خميسيات حالمة
سلسلة مقالات ثقافية تتناول مجموعة من القضايا الاجتماعية
في نهايات العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري
الموافق للعقد الأول من القرن الواحد والعشرين الميلادي
(المجموعة الأولى)
أ. د. سعود بن حسين الزهراني
دكتوراه الفلسفة في التاريخ ،موسكو2000م
دكتوراه التربية في المناهج ، الرياض 1424هـ
أستاذ العلاقات الدولية والتبادل الثقافي ، موسكو 2001م
1430هـ - 2009م
الطبعة الأولى
1430هـ - 2009م
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستهلال
من الهدي الرباني
قال الله سبحانه وتعالى :
" وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ "
سورة العصر
المقدمة
الحمد لله أولا وأخيرًا ، والشكر له تعالى كما ينبغي الشكر لجلاله ، والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة، أشرف عباد الله ، وأكملهم خُلقا ، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله ،معلم الأمة وقدوتها، وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد :
فقد تمثل الهدف الرئيس للمجموعة الأولى من هذا الكتاب في تقديم مجموعة متنوعة من المقالات التي أسهم المؤلف بكتابتها خلال نهايات العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري الموافق للعقد الأول من القرن الواحد والعشرين الميلادي ، ونشرها في موقعه على الإنترنت بشكل متسلسل أسبوعيًا تحت عنوان المقالة الأسبوعية ولمدة عامين بدأها من مطلع العام الهجري 1429هـ إلى نهاية العام الهجري 1430هـ ، متتناولا فيها بعض أهم القضايا الثقافية والاجتماعية والتربوية المعاصرة والمتنوعة مما يتصل بهموم المجتمع وبالتطوير التربوي ، وقضايا المجتمع المعرفي ومجتمع المعلوماتية ، وهي في مجملها تدور في فلك التوجيه والتوعية الثقافية والتربوية وتقديم بعض المقترحات والمرئيات العلمية والتربوية للمؤلف حول القضايا المتناولة .
ويأمل المؤلف أن يكون في محتوى هذه المجموعة الثقافية والأدبية النفع والفائدة لطلاب العلم والمهتمين بفن المقالات الثقافية مطلقًا وبقضايا المجتمع والتربية على وجه الخصوص ، ويلتمس العذر لأي خطأ ورد عن غير قصد في محتويات هذه المجموعة مؤكدًا أن الإجتهاد الذي سبق إعداد محتوها كان بنية الصواب وتبليغ العلم إلى المنتفعين به ، ويرجو أن يتم التواصل مع المهتمين لتطوير محتوى الكتاب وتسديد مقاصده .
والله الموفق ، وعليه الاتكال .
نماذج من محتويات الكتاب :
أبو الأسئلة ..!!
سألني سائل : هل فكرت في سؤال الأسئلة أو أبي الأسئلة ؟ فقلت له : وما هو ذاك ؟ قال أن تسأل نفسك لماذا نعبد الله وحده دون سواه ؟ فقلت : وهل من شك في إجابة هذا السؤال عند المؤمن الحق ؟ قال : لاحظ أنك قلت المؤمن الحق ..إإ فقلت وهل تهمنا إجابة غير المؤمنين ؟ قال ولكن من هم المؤمنين حقًا ؟ فقلت : هذا سؤال آخر ..إإ فأي السؤالين هو المستهدف عندك ؟ قال سؤالي الأول .. وهو سؤال ستصنفك إجابته بين المؤمنين . فقلت دعني أجيبك أولا عن سؤالك بما أعلم . فلربما ساورك شك أو لبست عليك شبهة ، أو تردت في بلوغ اليقين المطلق ، أو ربما أنت تعلم من علم الله مالا أعلم ، والله أعلم . وترغب في سبر أعماق إيماني بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد ولم يكن له كفؤًا أحد . فقال هات الإجابة وسأقول لك بعدها أنت أي المؤمنين .
فقلت له : يعبد المؤمن الله لغايات ثلاث . وقد يعبده لبعض منها . وهي في حدود علمي على النحو الآتي :
الغاية الأولى : الامتثال والطاعة ، وهي أن تعبد الله تعالى إتباعًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه ، طاعة لله ورسوله.
الغاية الثانية : الرغبة والرهبة ، وهي أن تعبد الله تعالى رغبة فيما عند الله المنعم الرحيم من الثواب والجزاء الحسن وتجنبًا لعقابه وهو شديد العقاب .. أي طلبًا للجنة وهربًا من النار .
الغاية الثالثة : الحب المطلق ، وهي أن تعبد الله تعالى حبًا للخالق المتصرف في الخلق ولاستحقاقه المطلق للعبادة ، أي أن تعبد الله لأنك تؤمن في قرارة نفسك أنه المستحق للعبادة وحده دون سواه وتستمتع بعبادته دون غرض آخر لنفسك .فإن تفضل عليك بخير فهو المتفضل والجواد دائمًا، وإلا فيكفيك من الخير والفضل أنك عبدته وتعبده .
فقال لي : هب أن مؤمنًا يعبد الله للغايات الثلاث أو لبعضها وسألناه السؤال التالي : لو تعلم أنك هالك ومصيرك بإذن الله تعالى مع كل ما تمارسه من عبادات إلى النار عياذًا بالله منها ، فهل ستستمر في عبادة الله وحده دون تقصير ؟ فإن أجاب بنعم متيقنًا بصدقها ومطابقتها لنيته فقد بلغ منزلة المؤمن الحق ، وإن تردد ففي إيمانه شك ونقص ودخن ، فمن يؤمن بالله يعبده لذاته فقط ولا يشرك مع حب الله مصلحة ذاتية وعليه أن يوقن بأنه ببلوغ هذه المنزلة فإنه سينال لا محالة تحقيق جميع الغايات الأخرى ولو لم يستهدفها مباشرة فوعد الله تبارك وتعالى متحقق لا محالة ولن يضام أبدًا حبيب الله وعبده المخلص.
فقلت له : اعلم أن المؤمنين على تباين درجات إيمانهم يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة لأنه خالقنا ورازقنا، وهو ربنا ورب كل شيء، ولأنه خلقنا لعبادته وأمرنا بها، كما قال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)(الذاريات:56-58) ، ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21).
