الرئيسية / مقالات / الهمسة الثالثة : صدق النية والقصد

الهمسة الثالثة : صدق النية والقصد

الهمسة الثالثة
صدق النية والقصد
تقوم التربية على صدق نية المربي وقصده من تربية المستهدف بالتربية سواء أكانت نية صالحة أم نية سيئة والعياذ بالله ، فأثر التربية يعتمد على نية المربي ويتم اختيار المربي لوسائل التربية وأساليبها الأكثر تأثيرًا من وجهة نظره بناء على أهدافه ومقاصده وغاياته النهائية .

فقد يستهدف المربي أحيانًا إحداث آثار إيجابية في سلوكات المستهدفين بالتربية وفقًا لنيته وقصده ولكن لسوء اختياره الوسائل والأدوات فقد تنعكس النتائج من إيجابية إلى سلبية ، وفي هذه المواقف لا يشفع للمربين حسن نيتهم وقصدهم ماداموا لم يحسنوا انتقاء الوسائل والأساليب المحققة للغايات المأمولة ، وكثيرًا ما يندم المربون على نواتج تربيتهم عند مقارنتهم بين مقاصدهم ونواتج تربيتهم التي اتجهت نحو أهداف معاكسة كليًا .
ولهذا تتلازم النية الصالحة مع اختيار الوسائل التي تحقق الغايات الصالحة أيضًا ، وينبغي على المربين على اختلاف ثقافاتهم أن يتقوا الله في النية والفعل ، فكم من وسيلة تربية قادت إلى إنحرافات بيّنة لدى الناشئة رغم حسن نيات المربين ، وما يشاهد في كثير من أفعال المنحرفين يكشف أن وراء اكتسابهم لسلوكاتهم تربية مضطربة إما في النية أو في الوسائل والأساليب أو فيهما معًا .
ولعله من البديهي العلم بأن معيار حسن النية وسوئها يختلف باختلاف الثقافات والاتجاهات والعقائد ، فما هو حسن عند البعض قد يراه البعض الآخر سيئًا ، ولهذا فإنك تجد اختلاف النعوت حول النيات والمقاصد والأهداف وفقًا لمخزونات الصور الذهنية حول الأحداث والنتائج .
والمأمول لدى المسلمين قد لا يكون كذلك عند غيرهم وقد يمتد الاختلاف بين الفئة الواحدة فيرى الفرد منها مالايراه أخاه وهكذا ، والعبرة في تقييم الحسن والسيء في مثل هذه الحالات ليس بما يراه الفرد وإن ارتقى علمه وإنما بما اتفقت عليه الجماعة عقيدة أو عرفًا أو علمًا أو عقلاً .
ومن الخلل الحكم على نيات الأفراد من خلال السمات الشخصية الظاهرة فكثيرون ممن يبدو على سلوكاتهم الانحراف في نظر البعض هم يملكون نيات حسنة وفقًا لمعيار الجماعة وكذلك العكس صحيح ، فالنيات لا يعلمها إلا الله ، وقد يرشد إلى النيات ناتجها من السلوكات إلا أنه لا يعتد بها قطعيًا فقد يكون الخلل في الوسائل والأساليب وليس في النية ذاتها ، وعلى كل فإن حسن النية مع حسن الأساليب والوسائل التربوية مطلوبة لإحداث آثار تربوية إيجابية في معايير أهل العلم المتفق عليها .
ومما تختزله ذاكرتي التربوية المتواضعة ذلك الحكم المسبق من أحد القادة التربويين على نيات بعض الزملاء القادة والمعلمين الكتاب في بعض الصحف معتمدًا في تقييمه على بعض سماتهم الشخصية المختلفة مع صورته الذهنية وبعض آرائهم المنشورة وإصراره على تجنب تكليفهم بأعمال قيادية أو تعليمية وتربوية ، وكان ردي له حاسمًا آنذاك حيث طلبت منه الاثبات بأن نياتهم سيئة بمعايير العقل والنقل المتفق عليها لاتخاذ ما يلزم حينها من إجراءات نظامية وإلا فإن العدل معهم مثل العدل مع سواهم والأصل هو حسن الظن بالأخوة والزملاء حتى تبدو لأفعالهم النواتج السيئة في معايير العقل والنقل الثابته عندها يجب التعامل معهم بما يستوجب الأمر ذلك .
وفي ختام همستي هذه أدعو الجميع إلى إخلاص النية والقصد في التربية لمرضاة الله تبارك وتعالى وتحري اختيار الوسائل والأساليب التي تحقق الغايات والمقاصد المأمولة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.