الرئيسية / مقالات / الصور الذهنية وتأثيرها في اتخاذ القرارات

الصور الذهنية وتأثيرها في اتخاذ القرارات

الصورة الذهنية هي البيانات والأفكار المختزلة في العقل البشري لدى الأفراد نتيجة تراكم التربيةوالخبرة وانتقال الأثر من الآخرين وهي خريطة المعلومات والصور التفسيرية التي يستخدمها الإنسان لفهم المواقف والأشياء وإدراكها وتفسيرها والتعامل معها. وليس بالضرورة صواب الصور الذهنية ومنطقيتها فقد تتكون لدى بعض الأفراد صور ذهنية غير صحيحة وغير منطقية وغير مقبولة ويترتب عليها قرارات وأحكام غير صحيحة وغير عادلة، وقد تبنى الصور الذهنية في العقل البشري بأساليب منظمة ومتعمدة عن طريق التربية الموجهة وقد تتكون بشكل عشوائي غير مقصود نتيجة التعلم الذاتي، وهي مكتسبة ومتطورة ويمكن تعديلها وتصويبها وتطويرها بالحذف والتعديل والتنمية ويمكن تكوينها وتوجيهها لدى الفرد أو مجموعة الأفراد لتحقيق غايات محددة وهي الهدف المقصود لغسل الأدمغة.

وقد ظهر مفهوم الصورة الذهنية قديمًا لدى الفلاسفة اليونان حيث عرفها أرسطو بأنها “عملية عقلية تسبق التفكير تقوم على مخزون المعرفة القبلية الافتراضية عن الأشياء لرسم صورها “، وعرفها هوم بأنها ” حصرٌ للأفكار  التّي تبنى و تتراكمُ  في ذهنِ الإنسان والتي تنبعُ بالأساسِ من تلكَ الانطباعات  الناتجةِ  عن الإحساساتِ و الانفعالات و العواطف  التي تعرفها الذاتُ البشريّة فإذا ما زال الانطباع الآنيّ بقيت الصورة الذهنية لتُذَكِر بهِ في مواقفَ معينة ، وقد تطور مفهوم الصور الذهنية حتى أصبح أساساً لتفسير الكثير من عمليات التأثير التي تقوم بها وسائل التربية والتعليم ووسائل الإعلام وتستهدف بهاالتأثير على ذهن المتلقي وتشكيل قواعد بياناته بما يخدم قضايا محددة ويحقق تطلعات القائمين على استهداف التغييرات أفرادًا أو مؤسسات أو أنظمة أو حكومات، والصورة الذهنية هي التقديم العقلي لتصور الأشياء للحكم على تقبلها أو رفضها وهي محاكاة لتجربة حسية ارتبطت بعواطف معينة واسترجاع وتخيل لما أدركته الحواس،وجميع الأحكام والقرارات لدى الأفراد تنطلق من مكونات الصورة الذهنية لديهم فإن كانت خاطئة ومشوهة ترتب عليها قرارات وأحكام خاطئة بالضرورة والعكس صحيح، فالصورة الذهنية تصور أو تمثيل منظم لموضوع  مافي النظام المعرفي للفرد،وهي بناءات معرفية وخبرية تراكمية تميل نحو التجانس والتوافق مع البيئة الخارجية المؤثرة فيه وقد تمثل أنموذجاً مبسطاً لبيئة الفرد وتفاعلاته، وتنشأ من تلقيه رسائل متنوعة بالاتصال المباشر وغير المباشر والتواصل مع الآخرين ومع مكونات البيئة  الأخرى، وتتميز بأنّها تشكل واقعاً صادقاً لأصحابها وإن كانت خاطئة ومشوهة في نظر الآخرين وهم ينظرون من خلالها ويقررون ويحكمون بناء على معطياتها ويتصرفون على أساسها ، وتتمثل مصادر بنائها لدى الأفراد في ما تستقبله حواسهم عامة وفي تخيلاتهم وطرق تفكيرهم وفي أمالهم وأحلامهم وقد تفضي إلى تشكيل الصور النمطية.