وقد قال الشيخ صالح الفوزان في معرض إجابته عن سؤال من هذا القبيل : " اعلم أن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له المأمورين بها تتضمن المحبة والرجاء والخوف ولا بد من اجتماعها؛ فمن تعلق بواحد منها فقط؛ لم يكن عابدا لله تمام العبادة. فعبادة الله تعالى بالحب فقط طريقة من طرق الصوفية .. وعبادته تعالى بالرجاء وحده طريقة من طرق المرجئة .. وعبادته بالخوف فقط طريقة من طرق الخوارج .. والمحبة المنفردة عن الخضوع لا تكون عبادة؛ فمن أحب شيئا ولم يخضع له؛ لم يكن عابدا؛ كما يحب الإنسان ولده وصديقه، كما أن الخضوع المنفرد عن المحبة لا يكون عبادة؛ كمن يخضع لسلطان أو ظالم اتقاء لشره. ولهذا لا يكفي أحدهما عن الآخر في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء. ويجب أن نعلم أن الخوف من الله سبحانه يجب أن يكون مقرونا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون خوفا باعثا على القنوط من رحمة الله؛ فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكره ينافيان التوحيد "
وقد قال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده؛ فهو صوفي .. ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو حروري .. ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئ .. ومن عبده بالحب والخوف والرجاء؛ فهو مؤمن .. كما وصف الله بذلك خيرة خلقه حيث يقول سبحانه: { أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً ُ} ( الإسراء : 57) .
والجواب الشافي لأبي الأسئلة أو سؤال الأسئلة من وجهة نظري يكمن في فهم معنى الحب والخوف والرجاء معًا ، ولعل في مقالتي هذه ما يزيح بعض الشبهة عند الإجابة عن أبي الأسئلة ،،، والله أعلم .
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 12 جمادى الأولى 1430هـ
عندما تنتفض العامة !!
تستقر الأحوال عادة للسلطات في الأمم الأمية وتنصرف جهود العامة فيها تجاه تلبية المتطلبات الأساسية للعيش والأمن والاستقرار دون التفكير في قضايا الحرية والشراكة المجتمعية والشراكة السياسية في صناعة القرار ، ودون التفكير فيما يدور في مجالس السلطات وأقبيتها ودواوينها وأذرعتها للتحكم في مجريات الأمور ، وعادة ما تتجه السلطات في هذه النوعية من المجتمعات إلى إحكام الأمر والسلطة عن طريق القوة والقمع والإذلال للعامة ، والاستئثار بالرأي والقرار السياسي والاستئثار بالثروة ، فلا يطال العوام من الدخل القومي سوى الفتات الفائض عن أطماع السلطة ، وتنتقص حقوقهم في الكثير من الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والأمن بأنواعه ، وتعزل السلطة فيها الآراء وتنتهك حقوق الإنسان ، وتزداد فيها الجاسوسية والمعتقلات التأديبية أو الإقصائية ، وتنعزل السلطة عن أحوال العامة فلا ترى ما يؤرقها أو ينقصها من المتطلبات والحقوق ، وتمتد سنوات الحكام في هذه المجتمعات سنوات طويلة دون تغيير في أركانها الأساسية، وتعمد السلطة إلى تجهيل المجتمع وتعميته وتغتال أحلامه وطموحاته ، وكلما برز منهم داع إلى التحرر قبض عليه بتهمة الفساد والإرهاب والتضليل ونحو ذلك .
ومع ازدياد الضغط السلطوي على الشعوب المنكوبة من قبل سلطاتها ومع تناقص القدرة لدى أفرادها على تلبية متطلباتهم الأساسية ومع تفشي البطالة والجهل والمرض تنشأ الحاجة لدى الشعوب للتخلص من قيودها من خلال مخالفة النظام المسيطر والتعدي على قوانينه من جانب وعن طريق البحث عن منافذ للتحرر من تبعيته ، وتنشط حركة بروز الرموز المضطلعين بقيادة الرأي العام في اتجاه رفض التبعية والانقياد للسلطة والنظام ، وقد تتخذ حركات التحرر أساليب الحركية والسرية والخطابية سلالم للوصول إلى إقناع العامة بأهمية الانتفاضة الشعبية للتحرر من طغيان السلطة .
وقد تصبح الانتفاضة سلمية بيضاء ، وقد يختار دعاتها وقادتها اللون الأسود باستخدام وسائل العنف القائمة على التخريب والاغتيالات وإتلاف ممتلكات السلطويين ، والهدف المنشود لديهم هو إجبار السلطة على التخلي عن هيمنتها على الأمور والقوانين والعلاقات ، وهذه الحالات من التغيير الذي قادته الشعوب المظلومة والمنكوبة كان الغالب على امتداد تاريخ البشرية ، وقد تحدث نتيجة ذلك تغييرات من بعض أعضاء السلطة بتبني أسلوب الانقلابات السياسية ، وقد تنجح السلطة في الحفاظ على سيطرتها على الأمور إذا ما لجأت إلى هذا النوع من التغيير وقد تقنع الشعوب بإحداث بعض التغييرات إلا أن الأمور ما تلبث أن تعود إلى سابق حالها مع زيادة التحكم وتصفية المخالفين ، ويستمر صراع الشعوب مع السلطات باستمرار الحاجة إلى تلبية المتطلبات الرئيسة للمجتمعات من الخدمات والأمن والحرية .
وقد مر المجتمع الإنساني بهذه الحالات من العلاقات بين السلطة والشعب ، كما مر بالكثير من المحاولات للتخلص من السلطات الظالمة ، وابتكر الإنسان بفكره المتحرر أساليب جديدة للقيادة والسلطة تضمن مشاركة العامة وضمان حقوقهم وتنوعت السلطات بين إسلامية وعسكرية وديمقراطية وشيوعية واشتراكية وجماهيرية ... ونحوها ، لكن هذه النتائج التي بلغها الإنسان لتطويع السلطة لمتطلباته لم يبلغها وهو يرزح تحت ظلام الجهل ، بل بلغها بالعلم والحكمة ونشرها بين العامة بالوسائل المتاحة ونشطت عبر التاريخ حالة الخطاب اللغوي لإيصال فكر النخب إلى العوام ، وتم تجييش العقول أولا مع الفكر ضد السلطات التي تحاربه كمرحلة أولى قد تنتقل بعدها إلى أساليب وأطر أخرى بحسب قوة السلطة وإحكامها القبضة على التحركات والحركات ، ولعل الإنسان المعاصر يصل إلى أساليب جديدة تضاف إلى أساليب التفكك من قيود التبعية القسرية التي حققها الإنسان عبر تاريخه .
