الرئيسية / مقالات / التربية بالحوار خارج صندوق العادات

التربية بالحوار خارج صندوق العادات

يقول الكاتب المتخصص في تطوير الذات صاحب كتاب التربية بالحوار الدكتور عبدالكريم بكار:” إن طريق الحوار هو طريق المستقبل وهو طريق النهوض وطريق الفهم العميق والرؤية الثاقبة، كما أنه طريق التآخي والتعاون، وإذا لم نسلك هذا الطريق، فقد يكون البديل هو طريق التباغض والتجافي والتعنيف والانغلاق وسوء الفهم، وهذا ما لا يتناسب مع الرؤية الإسلامية للمستقبل، كما لا يتناسب مع الأدبيات الإسلامية في العلاقات الاجتماعية ، وأنا أوافقه الرأي حول ما قرره تجاه الحوار كأسلوب تربوي يكسب الناشئة تقدير الذات واحترام الآراء الأخرى وإن تباينت عن رأيه وهو أسلوب تفاهم بشري تعتمده الدول والدبلوماسية الجادة والراغبة في الوصول إلى اتفاقات عادلة.

وفي وطني العزيز أدركت الحكومة السعودية أهمية الحوار لدعم اللحمة الوطنية ومكافحة التطرف والانحراف الفكري حيث دعت إلى عقد اللقاء الوطني الأول للحوار الوطني بمدينة الرياض في عام 1424هـ وأعقب نجاحه تأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في الخامس من شهر جمادى الآخرة من نفس العام ومن أهم أهدافه نشر ثقافة الحوار، وتوفير البيئة الملائمة للحوار الوطني بين أفراد المجتمع، وترسيخ أواصر الوحدة الوطنية وتقويةلحمتها وفتح قنوات للحوار الصريح الهادف إلى تقريب وجهات النظر بما يدعم التلاحم الوطني ونبذ الفرقة ومعالجة أبرز القضايا والمشاكل المتواجدة في المجتمع ومحاربة التعصب والتطرف والغلو ونشر ثقافة الحوار الصادق. وقد وجدت مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله بإنشاء المركز ترحيبًا دوليًا من أصدقاء المملكة السعودية وترحيبًا محليًا من المسؤولين والعلماء والمثقفين والأدباء وعامة أفراد المجتمع السعودي مؤكدين أهمية الحوار كأسلوب حضاري لتأكيد الفكر الوسطي ومكافحة التطرف، وقد نفذ المركز في سنواته الأولى مجموعة من لقاءات الحوار التي تناولت مجموعة من القضايا الوطنية وأتاحت من خلالها المشاركة للكثيرين من المهتمين بتلك القضايا وقد كان لي شرف المشاركة في أكثر من لقاء وعبرت خلالها بكل حرية مطلقة عن آرائي بشأن تلك القضايا.

فالحوار في حقيقة الأمر هو أسلوب ومنهج حياة يجب أن يسود داخل الأسرة وفي المدرسة وفي المسجد وفي المؤسسة والشركة والنادي، وبين كل الفئات والشرائح الاجتماعية، والحوار مع الأبناء هو تفاعل بين الوالدين والأبناء عن طريق المناقشة، والحديث عن كل ما يتعلق بشؤون الأسرة والثقافة العامة، لتحقيق التواصل الإيجابي والألفة والتفاهم، وغرس القيم والأخلاق، وحل المشكلات، والإجابة عن التساؤلات، والتعامل مع متطلبات الحياة اليومية، والحوار مع الطلاب في المدرسة أسلوب تربوي متطور لإكسابهم المهارات اللازمة للتواصل الآمن مع الآخرين واحترام آرائهم بتعدد اتجاهاتها.

