الرئيسية / مقالات / البدعة في التربية

البدعة في التربية

لقد شاع مصطلح البدعة في وقتنا الحاضر أكثر منه فيما سبقه من أزمنة ولعل من أكثر ما يمرً من الأحكام على أسماع المسلمين اليوم ويحتارون في مضمونه ما يتعلَّق بالبدعة، فقد ظهرت فِرَق إسلاميّة عدة اتهمت في نظر الفرق الأخرى بالمبتدعة وذلك نتيجة للأحكام التي تبنتها تلك الفرق باختلافها وفقًا لوجهات نظر فقهية متباينة في مسائل عقدية واجتماعية متنوعة لم يرد فيها نصوص أو أحكام شرعية صريحة

فنشأ الاجتهاد أو القياس الفقهي للحكم عليها ووسمها ونعتها بالبدع ، وقد زاد الأمر عن حد المعقول حتى إن البعض منهم أعطى بعض المفاهيم والممارسات المتعلقة بالأمور الدنيويّة لقب بِدعة ضالة، فلم يبقَ للناس من أمور دنياهم سبيلٌ يلجؤون إليه ليس فيه بِدعةٌ، ممّا يعني توغّل الإثم في جميع تصرّفاتهم وأفعالهم وحاجياتهم إذا ما جعلوا المعنى بمصطلح كل بدعة ضلالة شاملاً جميع البدع وفق تعريفاتهم المتباينة.

ومصطلح البِدعة عند إطلاقها يعني ما استُحْدِث من الأمور والأفعال، سواءً كان ذلك في الدِّين أو في غيره فالبِدْعة العلميّة: تعني إحداث أمرٍ جديدٍ في العلم، أو ابتكار واختراع ما لم يكن سابقا، وأهل البِدَع: هم الذين يخرجون على تعاليم الدين الصحيحة، ويرى ابن تيمية رحمه الله أن البِدعة في الدين هي استحداث ما لم يُشرِّعْه الله سبحانه وتعالى أو رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، أو هي فعل ما لم يأمر به الله ورسوله أمر إيجابٍ، أو حتّى أمر استحباب، ويوقفها ابن تيمية على أمور الدين ولم يخض في تعريف ما ابتدع في أمور الدنيا غير الدينية، وعرَّف الشاطبيّ رحمه الله البِدعة بأنّها طريقةٌ مخترعةٌ في دين الله، تُضاهي أو تُماثل الأحكام الشرعيَّة، بمعنى أنّها تشبه الطريقة الشرعيّة، غير أنّ الحقيقة ليست كذلك بل هي مُضادّة لها، ويُقصَدُ بفعل تلك الطرق وابتداعها والسلوك عليها زيادةُ التقرُّب إلى الله سبحانه وتعالى والمبالغة في عبادته عزَّ وجل، وهذا التعريف يصدق عند من يرَون أنّ البِدع لا تدخل في العادات؛ فلا يمكن حسب رأيهم أن تُسمّى العادات بِدَعاً، ولا تُطلق البِدعة إلا على ما كان مُحدَثاً في دين الله تعالى من العبادات حصرًا، ويرى الحافظ ابن رجب رحمه الله أنّ البِدعة ما أُحدِث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلُّ عليه، فأمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه، فليس ببِدعة شرعاً، وإن كان بِدعةً لغةً، فكلّ من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدِّين يرجع إليه فهو ضلالة، والدّين بريء منه، سواءً كان ذلك في مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وقد رأى الشافعيّ رحمه الله فيما نقل عنه ابن حجر رحمه الله أنّ البِدعة بِدعتان: بِدعةٌ محمودة، وبِدعةٌ مذمومة، وأنّ ما وافق السنة من تلك البدع فهو محمود، وما خالف السنة منها فيدخل في نطاق البدع المذمومة، كما نُقِل عنه قوله :بأن البدع ضربان: الضّرب الأوّل ما أُحدِث وكان في مضمونه يخالف كتاب الله، أو يخالف سُنّة رسوله، أو يخالف أثراً أو إجماعاً، فهذا النوع من البدع يُعدّ من بدع الضلال، أمّا الضّرب الثاني فيدخل فيه ما أُحدِث من الخير ولا يخالف شيئا من كتاب الله، أو سُنّة نبيّه، أو أثر أو إجماع، فهذا يُعدّ مُحدَثاً غير مذمومٍ، وكذلك هو رأي غالبية علماء المسلمين من الفقهاء فهم يربطون البدعة بالممارسات التي تنسب إلى الدين والشرع ويتعبد بها تقربًا إلى الله تعالى وليس لها دليل أو أصل في الشرع المتفق عليه أما ما عداها فهي بدع غير مذمومة.