وقد تساءلت كما تساءل غيري عن الصيغة الأنسب للحكم والسلطة في عصر يرفض أمية المستجدات المعاصرة من التقنيات والابتكارات المتطورة القائمة على المعرفة والمعلوماتية ، وهل ستفيد نظم الحكم المعاصرة في تجنب انتفاضة العامة ؟، كما تساءلت عن الهيئة التي ستكون عليها انتفاضة العامة فيما لوحدثت في أي جزء من العالم اليوم ، هل ستتبنى الأساليب المعتادة أم ستبتكر أسلوبًا جديدًا يضاف إلى ما سجله التاريخ للشعوب الطامحة في التحرر من قسوة الحكومات والسلطات التي تقصيها عن المشاركة في الحكم والسلطة ؟ ، ولعل الحكومات المعاصرة الواعية تدرك أهمية الشراكة مع العامة في السلطة وأهمية توزيع الثروة بما يتغلب على الطبقيات وبروز الرأسمالية البغيضة ، فذلك من وجهة نظري أسهل الطرق لكسب ود العامة من الشعوب وتحقيق العدل في توفير متطلباتهم الأساسية ، وإيقاف انتفاضة مؤكدة أبطالها سيكونون بدون شك من العامة ،،، والله الموفق والمستعان ،،،
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 5 جمادى الأولى 1430هـ
كيف نفكر ؟
يعتبر التفكير إحدى العمليات المعقدة للعقل البشري للبناء والتحليل والتفسير وتحديد المقاصد وهو الوسيط لحل المشكلات وإبانة الغموض وتحديد التعريفات وتتنوع أساليب التفكير بتنوع العقيدة والثقافة والتربية والاهتمامات وقد تكون بسيطة بدائية أو متطورة , وهى تختلف من فرد إلى آخر ومن بيئة إلى أخرى .. ومن عصر إلى آخر .. فإذا كان الطابع الديني هو الغالب في عصر ما أو في شخص ما فإنه يؤثر في نوع التفكير وأسلوبه ومنهجه ونتائجه للشخص أو للأشخاص المؤثر فيهم ذلك الطابع ، وإذا كان الطابع العلمي هو الغالب في عصر آخر أو على شخص ما ، فإن ذلك ينعكس على نوع التفكير وأسلوبه ومنهجه ونتائجه أيضًا . وهكذا تتنوع أساليب التفكير ومناهجه ونواتجه الفكرية ويمكن بتنوع العصور والثقافات والمؤثرات الخارجية والسمات العقلية ، ويمكن تقسيم أساليب التفكير عامة إلى الآتي :
1- الأسلوب الخرافي.
2- الأسلوب الديني أو العقدي.
3- الأسلوب الفلسفي.
4- الأسلوب العلمي.
ولكل منها خصائصه وسماته التي تميزه
فالأسلوب الخرافي في التفكير أسلوب بدائي ساذج ينشأ نتيجة العجز عن إدراك الأسباب الحقيقية للظواهر والمشكلات وتعليلها، ويحيلها إلى الغيبية المطلقة وقد يسند كل سبب أو علة أو مشكلة إلى إله يتصرف في ذلك ، ومن ذلك الاعتقاد نشأت عقائد تعدد الآلهة ، وقد لجأ الإنسان إلى ممارسة بعض الطقوس لطلب مساعدة الغيب في حل المشكلة أو إنهاء الظاهرة التي يترتب عليها نقص في الأمن أو الحاجة ، ومارس الإنسان في ظل هذا الأسلوب من التفكير أنواع من العبادات وتقديم القرابين لاسترضاء الآلهة من أجل حل المشكلة أو تلبية الحاجة ، ويمكن توضيح ذلك بإسقاطها على ظاهرة المطر، فإذا توقفت أو اشتدت فإن التفكير الخرافي للإنسان يقوده إلى تعليل ذلك بغضب إله المطر ، فينشط في ممارسة الاسترضاء لحل المشكلة ذات الصلة بهذه الظاهرة .
والأسلوب الديني أو العقدي في التفكير يفسر جميع الظواهر بإرجاعها إلى قدرة الله عز وجل مسبب الأسباب كلها ، مع محاولة فهم أسباب للظاهرة المتمثلة في قدرة الله تعالى وحكمته ومشيئته أولا ثم فيما يرتكبه الإنسان من ذنوب قد تكون أسبابًا للظاهرة ، وما يتبع ذلك من تعميق الإيمان بقدرة الله تعالى على إحداث الأسباب وإزالة الأضرار، وهنا تفسر ظاهرة المطر بإرجاعها إلى إرادة الله تعالى ومشيئته ، فإذا توقفت أو اشتدت فإن التفكير الديني أو العقدي للإنسان يقوده إلى تعليل ذلك بغضب الله أو بمشيئته تعالى لتخويف عباده أو تذكيرهم ، فينشط في ممارسة الشعائر الدينية لطلب المغفرة والرحمة من الله لحل المشكلة ذات الصلة بهذه الظاهرة .
والأسلوب الفلسفي في التفكير يفسر الظاهرة في ضوء ارتباطها ببقية الظواهر الأخرى في الوجود كله ، فيرجع الظاهرة إلى عللها البعيدة وأسبابها غير المباشرة وفقًا للمذهب الفلسفي المتبع في التفكير وهو يختلف من فيلسوف إلى آخر . ويتميز الفلاسفة عن غيرهم بالتأمل العقلي والتفكير الكلي الشامل لظواهر الوجود ، فظاهرة المطر مثلا ترتبط بالظواهر الأخرى مثل حركة السحب وحركة الرياح وبخار الماء وأشعة الشمس ودرجة الحرارة والموقع الجغرافي وتاريخ ظاهرة المطر ، فهو تفكير تأملي عقلي يتميز بالشمول والتفسير الكلي ، وعند توقف هذه الظاهرة أو اشتدادها تفسر عند الفلاسفة بتفسيرات متنوعة بحسب المذهب الفلسفي في ضوء تغيرات الظواهر الأخرى المرتبطة بها دون استثناء ولا تنشأ عند الفلسفي حوافز لممارسة شعائر أو طقوس دينية أو عقدية من أجل حل المشكلة .
والأسلوب العلمي في التفكير يفسر الظاهرة بإرجاعها إلى عللها القريبة وأسبابها المباشرة التي يستدل عليها باستخدام الحواس وبالملاحظة والتجربة بهدف الوصول إلى القانون الذي يفسر الظاهرة للاستفادة منها في الحياة العملية ، فحدوث ظاهرة المطر عند العلميين تحدث نتيجة عملية ميكانيكية تبدأ من تأثير الشمس وما يترتب عليها من تبخر وتكون السحب نتيجة عوامل الضغط والحرارة ثم هبوب رياح تجعل السحب تصطدم بالجبال أو هواء ساخن فيسقط المطر فهو تفكير حسي تجريبي ، والعلميين كالفلاسفة لا يعتقدون بأهمية ممارسة شعائر أو طقوس دينية أو عقدية من أجل حل مشكلة توقف المطر أو اشتداده .
