الرئيسية / مقالات / التعليم للحرية مواجهًا التعليم المسيس والمقولب لتقييدها !!

التعليم للحرية مواجهًا التعليم المسيس والمقولب لتقييدها !!

هل يمكن استخدام التعليم لتحجيم الحريات وقولبتها وتأطيرها وتوجيهها نحو تحقيق أهداف القوة؟ هل يمكن استخدام المدارس معامل غسل للأدمغة لتحقيق مكاسب للسلطات؟ هل نظم التعليم السائدة تلبي مطالب التحرر من الجهل؟ وهل يمكن للتعليم أن يصبح قيدًا مكبلاً للأفراد مانعًا من تمتعهم بالحرية والانطلاق في فضاءات الابداع؟

أسئلة يطرحها العقلاء والأقل عقلاً وفطنة وأحيانًا المجانين الذين كانوا من مخرجات الأنظمة التعليمية المتنوعة. قد نتفق على أن للتعليم مطلقًا دور بارز في شيوع بعض الثقافات وتكريس مبادئها لدى المجتمعات عبر التأريخ مثل الشيوعية والاشتراكية والفاشية والرأسمالية والدكتاتورية والديموقراطية والأصولية والإلحادية والوسطية ونحوها من الثقافات التي ساد بعضها وباد البعض الآخر وتطور البعض الآخر إلى مقاصد تقتضيها مصالح السلطة والقوة والحكومات المتنوعة، وقد نتفق على أن لأنواع التعليم أثر في تشكيل الرأي العام والثقافة العامة ، وقد نتفق على أن تشويه أنظمة التعليم يفضي إلى مخرجات مشوهة بالفعل ، وقد نتفق أخيرًا على أن أنظمة التعليم الماضية والباقية جميعها تبدو مشوهة من وجهات نظر المنصفين في تقييم مخرجاتها المتنوعة والمؤثرة سلبيا أو إيجابيا في الثقافات والعلاقات والسلوكيات الاجتماعية، فما يتوافق مع اتجاهات سلطة ويحقق أهدافها في أمة قد لا يتوافق مع اتجاهات سلطة أخرى ، وتتنوع السلطات بتنوع أغراضها وأساليبها وشخوصها فقد تكون سياسية وقد تكون ثقافية وقد تكون دينية وقد تكون اجتماعية وقد تكون خليطًا من بعض ذلك وعليه تتنوع أساليب أنظمة التعليم للتعليم أو للتجهيل كل بحسب توجهه.

في الكتاب الأخضر المنسوب إلى معمر القذافي الذي يصنفه البعض بأنه شخصية من الطغاة والبعض الآخر يجعله من الحكماء وكثيرون يسمونه ويصفونه بالجنون والاستبداد والذي حكم دولة ليبيا لردهة من الزمن اختلف الناس في وسمها بين ساخط ومؤيد وأفضى إلى الله بأعماله سواء ثقلت موازينه أم خفت ، في كتابه الأخضر يقول : ” إن العلم أو التعليم ليس ذلك المنهج المنظم وتلك المواد المبوبة التي يجبر الناشئة على تعلمها خلال ساعات محدودة على كراسي ما يسمى مدارس والسائدة في جميع أنحاء العالم فذلك الذي يطبق إنما هو أسلوب مضاد للحرية “، ويواصل القول : “إنه طمس إجباري لمواهب الإنسان ، وهو توجيه بالإكراه للاختيارات المتاحة فقط ، إنه عمل دكتاتوري سلطوي قاتل للحرية ” ويقرر بقوله : ” إن الدول التي تمارس هذا النوع من التعليم هي دول تمارس التعسف ضد مواطنيها وتعمل على تقييد حرياتهم بما يخدم مصالحها وأهدافها “. قد يبدو للبعض أن ما قاله لا يجانب الصواب وقد يتساءل البعض فكيف يمكن أن يتم التعليم إذًا؟ يجيب القذافي على افتراضات التساؤلات بقوله: ” هذا لا يعني أن تغلق أبواب المدارس ويوقف التعليم ويصرف الناس عن التزود من العلم بل المطلوب فتح أبواب التعليم مشرعة لتلقي التعليم بحرية مطلقة غير مسيسة ولا مقولبة ولا منظمة لتحقيق غاية التسلط وفرض الثقافة، وأن يترك للمتعلمين الحرية في تعلم ما يشاؤون كما يشاؤون “.