فالحوار المطلق يتمثل فيما يتناوله طرفان أو أكثر من قضايا مشتركة، عن طريق العرض والتفسير والتساؤلات والنقاش والتحليل والتقويم للوصول إلى مفاهيم وأحكام متوافقة أو متقاربة، بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، وقد يصل المتحاورون إلى نتيجة مقنعة ومتوافقة وقد يفتح الحوار الآفاق لحوارات جديدة مرتبطة بموضوع الحوار أو تابعة له لكنه في كل الحالات يكسب المتحاورين مجموعة من المهارات والقيم والاتجاهات الإيجابية ويدعو السياسيون والمثقفون والتربويون إلى استخدامه للتربية وحل المشكلات وتقوية العلاقات وتقريب وجهات النظر.

وقد تناول موضوع التربية بالحوار مجموعة من المفكرين والمتخصصين وفي مقدمتهم الدكتور عبدالرحمن النحلاوي صاحب كتاب التربية بالحوار من أساليب التربية الإسلامية والدكتور عبدالكريم بكار صاحب كتاب التربية بالحوار ، وتصدى مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إلى تبني طباعة مجموعة من الدراسات والأبحاث المعنية بالحوار بشكل عام والتربية بالحوار، وهي مراجع قيمة للباحثين والمهتمين بالتعرف على الأساليب التربوية بالحوار وتأصيلها الإسلامي، وأنا هنا أؤكد على أن التربية بالحوار من أساليب التربية الإسلامية والتربية المعاصرة والمستقبلية والتي ينبغي تثقيف الوالدين والمعلمين والمربين بها وحثهم على تبنيها في تربيتهم للناشئة .

لقد ترسخ لدى البعض من بعض الثقافات مفاهيم ضد الحوار تقوم على التسلط الفكري ورفض الرأي الآخر ومصادرة حرية التفكير لدى الأفراد فكانت السيادة للغلبة في القوة والسلطة وترتب عليها الإقصاء والتهميش والخلافات المتنوعة والعصيان والعقوق وهذه نتائج متوقعة في أي مجتمع يقصي الحوار ويستبدله بالفرض والاستبداد، والعقلاء يستنكرون استبدال الأساليب السلطوية بالحوار ويجدون أن من الجهل إقصاء فكر الآخر وإن اختلف مع الفكر السائد والمتوارث، ولهذا فإن الإسلام يدعو للحوار ويستخدمه أسلوبًاللتواصل والتقاضي والتوافق وقد امتلأت الكتب الإسلامية بالإرشادات المتنوعة لتطبيقه في الحياة بكل مستوياتها في البيت وفي المجتمع ودور التعليم، وبرزت في القرآن الكريم الكثير من أمثلة الحوار الرباني متنوع الأهداف والمقاصد والغايات، ولذلك فإن من ابتغى طريقًا للتربية لا تقوم على الحوار فقد ابتغى طرقًا مسدودة لا تفضي إلى نتائج إيجابية، ومن ظن أن التسلط وفرض الرأي أسلوبًا حكيمًا فقد جانب الصواب بالكلية. ولعلي أدعو في هذه المقالة الجامعات والجهات المسؤولة عن إعداد المعلمين إلى اعتماد إعداد المعلمين وتدريبهم على استخدام الحوار طريقة تدريس وتعليم فاعلة وأدعو وسائل الإعلام العادية والإعلام الجديد والمؤثرين من خلالها إلى الدعوة إلى الحوار وتأكيد أهمية استخدامه من جميع القائمين على التربية والتواصل والتعليم والتثقيف العام، وأرجو أن يعاد النظر في تفعيل نشاطات مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني المتعلقة بنشر ثقافة الحوار فإني قد لمست تراجعًا في مخرجاته المتمثلة في اللقاءات والنشرات والمطبوعات وقد يكون هذا ما لمسه المتابعين لتطوره ، والله الموفق .

 

 

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العلم والإيمان في التصور التربوي

لقد بذل الفلاسفة وعلماء التربية وعلماء العقائد المتنوعة جهودًا مضنية للتعريف بالعلم ...