وقد يكون هناك أساليب أخرى للتفكير غير ما ذكر سلفًا ، لكن السؤال الذي ينشأ هنا ، هل فكر أي منا إلى أي أسلوب أو منهج من أساليب التفكير ومناهجه ينتمي تفكيره عندما يرغب في تفسير ظاهرة المطر أو توقفها أو اشتدادها مثلا ، إن جوابك عما تعتقده فعلا وتمارسه من سلوك للتعامل مع هذه الظاهرة وتعليلها وتفسيرها يصنفك حتمًا في واحد من أساليب التفكير السابقة ، وقد تجمع بين أسلوبين ، لكن تفكيرك كعملية عقلية تمارسها عند قراءة هذه المقالة ومع أي ظاهرة من ظواهر الوجود حتمًا تعبر عن شخصيتك وانتمائك وعقيدتك ، فهل سألت نفسك مرة كيف أفكر ؟ وإلى أي منهج ينتمي تفكيري ؟
و لعل البعض منا لا يرغب في معرفة ما نوع تفكيره بقدر رغبته في معرفة لماذا اخترت هذا الموضوع لمقالتي الأسبوعية ؟ ، واختصارًا لعمليات عقل القاريء أقول بأننا في حاجة ماسة أن ندرك أننا موجودون بإدراكنا أننا نفكر ، فقد سبقت الحكمة في ذلك مقولة ديكارت الشهيرة: أنا أفكر إذًا أنا موجود . والله الموفق ،،،،،،
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 27 ربيع الثاني 1430هـ
الخوف بين الإيجابية والسلبية
في إطار بحثي عن مصطلح الخوف كشعور ينتاب الإنسان وبعض الكائنات الحية ماهيته وأسبابه وكيفية علاجه أعجبت كثيرًا بما تناوله الشيخ زياد عزام في موقعه شبكة الطب الروحاني على الرابط الإليكتروني الآتي : http://www.altebalrawhane.com/new_page_8.htm ، وقد فصل تفصيلا متناه الدقة في تحديد أنواع الخوف وخواصه وأسبابه وطرق علاجه ، كما تناول أكثر من كاتب هذا الجانب بالتعريف المختصر أو التفصيلي وكذلك الموسوعات المعلوماتية ، لكنني وددت تناول هذا الموضوع من جانب المقبول والمحذور من شعور الخوف الذي يقع في دائرة التعريف الإجرائي من وجهة نظري باعتباره نقص في الشعور بالأمن والطمأنينة نتيجة مثيرات حسية حاضرة أو توقعات أحداث مستقبلة يترتب عليها شعور بالألم أو خيبة الأمل ،
فالخوف المقبول شعور طبيعي وحالة سوية يصاب به الإنسان عندما يتهيب النتائج المستقبلة بينما الخوف المحذور مرض قد يترتب عليه اضطراب الإنسان أو هلاكه،وقد ينشأ الخوف نتيجة مؤثرات خارج جسم الإنسان كالتعرض لهجوم أو لمرض أو لنقص في الموارد الغذائية و المائية أو التعرض للحيوانات المفترسة أو التعذيب .... و غيرها، أو رؤية غير المستحب المترتب عليه في العادة ألم أو ضرر يلحق بجزء من تكوين الإنسان، أو يكون مصدره داخل جسم الإنسان نفسه مما ينتج عن رصيد الخبرة والقدرة على تفسير الأشياء وتقبل احتمالاتها ويصبح تأثيره أشد وقعاً في النفس الإنسانية. وأيًا كان نوع الخوف فإنه يؤدي إلى استجابات انفعالية تؤثر في السلوك العام للفرد، وتتوقف هذه الاستجابات على قوة المثير الداخلي أو الخارجي (الخطر) ومدى قابلية الجسم المتأثر في الرد عليه أو الاستكانة له، فيكون الخوف خوفاً حركياً، حينما يفاجأ الكائن الحي بخطر ما، حيث يترجم ناتج الخوف في سلوك الهرب وطلب النجاة ، وقد يترجم رد الفعل بالبكاء والصراخ والارتعاش ونحوها، و يمكن أن يتحول رد الفعل إلى تأهب واستعداد أو دفاع أو هجوم، حينما يجد الكائن الحي نفسه قادراً على مواجهة ذلك الخطر اعتماداً على قابليته الجسدية، وخبرته في مواقف مماثلة، لكن الخوف في مواضع أخرى يصبح متسلطاً تماماً بحيث لا يجد الطرف الآخر حيال الخطر الداهم إلا أن يستكين له تماماً، وتشل حركته حياله وقد يصاب الخائف نتيجة خوفه بالإغماء أو الذهول و قد تصل ردود الفعل السلبي إلى حالة الموت الحقيقي. وإلى جانب الاستجابات الانفعالية الحركية تحدث عادة مع الخوف تغيرات فيزيولوجية داخل الجسم البشري، حيث يفرز الجسم هرمونات من شأنها زيادة سرعة نبضات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وانقباض الأوعية، وضغط النشاط العضلي للمعدة والمثانة، واتساع حدقتي العين، وجفاف الحلق، واصفرار الوجه، ولكن سرعان ما تزول هذه الأعراض بزوال حالة الخوف ، ويماثل الإنسان في الشعور بالخوف بعض الكائنات الحية الأخرى ( شاين ثروت ).
وقد قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (اعلم أن حقيقة الخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، وقد يكون ذلك من جريان ذنوب، وقد يكون الخوف من الله تعالى بمعرفة صفاته التي توجب الخوف لا محالة، وهذا أكمل وأتم، لأن من عرف الله خافه بالضرورة، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ من عبادِهِ العلماءُ} [فاطر:28]) ["الأربعين في أصول الدين" ص196].
وقد وردت مفردة الخوف ومشتقاتها في القرآن الكريم في 124 آية ، بما تعنيه كل مفردة منها، لكن كلمة (خوف) وحدها وردت 21 مرة، ومشتقاتها 103 مرة، وقد اتخذت معاني كثيرة عند مفسري القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) (الأحزاب: 19). وقال تعالى : (هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً) (الرعد: 12). وقال تعالى : (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) (النور: 37). والخوف في هذه الآيات الشريفة جاء بمعنى الفزع. وحينما يمتدح الله قوماً يصفهم بالخوف.. كقوله تعالى: (ويخشون ربهم ويخافون سوء العذاب) (الرعد: 21). وقوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما) (المائدة: 23). وقال تعالى :: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) (السجدة: 16). ويقول تعالى: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (الإسراء: 57). وقد ورد الخوف في القرآن الكريم ثناء على ما يقوله الصالحون.. كقوله تعالى: (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) (الأنعام: 15). وقوله تعالى: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) (الأعراف: 59). وقوله تعالى: (قال رب إني أخاف أن يقتلون) (الشعراء: 14). وقد وصف الله تعالى في القرآن الكريم حالة الخائفين وصفاً رائعاً وبيّن الأعراض التي تظهر على وجوههم وجلودهم.. فيقول سبحانه: (فإذا أُنزلت سورةٌ محكمة وذُكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) (محمد: 20). وقوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) (الزمر: 23). كما جاء في القرآن نهي عن الخوف من غير الله؛ حيث قال سبحانه: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 175).
فالخوف من الله تعالى هو معيار الإيمان الحق للمؤمن ، فمن يؤمن بالله فلا يخاف من شيء عدا الخالق سبحانه.. كما ورد في قوله تعالى: (فمن يؤمن بربّه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً) (الجن: 13). وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً) (طه: 112). وهو شعور يساور كل إنسان مع اختلاف قوته وحدته وتأثيره . وقد عرفه بعض علماء النفس بأنه قلق نفسي، أو عصاب نفسي لا يخضع للعقل ويساور المرء بصورة جامحة من حيث كونه رهبة في النفس شاذة عن المألوف تصعب السيطرة عليها والتحكم بها .