فدليل من يرى بأن البدعة في الدين ضلالة قوله صلى الله عليه وسلم: “كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.” وقوله في خطبه: “أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة”، وقوله: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”، فالبدعة ما أحدثه الناس في الدين، من العبادات التي لا أساس لها، ودليل من يرى بأن من البدع ما هو محمود حتى في الدين ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعًا أنه قال: “من سنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سُنَّةً سيئةً، فعليه وِزرها وَوِزر من عمل بها إلى يوم القيامة”.

ومما تقدم يتبين لنا أن لفظ البدعة يُفهم عند العلماء بمعنيين؛ ومن ثم يُحكم عليه بحكمين:

الأول ما ذهب إليه الشافعي والعز بن عبد السلام وأبو شامة، والنووي من الشافعية، والإمام القرافي والزرقاني من المالكية، وابن الجوزي من الحنابلة، وابن عابدين من الحنيفة إلى تقسيم البدعة تبعًا للأحكام الخمسة إلى: واجبة أو محرمة أو مندوبة أو مكروهة أو مباحة، والثاني لبعض الفقهاء الذين يرون بأن البدعة مذمومة على كل حال، وتنقسم البدعة من وجهة النظر الأولى إلى الآتي:

البدعة الواجبة: كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك واجب؛ لأنه لابد منه لحفظ الشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

البدعة المحرمة ومن أمثلتها: مذهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والخوارج.

البدعة المندوبة: مثل إحداث المدارس، وبناء القناطر، ومنها صلاة التراويح جماعة في المسجد بإمام واحد.

البدعة المكروهة: مثل تزويق المصاحف.

البدعة المباحة: مثل المصافحة عقب الصلوات، ومنها التوسع في اللذيذ من المآكل والمشارب والملابس.

وأنا هنا لست بصدد تناول أحكام البدع في الدين وإنما أحببت الإشارة إلى أن البدع في بعض أمور الدنيا مختلف فيها عند بعض فقهاء المسلمين ولم أجد مستندًا ومرجعًا أصيلا متفق عليه ينهى عن البدعة في التربية وهو ما أدعو إليه لإحداث التطوير المأمول في أسسها وأساليبها وغاياتها ونظمها لتتوافق مع متطلبات العصر وتفي باحتياجات المستقبل.

إن التربية الجامدة والموروثة الخالية من البدعة والإبداع تظل تربية تقليدية ومتخلفة ولا تنتج أمة عظيمة منافسة في ظل وجود التنافس الدولي بمخرجات التربية والتعليم المتطورة والملبية لاحتياجات النمو والتطور والنهضة في جميع المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وستظل التربية المتمترسة بالأسس المقيدة بالتراث تنتج مجتمعات مشلولة ومستهلكة واتكالية وتحت سيطرة الأقوياء الذين حرروا التربية من قيودها واعتمدوا في تطويرها البدعة والإبداع والابتكار والتحديث في كل مكوناتها بدءًا من الأسس وانتهاء بالمخرجات المنافسة.

إن ما تعانيه مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم من تردي الأحوال في جميع مناحي الحياة وفي تفشي الاضطرابات والانحرافات الفكرية وتفشي البطالة والتحارب والتصارع على السلطة يعود بعد مشيئة الله تعالى إلى سوء مخرجاتنا التربوية وتخلفها وانتقال أثرها إلى جميع مدخلات بناءاتنا الأسرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبالتالي سوء العمليات والمخرجات، وذلك ما يتفق عليه الكثيرون من الباحثين والمتخصصين في مجالات التربية ، ويؤمن به العقلاء من العامة ، ولذلك فإن الطريق السليم لإصلاح أعطاب المجتمعات والأمم يبدأ من إصلاح أنظمتها التربوية،  وأنا أؤكد أن البدعة في التربية مدخل من مداخل تطويرها لتحقيق آمالنا في المنافسة العالمية في شتى المجالات، وأدعو الخبراء والمهتمين والقائمين على الأنظمة التربوية والتعليمية إلى البدعة والابداع والابتداع والابتكار في التربية لتحقيق آمالنا المجتمعية المعاصرة والمستقبلية، والله الموفق.

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما يبدع الصغار في تربية الكبار

اعتاد الناس على الاعتقاد بأن مسؤولية التربية في مجملها تقع على عواتق ...