنصرم على أهمية تنمية القيم الإسلامية النبيلة لدى الناشئة ومنها قيم الحق والعدل والتواصي بهما والتناهي عن المنكر ، وتنشط عناصر العملية التربوية والتعليمية في تمثل هذا الواجب وتعليمه من خلال مناهج التعليم وبرامج الأنشطة المتنوعة وفي مقدمتها برامج التوعية الإسلامية وبرامج التوجيه والإرشاد ، وهي تعمل على إكساب الناشئة مهارات العمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهجية تربوية معلمة تحت إشراف متخصص ، وقد كان لوزارة التعليم مجموعة من المنجزات في مجال التوعية والتوجيه والإرشاد أسهمت إلى حد كبير خلال السنوات المنصرمة في تحقيق أهداف التربية والتعليم وغاياتها بإذن الله تعالى ، إلا أن الجدل الواسع الذي أعقب تنظيم عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين مؤيدين ومعارضين قد ملآ ساحات التواصل الإجتماعي ومواقع الأنترنت والصحف اليومية بقدر ما فيها من حرية منضبطة وقد كنت من بين من أيد عمليات التنظيم ومن بين من نادى بضرورة عسكرة منسوبي الهيئة ودمجها مع وزارة الداخلية وتقنين اختصاصاتها وتحديدها وإعداد اللوائح المنظمة لها بما يضمن من وجهة نظري المتواضعة عدم تداخل اختصاصاتها ومهامها وواجباتها مع ما تقوم به جهات أخرى مثل  وزارة الداخلية والتجارة والإقتصاد والبلديات ونحوها ، وقد يتفق معي البعض حول ذلك وقد يختلف معي البعض الآخر بفعل تأثيرات نوعيات الخطابات الثقافية الأكثر تأثيرًا في الساحة ، إلا أن المبدأ الذي أكدت عليه في مطلع هذه المقالة وفي طياتها وثناياها هو إقرار أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكونهما من الواجبات والقربات الشرعية على جميع المسلمين وهو ما يميزهم على غيرهم من الأمم وجعل لهم به الخيرية في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وهو أمر محمود في صاحبه يرفع درجاته أجرًا وثوابًا وتقديرًا وتكريما ، ويمكن أن يقوم به الذكور والإناث والكبار والصغار ، والعاملون والقاعدون ، والمأمورون والمتطوعون ، فهو خير ونتاجه الخير بإذن الله ، لكن تنظيمه وتقعيده وتحديد أساليبه وإجراءاته وسلوكاته من الأمور التي تساعد على أدائه على الوجه الذي يرضي المولى تبارك وتعالى ويحد من التعديات بحجة القيام بالواجبات ،، والله الموفق والمستعان ،،،