و نتيجة للشعور بالخوف يلجأ الإنسان إلى طلب الأمن بكافة أشكاله ، ومن هنا تنشأ العلاقة الوثيقة بين الأمن والخوف، ويكونان معاً قطبي الحياة الإنسانية؛ فإذا كان الخوف قطبها السالب، فإن الأمن قطبها الموجب، وقد اهتمت جل الحضارات البشرية ونتاجات الثقافات الإنسانية بجانب الأمن والطمأنينة، بحيث صارت حاجة من حاجات الإنسان الأساسية ويحكم على صلاح النظم وفشلها بمدى توفيرها للأمن بمقوماته المتنوعة لعناصر النظام والإنسان أولها ، وشعور الخوف في الأساس غريزي في الإنسان وقد يسهم أسلوب التربية والتعليم في تنمية الشعور بالخوف أو الأمن تبعًا لتباين الرؤى والاتجاهات والعقائد ، ولمؤسسات التنشئة الاجتماعية من الأسرة والمدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام دور مهم في تكريس الشعور بالخوف أو الأمن لدى الناشئة وتبعًا لتنوعها تختلف ظواهر الخوف عند الناشئة، فالطفل الذي ينشأ في كنف نظام تربوي صارم ومرعب يقل فيه الأمن والإحساس بالطمأنينة يكون أكثر من غيره عرضة للوقوع فريسة الخوف وللأمراض النفسية والاجتماعية الخطيرة الناتجة عن الخوف وقلة الأمن .
فالخوف إذًا شعور طبيعي مقبول في غالبية أحواله و لكن عندما يتجاوز الخوف الشعور الطبيعي و يصبح هاجسا نفسيا مقلقًا وهوسًا مؤثرًا في الجسد أو النفس أو التصرفات فإنه يصبح حالة مرضية وخوفًا محذورًا ينبغي التخلص منه بالدواء الموصوف في القرآن الكريم وهو التوكل على الله تبارك وتعالى وعدم الرهبة والخوف إلا من الله تعالى بما يستوجبه الإيمان به سبحانه ، وتدريب النفس والجسد على ردود الفعل المطمئنة وتحمل الآلام عند مقابلة الرعب والمجهولات و المكروهات ومسببات الشعور بتناقص الأمن ،،، والله الموفق والمستعان .
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 20 ربيع الثاني 1430هـ
دولة الحلم العربية
في لحظات حلم مستغرق في المثالية عكف على كتابة دستور دولة الحلم نظامها الأساسي ومقوماته ومنطلقاته ومرجعياته الشرعية والقانونية ، ونظام القضاء ، ونظام الولايات ، ونظام الحقوق المدنية ، ونظام العلاقات الدولية والدبلوماسية ، رسم اسمها وعلمها ونشيدها الوطني وحدودها ولغتها وأوسمتها وغير ذلك مما جعله يعيش الحلم كأنما هو حقيقة ، وكأنه يعيد التاريخ لمشاعر أفلاطون ، ومشاعر الفلاسفة من بعده الحالمون بالفضيلة ودولة الحرية والنمو والتطور أمثال الغزالي ، وابن رشد ، وابن خلدون ، وغيرهم من المحدثين لكنه افترق عنهم في حداثته فلم يتبنى منهجًا لبراليًا أو اشتراكيا أو إسلاميا أو ديموقراطيا وإنما كان مزيج من كل ذلك وفق رؤيته للفضيلة والدولة المعاصرة القادرة على مواكبة المستجدات والمتطورات في شتى مناحي السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع ، إنه يحلم بما يحلم به الكثيرون من السلف والمعاصرين ، بكل ثقة أودع خلاصة حلمه وعمله الدؤوب في جهازه الحاسوبي ، وظل بين الفينة والأخرى يراجع ما دونه وصممه من فكر وأنظمة ولوائح وتسميات ورموز يعدل ويشذب ويطور ولم تتوقف عن التدفق أفكاره ورؤاه ، حتى حان موعد المراجعة النهائية لهذا العمل الحلم ، حينها تكلم جهازه الحاسوبي بما لم يضع له ثقلا في ميزان احتمالاته ، حيث توقف الجهاز فجأة ، وطلب الفني من أخينا وجوب الموافقة على ( فرمتة الجهاز ) مسح جميع بياناته وإعادة تهيئة القرص المرن الذي أثقلته مقترحات الدولة الحلم ، أطرق أخينا وهلة أمام الفني ونطق جهرًا بالرفض ، لا ، لا ، لا ، وتساءل محبطًا ، هل من الممكن المحافظة على ما في ذاكرة الحاسوب عند التهيئة وإعادة التأهيل ، فأجابه الفني على الفور ، للأسف عزيزي ، لايمكن الحفاظ على ما في الذاكرة ، إلا إذا كان لديك نسخ احتياطية منها ، عندها شهق متأسفًا نادمًا ، وقال : ليتني فعلت ، ليتني احتفظت لدولتي بنسخة احتياطية ، عندها قال الفني : لابأس ما دمت قد بنيت دولتك الحلم فيمكنك بعون الله بناء الأفضل منها ، ولربما غيرت رأيك عند بنائها من جديد ، وقد تعتمد اسمًا جديدًا وعلمًا جديدًا ونشيدًا جديدًا ، ونظامًا جديدا ، وهذه حال الفكر البشري يقوم اليوم ما كتبه بالأمس ، وقد تكون فرصة لك لتقويم ما كتبت في أمسك ليلائم غدك وغدنا ، ولا تبتئس بما قدر لك فقط أعطني الأمر لأقوم بإصلاح جهازك إن أردت أن تحاول استخدامه أخرى لبناء دولة حلم جديدة ، عندها أدرك الرجل الحالم أن الحلم الأول قد تلاشت معالمه وهو لا يكاد يتذكر مما دونه فيه غير أشياء قليلة ، وقالها للفني واثقًا ، قم بعملك لتعيد لي جهازي بدون دولة ، قال الفني وهو يقوم بعمله: ما اسم دولة الحلم التي بنيتها وصممتها ؟ : أجابه الحالم قائلا :الدولة العربية ، قال الفني : وما حدودها ؟، فأجابه قائلا: حدود جميع البلدان العربية ، قال الفني : وما شعارها ؟: فأجابه قائلا: شمس تشرق على الرمال ، قال الفني : وما ألوان علمها؟ فأجابه قائلا : أبيض وفي طرفه الأسفل خطان متواليان أحدهما أصفر والثاني أخضر ، فسأله الفني : ولماذا اخترت هذه الألوان ؟ فأجابه قائلا : تفاؤلا بسلام وعطاء ونور ، قال الفني : وما منطلقاتك لبناء دولة الحلم ؟ فأجابه قائلا : الشريعة والعدل والحرية والمساواة وحفظ الحقوق والنصر والمشاركة في الحكم والسلطة والمعايير والانتخاب ، قال الفني مستبعدًا تحقيق حلم الرجل : لعلك عند بناء دولة الحلم القادمة تنطلق من قدرة الشعوب على فهم ما تقدمه لهم من رؤية ، ولا تستغرق في الحلم فينتهي بك المطاف إلى (فرمتة ) جهازك _ أي مسح كل ما خزن في ذاكرته . قال الرجل الحالم : ربما سأؤجل حلمي حتى أستغرق في نوم عميق تضيع معه معالم مجتمعنا وشعوبنا العربية فلا تقيدني أحوالهم بفكر أو اتجاه عند بناء دولة الحلم التي أرغبها وأتمناها لأولادي وأحفادي وذرياتهم ، قال الفني لقد فرغت من إصلاح جهازك وتفريغ ما أثقل عليه ليعمل بكفاءة ، وإذا أردت أن تبني دولة أخرى فاحفظ ما بنيت في نسخ احتياطية ، وإياك والبناءات المشوهة أو البناءات الهشة ، فما ينقص حالنا اليوم مزيدًا من ذلك . فأخذ الرجل الحالم جهازه وانصرف يتمتم ، دولة الحلم العربية ، دولة الحلم العربية ، سأبنيها ولو أبت أن تتحقق ،،،،، والله الموفق