وتتكون الصور النمطية للأشياء نتيجة توافق الصور الذهنية لدى مجموعة من الأفراد حول سمات هذه الأشياء وتأثيرها ، ولأن الصور الذهنية فردية في العادة فإن الصور النمطية جمعية ، ولكل نوع من هذه الصور مصادر للبناء والتكوين، فبينما تتشكل الصور الذهنية نتيجة اكتساب الأفراد للخبرة المباشرة من الأفراد أو الجماعات والأنظمة والقوانين ووسائل التربية والتعليم والإعلام والتواصل فإن الصور النمطية تتشكل بإكساب الجماعات خبرات متوافقة من خلال إعادة تشكيل الصور الذهنية لديهم حول الخبرة المستهدفة بالتنميط باستخدام وسائل التعليم والإعلام الجمعية ، وتحرص الأنظمة السياسية والجماعات الحزبية والمؤسسات المتنوعة على بناء صور نمطية لها تحظى بقبول المنتمين لها والتابعين.

وهناك مجموعة من العوامل المؤثرة في تكوين الصور الذهنية لدى الأفراد منها عوامل شخصية تتعلق بالسمات الشخصية ونوع الخبرة المكتسبة نتيجة التربية والتعليم والثقافة وعوامل اجتماعية تتعلق بالموروثات العقائدية والثقافية والقيمية والتأثيرات الموجهة من الجماعات ووسائل التربية والتعليم ووسائل الإعلام والاتصال والتواصل، وعوامل تنظيمية مقصودة تقوم عليها جهات أو منظمات أو مؤسسات أو أحزاب أو حكومات محددة تستهدف كما أسلفنا بناء صورة نمطية محددة لها عن طريق تغيير الصور الذهنية لدى الأفراد بما يحقق توافقها لقبول الصورة النمطية المستهدفة.

ولأن الصور الذهنية عملية حركيّة تتغير و تتبدل بحسب تطور الواقع الحياتي و الاجتماعي وكذلك تغير الظروف الاقتصادية و السياسية والثقافية التّي يعيشُ فيها الفرد وتطورها ونوع الخبرة المكتسبة نتيجة التربية والتعليم والثقافة ، لذلك فهي متطورة ولا تتسم بالثبات و القولبة والجـمود و إنما تتسم بالمرونة و السلاسة  و التفاعل المستمر  فتتطور و تنمو و تتوسع و تتعدد و تتعمق وهي قابليّة للتغيير والتطوير، وبناء الصور الذهنية عن الأفراد و الكيانات و الأشياءِ وتشكيلها ينبني على قاعدة من البيانات والمعلومات والعواطف و الاتجاهات من جهةوعلى أسس موضوعية و إدراكات عقليّة مصاغة انطلاقا من معلومات سديدة سليمة من جهةٍ أخرى ، وما تنفكُ هذهِ الصور الذهنية أن تتحول الى صور نمطيّة  في بعضِ المواقف والحالات.

ونحن عندما نختلف في الآراء وفي الأحكام مع الآخر فذلك بديهي ومنطقي لاختلاف الصور الذهنية لدينا ولا ينبغي أن نضيق ذرعًا باختلاف الآخر عنا بل المطلوب قبول ذلك وتقدير ما اكتسبه الآخر وما اكتسباه نحن كذلك لتكوين تلك الصورالذهنية لدينا وعلينا أن نتبادل البيانات والمعلومات المؤثرة في تشكل تلك الصور الذهنية فقد يغير هو أو نغير نحن من سمات الصور الذهنية التي بنينا عليها أحكامنا أو قراراتنا..

وأجد أنه من الواجب على المربين في البيت وفي المدرسة والمجتمع تثقيف الناشئة بماهية الصور الذهنية وكيفية تكوينها وتنميتها وأساليب تطويرها وتحديثها وتصويبها فعليها تقوم أحكامهم وقراراتهم وينبغي أن تكون لديهم القناعة التامة بتقويم صورهم الذهنية عن الأشياء بعرضها على محك الصور النمطية والجمعية والصور الذهنية المقابلة لدى الآخرين فجميع القرارات والأحكام الفردية تقوم على تخيلات قبلية للنتائج والمخرجات من خلال الصور الذهنية لدى متخذي تلك القرارات، فإذا ما كانت الصور الذهنية خاطئة نتج عنها قرارات وأحكام خاطئة وكذلك العكس، ولهذا فلا بد من استهداف التثقيف بتصويبها عبر وسائل التربية والتعليم والتثقيف. والله الموفق.

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال ...