الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (43) كيف نفكر ؟

سلسلة خميسيات حالمة (43) كيف نفكر ؟

كيف نفكر ؟

يعتبر التفكير إحدى العمليات المعقدة للعقل البشري للبناء والتحليل والتفسير وتحديد المقاصد وهو الوسيط لحل المشكلات وإبانة الغموض وتحديد التعريفات وتتنوع أساليب التفكير بتنوع العقيدة والثقافة والتربية والاهتمامات وقد تكون بسيطة بدائية أو متطورة , وهى تختلف من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى .. ومن عصر إلى آخر ..

فإذا كان الطابع الديني هو الغالب في عصر ما أو في شخص ما فإنه يؤثر في نوع التفكير وأسلوبه ومنهجه ونتائجه للشخص أو للأشخاص المؤثر فيهم ذلك الطابع ، وإذا كان الطابع العلمي هو الغالب في عصر آخر أو على شخص ما ، فإن ذلك ينعكس على نوع التفكير وأسلوبه ومنهجه ونتائجه أيضًا . وهكذا تتنوع أساليب التفكير ومناهجه ونواتجه الفكرية بتنوع العصور والثقافات والمؤثرات الخارجية والسمات العقلية ، ويمكن تقسيم أساليب التفكير عامة إلى الآتي :

  1- الأسلوب الخرافي.

2- الأسلوب الديني أو العقدي.

3- الأسلوب الفلسفي.

4- الأسلوب العلمي.

ولكل منها خصائصه وسماته التي تميزه

فالأسلوب الخرافي في التفكير أسلوب بدائي ساذج ينشأ نتيجة العجز عن إدراك الأسباب الحقيقية للظواهر والمشكلات وتعليلها، ويحيلها إلى الغيبية المطلقة وقد يسند كل سبب أو علة أو مشكلة إلى إله يتصرف في ذلك ، ومن ذلك الاعتقاد نشأت عقائد تعدد الآلهة ، وقد لجأ الإنسان إلى ممارسة بعض الطقوس لطلب مساعدة الغيب في حل المشكلة أو إنهاء الظاهرة التي يترتب عليها نقص في الأمن أو الحاجة ، ومارس الإنسان في ظل هذا الأسلوب من التفكير أنواع من العبادات وتقديم القرابين لاسترضاء الآلهة من أجل حل المشكلة أو تلبية الحاجة ، ويمكن توضيح ذلك بإسقاطها على ظاهرة المطر، فإذا توقفت أو اشتدت فإن التفكير الخرافي للإنسان يقوده إلى تعليل ذلك بغضب إله المطر ، فينشط في ممارسة الاسترضاء لحل المشكلة ذات الصلة بهذه الظاهرة .

والأسلوب الديني أو العقدي في التفكير يفسر جميع الظواهر بإرجاعها إلى قدرة الله عز وجل مسبب الأسباب كلها ، مع محاولة فهم  أسباب الظاهرة المتمثلة في قدرة الله تعالى وحكمته ومشيئته أولا ثم فيما يرتكبه الإنسان من ذنوب قد تكون أسبابًا للظاهرة ، وما يتبع ذلك من تعميق الإيمان بقدرة الله تعالى على إحداث الأسباب وإزالة الأضرار، وهنا تفسر ظاهرة المطر بإرجاعها إلى إرادة الله تعالى ومشيئته ، فإذا توقفت أو اشتدت فإن التفكير الديني أو العقدي للإنسان يقوده إلى تعليل ذلك بغضب الله أو بمشيئته تعالى لتخويف عباده أو تذكيرهم  ، فينشط في ممارسة الشعائر الدينية لطلب المغفرة والرحمة من الله لحل المشكلة ذات الصلة بهذه الظاهرة .

والأسلوب الفلسفي في التفكير يفسر الظاهرة في ضوء ارتباطها ببقية الظواهر الأخرى في الوجود كله ، فيرجع الظاهرة إلى عللها البعيدة وأسبابها غير المباشرة وفقًا للمذهب الفلسفي المتبع في التفكير وهو يختلف من فيلسوف إلى آخر . ويتميز الفلاسفة عن غيرهم بالتأمل العقلي والتفكير الكلي الشامل لظواهر الوجود ، فظاهرة المطر مثلا ترتبط بالظواهر الأخرى مثل حركة السحب وحركة الرياح وبخار الماء وأشعة الشمس ودرجة الحرارة والموقع الجغرافي وتاريخ ظاهرة المطر ، فهو تفكير تأملي عقلي يتميز بالشمول والتفسير الكلي ، وعند توقف هذه الظاهرة أو اشتدادها تفسر عند الفلاسفة بتفسيرات متنوعة بحسب المذهب الفلسفي في ضوء تغيرات الظواهر الأخرى المرتبطة بها دون استثناء ولا تنشأ عند الفلسفي حوافز لممارسة شعائر أو طقوس دينية أو عقدية  من أجل حل المشكلة .

والأسلوب العلمي في التفكير يفسر الظاهرة بإرجاعها إلى عللها القريبة وأسبابها المباشرة التي يستدل عليها باستخدام الحواس وبالملاحظة والتجربة بهدف الوصول إلى القانون الذي يفسر الظاهرة للاستفادة منها في الحياة العملية ، فحدوث ظاهرة المطر عند العلميين تحدث نتيجة عملية ميكانيكية تبدأ من تأثير الشمس وما يترتب عليها من تبخر وتكون السحب نتيجة عوامل الضغط والحرارة ثم هبوب رياح تجعل السحب تصطدم بالجبال أو هواء ساخن فيسقط المطر فهو تفكير حسي تجريبي ، والعلميين كالفلاسفة  لا يعتقدون بأهمية ممارسة شعائر أو طقوس دينية أو عقدية  من أجل حل مشكلة توقف المطر أو اشتداده .

وقد يكون هناك أساليب أخرى للتفكير غير ما ذكر سلفًا ، لكن السؤال الذي ينشأ هنا ، هل فكر أي منا إلى أي أسلوب أو منهج من أساليب التفكير ومناهجه ينتمي تفكيره عندما يرغب في تفسير ظاهرة المطر أو توقفها أو اشتدادها مثلا ، إن جوابك عما تعتقده فعلا وتمارسه من سلوك للتعامل مع هذه الظاهرة وتعليلها وتفسيرها يصنفك حتمًا في واحد من أساليب التفكير السابقة ، وقد تجمع بين أسلوبين ، لكن تفكيرك كعملية عقلية تمارسها عند قراءة هذه المقالة ومع أي ظاهرة من ظواهر الوجود حتمًا تعبر عن شخصيتك وانتمائك وعقيدتك ، فهل سألت نفسك مرة كيف أفكر ؟ وإلى أي منهج ينتمي تفكيري ؟

و لعل البعض منا لا يرغب في معرفة ما نوع تفكيره بقدر رغبته في معرفة لماذا اخترت هذا الموضوع ؟ ، واختصارًا لعمليات عقل القاريء أقول بأننا في حاجة ماسة إلى إدراك أننا موجودون بإدراكنا أننا نفكر ، فقد سبقت الحكمة في ذلك مقولة ديكارت الشهيرة: أنا أفكر إذًا أنا موجود . والله الموفق ،،،،،،