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 8 ربيع الأول 1429هـ
خطابات التثقيف مواجهات عبر التاريخ
تنشط فئات التثقيف عبر التاريخ في استجلاب تأييد الجماعات والأقوام والشعوب والعامة والدهماء ، وتتنوع بتنوع أهدافها وغاياتها بين خطابات دينية عقدية وخطابات اجتماعية وخطابات سياسية وخطابات ثقافية ، وتتباين في منطلقاتها وأساليبها ، وعليها يتم تصنيف فئات الخطابة بين واقعيين وحالمين ،وأصوليين ومتطرفين،وموضوعيين ومتملقين ، ومتفائلين ومتشائمين ، ومناصرين ومعارضين ، ..... ونحو ذلك من المتناقضات ، ونشأت في كثير من الأحيان فئات الوسطيين بين كل فئتين من ذلك ، ومن المؤكد أن الدوافع وراء تشكل هذه الاتجاهات الخطابية تتمثل غالبًا في الرغبة في تحقيق إما مصالح عامة أو مصالح شخصية ، والرغبة الجامحة في اكتساب تأييد العوام أو النخب لتوجيه الأنظمة والإجراءات نحو القناعات التي يؤمنون بها وينتمون إليها ، وقد تقارعت الألسن والعقول والآراء عبر التاريخ بالخطابات الموجهة ، وتمخضت عن مناهج متنوعة ومتباينة في المناحي العقدية والثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ونمت معها الطوائف والمذاهب واستخدم روادها ومناصروها أساليب متنوعة في التعبير وفي ردود الفعل شملت كذلك المواجهات المسلحة والمعارك ، وتشكل التنوع التاريخي في الحضارة الإنسانية نتيجة الاختلاف والإتلاف بين أنواع الخطابات الثقافية والتثقيفية المتنوعة .
وفي زمننا المعاصر تظهر تلك التنوعات في خطابات الثقافة والتثقيف بأنواعها وتتأثر بدرجة الحرية الممنوحة لحاملي ألويتها ، كما تتأثر بمستوى التعليم والوعي والثقافة ، وبنوعية وسائل الاتصال الجماهيري ونوع الوسائل والتقنيات الإعلامية ... ونحو ذلك ، وهو ما شكل مواجهات جديدة بمواصفات جديدة من نوع مختلف تتقارع فيها الاتجاهات الفكرية والمذهبية والسياسية والاقتصادية بأساليب أكثر تنوعًا وتصنيفًا وربما أكثر عنفًا وأسوأ تأثيرًا ، وقد تقود هذه الاتجاهات نخب أو دول أو أفراد لتحقيق غايات أكثر تعقيدًا، وتصدر الأحكام بمعايير من نوع مختلف عما حدث عبر التاريخ البشري ، والضحية المستهدفة في ذلك كله العامة والدهماء من الناس التي لا تعي بواطن الأمور وما وراء الخطابات الغرضية.
وقد تعايش العالم المعاصر مع مجموعة من الأحداث في المجالات المتنوعة كان منطلقها الخطابات الثقافية والتقيفية الغرضية ، وقد وجهت مصالح كل مجال من مجالات الخطابات الغرضية إلى حاملي لواءاتها ووقع في مصايدها العامة من الأميين في مجال الخطاب ، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا في مجال السياسة ومجال الاقتصاد ومجال الفكر والثقافة والإعلام ، ولايزال العالم يتجرع مرارة مترتبات هذه التوجهات وهذه الأنواع من الخطابات ، والتي تمخض عنها ما حل بالكثير من المجتمعات في الكثير من دول العالم من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولا تزال نخب المثقفين تحاول بكل إصرار ابتكار أساليب خطاب جديدة لتأكيد الفرقة أو لمحاولة إيقاف نزف نواتج الخطابات المنافسة أو المعارضة والواقعة في مساحات الضد أو في مصدات الغاية ، وتستمر الدوامة ، والعوام تائهون فيمن يصدقون ويتبعون بعدما اتجهت تلك الخطابات في اتجاهات الاتهام والتجريم وكشف الأغطية والتشكيك في النوايا وإبراز المثالب للخطابات المنافسة والخطابات الضد . وسيتطور الوضع في اعتقادي إلى ماهو أكثر تعقيدًا كلما نشأت حضارة بمقومات جديدة .
ولنضرب مثالا لأحوالنا في مجتمعنا اليوم ، فنوع الفكر الذي تشكل بفعل الخطاب الثقافي المتنوع في المجالات المتنوعة رسم لنا حدود الانتماءات العقدية والمذهبية والسياسية والثقافية ، كما وجه التفكير العام نحو سمات ومواصفات معينة للدولة والمؤسسات والأنظمة والعلاقات والتعاملات ونحوها . فجاءت النتائج تشير إلى نوعية جديدة ومبتكرة لأسلحة الخطابيين وأدواتهم ، وكشفت لنا عن مجموعة من الأزمات التي طالت الكثيرين من المنصاعين لتأثيرات الخطاب الثقافي والتثقيفي ... فهذه أزمات الاقتصاد وسوق الأسهم تلتهم الدهماء المندفعين وراء نوع الخطاب التأثيري ، وهذا الانفصام بين ثقافة المسؤول ونفسه بعيدًا عن كرسي المسؤولية أو التصريح من أجلها ، وهذا الغبار المثار لحظيًا من خلال وسائل الإعلام بتنوعها لتظليل العقول وتوجيهها نحو تحقيق غاية الانتصار والربح لفئات حاملي لواء نوع الخطاب ، وستستمر الأزمات لتطال مناحي الاهتمامات الإنسانية التي تعتمد على العقل لقبولها أو رفضها . وأخشى أن يصنف خطابي هذا من وجهة نظر بعض القراء إلى نوع لم أهدف إليه ، ولعلي لا أقنع البعض بأن هدفي من نوع خطابي هذا تنويري وأن دعوتي من خلاله هي التأكيد على أهمية التقويم والتحليل لكل أنواع الخطابات المتلقاة قبل تبنيها أو مواجهتها وقبل قبولها أو رفضها ، ولو أننا نهجنا مثل هذا النهج عبر التاريخ لغلب الخطاب العقلاني والقبول العقلاني كل الأنواع الأخرى من الخطابات والانتماءات لأنه لا سيادة لغير العقل في توجيه الخطابات واستقبالها حتى ولو كانت عقدية ، فالتسليم بالقبول دون التمحيص من محاذير العبادة الحقة ، فقد قالوا " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون " دون تفكير ودون تمحيص حتى ولو كان الموروث مهلكة وشرك بواح ، والعياذ بالله ، فلنعقل ولنعي ما كرمنا به المولى تبارك وتعالى من عقل لتمييز نوع الخطاب واتباع ما يوافقه شكلا ومضمونًا ، ألا قد أنذرت اللهم فاشهد ،،، وسنتغير إذا ما شئنا أن نتغير ، ووعينا ما نسمع وعقلنا ما نقول .. والله الموفق ،،،،، .