والحقيقة أنني وجدت ذاتي من بين المتوافقين رأيًا مع ما عبر عنه القذافي وسطره في كتابه الأخضر بشأن هذا الموضوع بالتحديد ، فتعليم يقيد حرية التعلم ويكبح قدرات المتعلمين ويسد أبواب إبداعاتهم وابتكاراتهم ويجعلهم سواءً في تلقي نوع التعليم لا يمكن تبرئته من الدكتاتورية وتقييد الحرية ، وتعليم يتبنى منهجًا بعينه في الثقافة والعقيدة والمذهب والفكر ويفرضه على جميع المتعلمين دون تقدير لفروقهم الفردية ودون احترام لتنوع اتجاهاتهم وقدراتهم يعد تعليمًا مسيسًا ومقولبًا لتحقيق غايات تتضاد فعلا مع الحرية في الكثير من الأحيان ، وتعليم يقدم التعليم بنفس الأساليب لجميع الطلاب دون مراعاة لتنوعهم يعد تعليمًا مقيدًا للإبداع والتميز والابتكار ، فالمعرفة المطلقة غير المقيدة حق وهبه الله لكل إنسان وليس لأي نظام حكم أو سياسة أن تحددها أو تقيدها لتحقيق غايات خاصة .

ولعلنا عند تقييم مخرجات النظم التعليمية القائمة في جميع دول العالم بموضوعية نصل إلى الحكم بأنها أنظمة تعليم دكتاتورية تستخدمها الحكومات لتحجيم الحريات وقولبتها وتأطيرها وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها، وأن المدارس تبرز كمعامل غسل للأدمغة لتحقيق مكاسب للسلطات، ولم ينج من هذا النوع من التعليم أحد منذ نشأت الأنظمة التعليمية والمدارس النظامية إلا من ابتغى التعلم خارج أسوار المدارس السائدة وهو توجه لم يتحقق إلا للقليلين الذين وجدوا بدائل في التعلم الذاتي بعد تقدمهم في العمر ، أو لبعض الناشئة اليوم الذين فتحت أمام تعلمهم أبواب فضاءات الإنترنت فاكتسبوا منها ما حجبته عنهم الأنظمة التعليمية بالفعل ، وحققت لهم المزيد من الحرية في التعلم وإن كانت في نظر المتحفظين تمثل أبوابًا للتعلم غير منضبطة قد تقود الأفراد إلى الانحرافات عن المنهج والعقيدة والثقافة السائدة .

إن بين التجهيل والتعليم خيط رفيع لا يدركه إلا من وجد مع البحث أن من التعليم ما هو تجهيل بالفعل حيث تمنع في التعليم المنظم والمسيس والمؤدلج والمقولب في كثير من الأحيان أنواع من العلوم والأفكار والتوجهات التي أنتجها الفكر الإنساني على مدار الزمن خوفًا من انتقال أثرها إلى المتعلمين وتستهجن بعض النظم التعليمية تعريف المتعلمين بأنواع من الثقافات الأخرى لمجرد مخالفتها للثقافة المحلية السائدة تحصيننًا للثقافة المحلية من وجهة نظر القائمين على الأنظمة التعليمية ، وقد أدرك بعض المتحررين في بعض دول العالم هذا العيب في الأنظمة التعليمية السائدة وبادر بعضهم بتأسيس مدارس تحترم التعليم للتعلم لا للتجهيل والإقصاء الثقافي وقيد الحريات ، ومن تلك المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية مدرسة “THINK Global School” في مدينة نيويورك حيث يقوم الطلاب فيها بدراسة كل فصل من الفصول الدراسية في بلد جديدة، حيث يتعلمون لغات جديدة ويعملون مع مختصين محليين لتعلم المزايا التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية المتنوعة ، وفي بالي بدولة إندونيسيا تأسست مدرسة الحياة حيث يتعلّم الأطفال فيها مبادئ الاستدامة والحياة الصديقة للبيئة، بينما يدرسون مختلف المستويات الأكاديمية في أحضان الطبيعة بدون مناهج أو مقررات محددة وقد بنيت تلك المدرسة بالكامل من شجر البامبو وأقبل عليها كثير من الطلاب حول العالم من الذين يؤمنون أولياء أمورهم بأنها تقدم التعليم الحر والتعلم الإبداعي وفق الاتجاهات والميول والرغبات ، وأتوقع أن تتطور مثل هذه المدارس وينشأ منها أخرى وقدد تتوسع دائرتها لتشمل دول العالم خاصة مع تطور تقنيات التعليم وتقنيات الإنترنت وإمكانية إنشاء مدارس عن بعد من مثلها ، وأرجو أن ينشأ في وطني تجربة من هذا النوع تفتح أبواب الحرية المطلقة للتعليم والتعلم بأي صيغة من المدارس الحرة ، والله الموفق .