الرئيسية / مقالات / التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال في أي وقت ماض سواء في الكمية أو التنوع أو في قوة التأثير والانتشار بلا حدود وأصبحت العقول والذاكرة الإنسانية المتواضعة تنوء بحفظ هذه المعلومات وتخزينها مع سرعة التدفق وتنوع المصادر، ومن كرم الله على الإنسان تيسير استخدام الأجهزة الحديثة للحفظ والاسترجاع وإمكانية استخدامها من قبل الكثيرين من الناس في جميع أنحاء العالم باستخدام شبكة الإنترنت أو الحواسب والهواتف الذكية

ويشير استشراف المستقبل إلى تطور حالة التدفق المعلوماتي وتطور وسائط العرض والحفظ والاسترجاع مما يعني إمكانية ظهور أشكال وأحجام وكميات وأنواع أخرى مما لم يتم التعامل مع مثلها اليوم ومما يتطلب تعلم مهارات جديدة للتعامل معها والاستفادة من محتوياتها ، وكل هذا سيخفض استخدام الذاكرة الإنسانية لاستيعاب المعروض من المعلومات المتنوعة ويؤكد على أهمية التدريب على مهارات استخدام المعلومات وتوظيفها للتعايش والعلم والحياة .

لقد كانت مهارات الحفظ والتذكر إلى عهد قريب من مهارات التعليم والتعلم الضرورية وقد أكد على أهميتها عبر تأريخ التربية والتعليم كثيرون من التربويين السابقين على اعتبار أنها من أساسيات الاستفادة من المعلومات والمعرفة، وحيث أن الغاية من المعرفة هي تكوين الخبرة وتوظيفها للحياة فقد أصبح بإمكان الأفراد اليوم أن يحققوا غايات التربية والتعليم والاستفادة من تدفق المعلومات والمعرفة باستخدام الأجهزة والتقنيات المعاصرة عند الرغبة في الحفظ والاسترجاع والاستغناء عن الذاكرة الإنسانية المتواضعة ، ولن يلتفت الأفراد والمعنيون المعاصرون وفي المستقبل إلى دعوات المنادين بأهمية الحفظ والاسترجاع كمهارات لازمة للتعلم حيث سيتم التركيز على مهارات الفهم والتدبر والتحليل والتركيب والتقويم وما يلزم من مهارات استخدام وسائط التخزين من الأجهزة والأدوات المتطورة للإفادة من التدفق المعرفي والمعلومات وتوظيفها للحياة .

إن المعرفة والمعلومات المطلوبة للتربية والتعليم والتعلم ينبغي أن تستهدف تحسين الصور الذهنية عن الأشياء وتكوين العقل المثقف القادر على التعلم واستخدام الأدوات المعرفية المتنوعة لاسترجاع المعرفة وتوظيفها في الحياة وتقويم الإيجابيات والسلبيات واتخاذ القرارات الصائبة لتكوين السلوكيات والاتجاهات الإيجابية والانسجام مع البيئة ومكوناتها والتفاعل معها ، ولأن المعروض اليوم من المعلومات المتدفقة عبر وسائط الحفظ والنقل المعلوماتية يصعب على التربية بكل وسائلها وعملياتها الانتقاء والعزل والتحصين فقد أصبح من الضرورة تبني تدريب المتعلمين على المهارات والكفايات اللازمة لاستفادتهم من التدفق المعرفي والمعلوماتي بما يحقق نموهم المتوازن والسوي ويحصنهم من الاستهدافات المضرة.  

إننا ندرك بأن علينا في الوقت المعاصر أن نعمل العقل في تقويم المعلومات المتدفقة وفحصها لاختيار الملائم منها وهذا لا يتأتى لنا إن لم نمتلك المهارات العقلية اللازمة للتفكير والتحليل والتقويم والتدبر، ولهذا فإنه ينبغي على جميع وسائل التربية والتعليم استهداف إكساب هذه المهارات  للمتعلمين ، وقد برع مجموعة من التربويين في تحديد مهارات القرن الواحد والعشرين اللازمة للتفاعل مع المستجدات والتفجر المعرفي والمعلوماتي والاعداد للحياة وهي مهارات التفكير الناقد، والتواصل والعمل الجماعي، والإبداعُ وحلُّ المشكلات، والقيادة وصنع القرار، والمواطنة المحلية والعالمية، والريادة والمبادرة، والثقافة التكنولوجية، والتمكن اللغوي ، وقد حددتها منظمة الشراكة من أجل مهارات القرن الحادي والعشرين في : (1) مهارات التعلم والابتكار التي تتكون من: مهارات الابداع والابتكار، ومهارات التفكير الناقد وحل المشكلات ومهارات الاتصال والتعاون ، (2) مهارات المعلومات ووسائل الإعلام والتكنولوجيا وتتكون من: الثقافة المعلوماتية، والثقافة الإعلامية، والثقافة التكنولوجية ، (3) المهارات الحياتية والمهنية وتتكون من: المرونة، والتكيف، والمبادرة والتوجيه الذاتي، والمهارات الاجتماعية، والإنتاجية والمحاسبية، والقيادة والمسئولية، ويرى الكثيرون من التربويين المعاصرين أهمية هذه المهارات وضرورة التركيز عليها في النظم التعليمية وذلك من أجل إعداد جيل واع أكثر قدرة على التعامل مع التدفق المعرفي والتطورات التقنية والأجهزة الذكية وأعدادهم ليصبحوا متأقلمين مع المستجدات ومشاركين فاعلين في المجتمع ومنتجين ومبدعين.

تشير الحقائق العلمية إلى أن نحو 80% من الوظائف ستختفي بعد عدة عقود من الزمن، وبأن المعلومات سوف تتضاعف، وأن الوظائف الأكثر انتشارًا سترتبط بالمعرفة والتقنيات والبرمجة والأمن المعلوماتي ،وفي حين تنمو وظائف وتتراجع أخرى، سيبقى هناك عامل واحد أكثر أهمية في كل الأحوال هو المهارات، فوفقًا للبيانات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي سوف يتم خسارة 5 ملايين وظيفة لصالح الآلات في أقل من خمس سنوات، وقد تضمن تقرير البنك الدولي لعام 2016، بيانًا يوضح الدول الأكثر عرضة لإحلال الآلة فيها محل الوظائف بحلول عام 2035، حيث تحتل إثيوبيا المركز الأول بنسبة 85%، ثم الصين في المركز الثاني بنسبة 77%، ثم تايلاند بنسبة 72%، ثم الهند بنسبة 69%، ثم جنوب إفريقيا بنسبة 67%، ثم لأرجنتين ونيجيريا بنسبة مماثلة 65%، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 47%. ، وهو ما يعني تغير المفاهيم بشأن المعرفة والتربية في تلك الدول وفي من سيلحق بها من الدول والمجتمعات الأخرى، ومع ذلك فإن التقدم التكنولوجي مثل مجال الروبوتات سوف يخلق وظائف جديدة، وسوف يغير نوع المهارات التي يحتاجها أرباب العمل من الموظفين مما يتطلب استجابة النظم التربوية والتعليمية لها، وسيظل تدفق المعلومات وتطور المعرفة وتطور الصناعات الرقمية الذكية تحديات مستمرة أمام التربية والنظم التعليمية. والله الموفق.

 

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العلم والإيمان في التصور التربوي

لقد بذل الفلاسفة وعلماء التربية وعلماء العقائد المتنوعة جهودًا مضنية للتعريف بالعلم ...