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 10 صفر 1430هـ
الفيروسات البشرية على الإنترنت
قد يكون لمواصفات العصر خصوصية تتعلق بالمعرفة والمعلوماتية يتفاءل بها الكثيرون من المعاصرين ، ويعتقدون بأنها ستقود العالم إلى فتوحات جديدة في مجال العلم والابتكارات وإشاعة النفع المعرفي للجميع ، وقد ينفلت الزمام وتصبح المنافع ظاهرية تخفي وراءها ضرر كبير خاصة إذا ما تطورت الحرية في وسائط المعرفة وأصبحت الأبواب مشرعة للرويبضيين الحالمين بالمجد المعرفي والشهرة وراء النكرات من الأسماء والصفات والنعوت ، وهو ما سيشكل في المستقبل الجيل الجديد من الفيروسات البشرية المستعصية على برامج مقاومة الفيروسات .
لعلني لست من المتفائلين بالنفع المستهدف للانفجار المعرفي والعولمة وأدواتها وتأثيراتها على مستقبل العقل والفكر والثقافة الإنسانية ، خاصة بعد أن انتشرت بسرعة كبيرة تلك الفيروسات الخطرة في غالبية نوافذ شبكة الإنترنت الدولية، متمثلة في تعليقات من تهيب الظهور بأمراضه علنا فظهر بها متخفيًا وراء الاستعارات والنعوت ليتجاوز بها العلم والأمانة إلى الدناءة والجهل المركب ، فينفث المرضى سموم نفوسهم وينشرون عبر وسائط المعلوماتية المفتوحة ما يدعوهم خلقهم المتدني إلى تقويضه أو تسفيهه أو الانتقاص منه شخصًا أو رأيًا أو اتجاه ، وهنا تضطرب المصداقية المعرفية وتشيع الأكاذيب والتهم وتسوء الأخلاق فيختلط الحق بالباطل فلا يتمكن العاقل من التمييز بينهما وهو الشر المستطير الذي سيهدم العالم بأسره .
قد ينجح المتخصصون في مكافحة فيروسات البرامج وما يبتكره غزاة الإنترنت الذين اصطلح على نعتهم (بالهكرز) إلا أنني أشك بأن هناك من سينجح في مكافحة فيروسات الفكر البشري التي غزت مواقع الإنترنت بأفكار مشوهة وأكاذيب مصنوعة وسرقات واسعة أفضت إلى شيوع الفساد الفكري إلى الدرجة التي أثرت على مصداقية المعرفة والمعلومات وموضوعيتها، فخسر الإنسان بهذا الاتجاه المنحرف فكريًا مصداقية مصدر من أوسع مصادر المعرفة في الوقت المعاصر .
وقد نعتقد بأن التربية واحدة من الحلول التي يمكن أن تعالج مثل هذه الظواهر المسيئة ، ولا أعتقد بأن حواجز التربية تكفي لمقاومة مد الفيروسات الفكرية ولو اتحدت أساليبها وتقنياتها واستراتيجياتها على مستوى العالم بأسره ، فالفيروسات قد استشرت في غالبية الفكر ، والعالم متنوع غير متفق على منهج وغاية ونظرية تربوية ، والخطر مستمر على العقل والفكر الإنساني ما بقيت الاستعارات والنعوت لتخفي وراءها الرويبضيين والمتسلقين والمدعين والمرضى الذين غلبت عليهم أنفسهم الشريرة ليعيثوا في الأرض الفساد.
وهنا أتذكر ما علق به أحد الأصدقاء على المشكلة بقوله : لعل الحل في هجر المصادر إذا ما ثبت العبث بها والتحريف ، وأرى أن الحل يكمن في التصدي لمثل هذه الفيروسات الخطيرة. ولنبدأ بأنفسنا فنقوم ما نتلقاه من مصادر المعرفية المتنوعة قبل الانتفاع بها ،،، والله الموفق،،، .
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 18 محرم 1430هـ
مذهب الشك ومناهج البحث العلمي
الشك خلاف اليقين، وهو حكم متردد تساوى فيه طرفا الاحتمال بين اليقين والإنكار أو بين القبول والرفض وهو تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر عند المقوم ، وهو المرض العضال للعقل والمثير للتردد والحاجب للقبول والطريق المحتمل في العقيدة إلى الكفر ويُعد بيرّو (275 ق.م.) الذي صحب الإسكندر في مسيرته إلى الهند والمنسوب إليه جماعة البيرونيين من أشهر المتشككين. ومن أتباعه في هذا المذهب كل من تيمون ، و كرنيادس (156 ق.م.).
ويقوم هذا المذهب على نظرية التردد والشك في الأشياء لعدم ثبوت حالاتها وعدم الاستسلام للرغبة والتفكير في إصدار الأحكام على السلوك لعدم ثبوت مقاصده ، وتنطلق النظرية من الاعتقاد بأننا وإن كنا نعرف ظواهر السلوكات والأشياء، فلا نستطيع أن نعرف حقيقتها الباطنة. ولما كان السلوك الواحد أو الشيء يظهر بمظاهر مختلفة لعدد من الأشخاص، فإنه من المتعذر أن نعرف الصواب في وجهات النظر. ولما كنا لا نستطيع التأكد من طبيعة السلوك ولا الأشياء ، ولا إصدار الحكم الصائب عليها، فإن الأمر يقتضي الوقوف والامتناع عن أي حكم ، ومن ثم، فإن على المرء أن يعيش في هدوء وطمأنينة، متحرراً من الأوهام المنبثقة من الأحكام ، والامتناع عن الرغبات، من أجل التحرر من الشقاء. وفي هذا ما ينبئ بأن هذا المذهب يدعو إلى السلبية، ويحض على الهروب وعدم الاكتراث، ولا يعنيه في شيء أن يسبر غور الطبيعة، للتعرف على أسرارها. وقد يكون مذهب الشك هذا مرآة تعكس حالة القلق وعدم الاستقرار التي عرفها شعبا الإغريق والرومان، في ظل الفتوحات والنزاع على السلطة الذي ساد ما بعد الإسكندر، وفي أيام الإمبراطورية الرومانية التي عانت ظروف مماثلة.وقد وجد المتشككون في العصور المختلفة عبر التاريخ ، وكانوا رافضين قبول دعوات الأنبياء والرسالات إلى التوحيد ، قال تعالى في سورة إبراهيم {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (9، 10). وقال تعالى في سورة يونس {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (104).فالشك في أمر ما تردد بين القبول والرفض لعدم رجوح الحكم فيه لدى المقوّم فلا احتمال اليقين ثابت له لقبوله ولا احتمال إنكاره ثابت له لرفضه ، وهو خلاف الظن الذي يرجح احتمالا ً منها بدرجة لا ترقى إلى اليقين ولا إلى الإنكار التام في الجانب السيئ من الظن.
