الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (41) نهرو وحكمة المخاطرة !!

سلسلة خميسيات حالمة (41) نهرو وحكمة المخاطرة !!

نهرو وحكمة المخاطرة !!

            على الرغم من الحذر الشديد لدى العنصر البشري من المخاطر بأنواعها المختلفة وأحجامها المتباينة وأسبابها المتنوعة منذ نشأته الأولى إلا أن تبني منهجية خوضها ومواجهتها تجذب المغامرين من البشر في الكثير من الأحيان من أجل بلوغ الغايات الأكثر إلحاحًا من وجهة نظرهم أو من أجل اكتشاف ما وراء الخطر فضولا أو رغبة أو إصرارًا ، وتوجد في بعض الثقافات والحضارات الإنسانية تباينات في النظر إلى اقتحام المخاطر من مؤيد ومعارض ومحايد وحذر ، ويتمثل الكثيرون من المستثمرين المعاصرين في الأموال والأسواق النقدية وأسواق الأسهم الحكمة القائلة : “إن أعظم المخاطر على الإطلاق أن لا تقوم بأية مخاطرة” ، كما تستحوذ الرغبة في المغامرة على الراغبين في النصر أو الاكتشاف أو النجاح المتفرد.  

وقد بدأت مغامرات الإنسان لتحقيق بعض الغايات لديه منذ عصور قديمة كان من نواتجها اكتشاف العالم الجديد واكتشاف الكثير من المبتكرات والمخترعات ذات التأثير الإيجابي أو التأثير الخطير على الإنسان والبيئة، كما أن السياسيين يقيسون مدى تقدم أعمالهم بحجم المخاطر التي اجتازوها في مسيرتهم السياسية ، وهذا جواهر لال نهرو يعتقد بالحكمة السياسية الدافعة للمخاطرة وقد قال:  “إنَّ تبني سياسة المبالغة في الحذر هي أشد المخاطر على الإطلاق”.

ولعلنا عند تركيز الفكر في الخطر نتخذ إحدى الخيارات البشرية في مواجهته أو الصد عنه والهروب إلى السلامة ، وإذا ما آثرنا التخلي عن المواجهة فلأننا نعتقد أكثر بالنتائج الوخيمة للمخاطرة ، ونستبعد النتائج الإيجابية لما ورائها، ويزداد الشعور بالحذر أو الشعور بالجبن كلما زادت الاحتمالات بالنتائج الوخيمة أو زادت فرضيات حدوث الألم نتيجة المخاطرة ، والعلم الحديث ينمي في المتعلم تغليب فرضيات واحتمالات النتائج الإيجابية من المخاطرة ، ليحدث الاكتشاف المأمول لكل ما أذن الله ببلوغ الإنسان إليه ، ويرشد الحذر من النتائج السلبية للمغامرة والمخاطرة حتى لا تصبح كابحًا للطموح والرغبة في النماء والتطور ، ويؤيد الكثيرون من علماء النفس مضمون حكمة نهرو ، على الرغم من تواجد الكثير من الحكم المعاكسة لها خاصة في ثقافتنا العربية ومنها على سبيل المثال : ” من خاف سلم ” و”خض البحر في اتجاه التيار” و” إذا اقبل السيل ما تنفع الخيل ” و” ابعد عن الخوف تأمن ” و” لا تغامر تقامر ” وغيرها من الحكم المثبطة للرغبة في خوض غمار المغامرة والمخاطرة، وتوجد أيضًا في الثقافة العربية من الحكم والأمثال ما يدعو إلى المغامرة واكتشاف الخطر ، كقولهم ” بالهمم نطال القمم ” و” لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر ” و” من يتهيب صعود الجبال سيبقى أبد الدهر بين الحفر ” و نحوها ، وقد سجل العربي الكثير من البطولات التاريخية نتيجة المغامرة وحب الاكتشاف أو الرغبة في النصر وخاض الكثير من الحروب التي تتمثل دوافعها في حب المغامرة والمخاطرة ونيل نتائج مغامراته الإيجابية ، إلا أن غالبية الجيل الجديد يتهيب خوض غمار المغامرات خوفًا من العواقب وهو ما يتنافى مع حكمة نهرو السياسية وحكمة المضاربين المالية ، وأعتقد أنه لا بد لنا من توجيه النصيحة المثالية  بتقليل مقاييس الحذر لصالح زيادة مقاييس الرغبة في بلوغ إيجابيات ما وراء الخطر أو المغامرة  من أجل زيادة جرعات الشجاعة لدى ناشئينا لخوض غمار الاكتشافات وإنتاج الإبداعات في المجالات المختلفة .

ولعل في المواقف التربوية والتعليمية ما يتيح لهم تطبيق هذه المباديء بحرية منضبطة وموجهة من قبل القيمين على التربية والتعليم من المتحررين من النمطية والتقليدية المتطلعين إلى إحداث الأثر الإيجابي في الجيل المستهدف ، وليكن بين ناشئينا نتيجة تربيتهم بالأسلوب الصحيح من يتفوق على سياسة نهرو ، أو منهم من يسهم حقيقة في حل الأزمات الواقعة وتجنب الأزمات المحتملة وقد يسهم أحدهم فعليا في حل الأزمات الأمنية المعاصرة والتي اعتصرت العالم العربي والإسلامي بأسره في هذا العقد من القرن الواحد والعشرين الميلادي بداية الألفية الثالثة ، وإلى أن يقيض الله لنا منا من يتفوق على نهرو  فلا بد لنا من الاعتراف بأن ثقافتنا العربية والإسلامية تشدنا للحذر أكثر من أن تدفعنا للمخاطرة ، وعلينا الإحساس بالمشكلة والتفكير جديًا في حلها ، والله الموفق والمستعان .