وقد ظهر مذهب الشك لدى الفلاسفة المعاصرين لأغراض متعددة لعل من أبرزها ما تبناه الفيلسوف الفرنسي "ديكارت " كطريقة من طرق البحث عن اليقين، فالشك خطوة التأمل الفلسفي الأولى والأساسية عند ديكارت، وهو السبيل الأمثل للوصول إلى اليقين، إذ يقول: "الشك خطوة ضرورية لا بد من اتخاذها فخبرتي بالخطأ وتعرضي له منذ عهد بعيد واحتمال تجدده بفعل تلك الأحكام التي خضعت لها ولم أتبين صحتها، سواء كانت أحكاماً فرضها الغير، من معلمين، أو مرشدين، أو من وكّل إليهم أمري، أم أحكاماً فرضها عليّ الحس أو الخيال-وتعرضها للخطأ معروف- إن كل هذا يدعوني إلى الشك" (د.نجيب بلدي، ديكارت ، ص88) ويقول أيضاً: "لقد كنا أطفالاً قبل أن نصبح رجالاً، وحيث أننا قد أصبنا أحياناً، وأخطأنا أحياناً أخرى في أحكامنا على الأشياء المعروضة لحواسنا، عندما كنا لم نصل بعد إلى تكوين عقولنا، فإن هناك ثمة أحكاماً كثيرة، تسرعنا في إصدارها على الأشياء ربما تحول دون بلوغنا الحق، وعلقت بعقولنا قبل التيقن منها، حتى أنه لم يعد هناك أمل في التخلص منها إلا إذا شرعنا مرة أخرى في حياتنا إلى وضع جميع الأشياء التي قد تنطوي على أقل قسط من الريبة موضع الشك" (راوية عبد المنعم عباس، ديكارت في الفلسفة العقلية، دار النهضة-بيروت، طـ1،ص129).
ويختلف منهج الشك عند ديكارت عن الشك الذي كان سائداً قبل عصره، فالشك عند ديكارت هو شك مؤقت يقوم على هدم الماضي في سبيل إصلاح ما فسد منه، أو إعادة النظر فيه، في حين أن الشك عند من سبقه هو الشك المطلق كما هو عند"مونتني" وفلاسفة إيطاليا في القرن السادس عشر الميلادي نتيجة إعادة إحياء تراث اليونان وتغيير خريطة العالم. فديكارت لا يوجد عنده حقائق يقينية مسلّمة، قبل البحث والتدقيق، والتمحيص فيها، لكنه في الوقت نفسه لا ينكر وجود هذه الحقائق مطلقاً.فهو يشك في كل شيء، وبعد البحث يوصله هذا الشك إلى النفي أو إلى الإثبات، فالشك هو الأصل عنده ، وهذا المنهج الذي سلكه ديكارت كان من أُولى ثماره إثبات الذات والتي نتج عنها النظرية الديكارتية المشهورة "أنا أفكر فأنا موجود ، وقد بلغ ديكارت بمنهج الشك إلى إثبات وجود الله تبارك وتعالى .والمنهج العلمي الحديث مبني على الشكّ من خلال الفرضيات ، ففي عام 1920م ظهرت جماعة تسمى "دائرة فيينا" من أعضائها كرت جوديل، وبرتراند راسل، ولدونج ويتجنسن، وهم يعتبرون أنفسهم منطقيين إيجابيين. قالوا بأن التجربة في ما وراء الطبيعة أمر غير معقول وأن الحكم على القيم والأخلاق عاطفي .
وذهب راسل إلى أن الحقائق لدى الإفراد هي حقائق مستقلة عنها عند الأفراد الآخرين. ويرى أن المعرفة تبنى على المعلومات المتوفرة ، وقد ثبت عنه قوله الشهير : إن مشكلة العالم هي أن الأغبياء متيقنون والأذكياء متشككون. " .وقد اقتبست بعض طرق ومناهج البحث الحديثة هذا الأسلوب في منهجية الشك في تحليل المشكلات وفرض الفروض والسعي لإثباتها أو ردها من خلال البحث والتحليل والحكم على النتائج التي تفضي إليها عمليات البحث وإجراءاته ، وقد يكون الأمر مقبولا في الأمور العلمية الصرفة لكنه يستحيل في الأمور العقائدية الغيبية التي يقوم الدين على الإيمان بها كالإيمان بالله سبحانه وتعالى وملائكته وبالبعث والنشور وبالجنة والنار ونحوها من الأمور الغيبية التي تقوم على الأدلة النقلية والعقلية في توازن يثبت ما أثبته الله تعالى وينفي ما نفاه ولا يفضي منهج الشك فيها إلى اليقين بقدر ما يفضي إلى الهلكة والكفر .فالمسلم يوقن أن الموت ليس نهاية المطاف؛ بل بعده أمور جسام وهو على يقين أن الله يبعث من في القبور للعرض والحساب في يوم القيامة، أما غير المسلمين فإن كثيرًا منهم لا يؤمنون بالبعث والنشور، بل هم في شك من ذلك قال تعالى في سورة النمل : {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [66 - 68].وقال تعالى في سورة سبأ متوعدًا الكافرين الشاكين : ({وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} [51- 54].
والمنهج الإسلامي القويم يحبذ البحث عن اليقين ولا يحبذ الشك منهجًا ولا أسلوبًا ولا غاية مقصودة ، وتقصي الحقائق والبحث يجب أن يقوم على مبدأ حسن الظن والنية الحسنة لا على الشك ، يقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه " لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير محملاً" ، والنصيحة الطيبة في هذا المقام " احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقيلك عنه". وقد تعوذ المصطفى صلى الله عليه وسلم من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق وسوء المنقلب ، نسأل الله اليقين في العلم والبحث والاعتقاد ونسأله تبارك وتعالى حسن الظن والعفو في الدنيا والآخرة ،، والله الموفق .
هذه المقالة كتبت يوم الخميس 29 جمادى الآخرة 1429هـ
|