الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل ،،(2) التأصيل الإسلامي لعلم استشراف المستقبل

سلسلة استشرف معي المستقبل ،،(2) التأصيل الإسلامي لعلم استشراف المستقبل

(2) : التأصيل الإسلامي لعلم استشراف المستقبل

 

اهتمت الجامعات والمؤسسات العلمية العليا وبعض دول العالم بعلم استشراف المستقبل كأساس ومنطلق للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى فقد بلغ عدد المؤسسات المهتمَّة بالدِّراسات المستقبلية في الولايات المتحدة وحدها في عام 1967م ستمائة مؤسسة، بل وصلت العنايةُ بها وتقدير أهميتها إلى وضْع مناهج لها ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات والمعاهد، وأصبحت الدِّراسات المستقبلية تصل إلى 415 مقرَّرًا دراسيًّا مُوزَّعًا على ثماني عشرة ولاية أمريكية ،

وانفردت السويد بإنشاء وزارة للمستقبل تابعة لرئاسة الوزراء عام 1973م ، ” وفي فرنسا في أواخر سنة 1978م، قامت وزارة الثقافة الفرنسية بإنجاز دراسة من طرف الجمعية الدولية للمستقبلية حول “استشراف مستقبل التنمية الثقافية”، وكان من نتيجة المناقشات والدراسات حول “أية ثقافة في المستقبل؟” أن اتضح للباحثين أن هناك استراتيجتين للثقافة الأولى استراتيجية الاستقالة: وهي استراتيجية تتخلى فيها الفئات الشعبية بشكل تصاعدي عن كل منافسة للنخبة في مواجهة التقلبات المستمرة داخل المجتمع أو محاولة السيطرة على زمام حركتها ، وهي استراتيجية تزيد من تأزم الوضع القائم، وتنتهي بمزيد من تمركز السلطة والإدارة بيد النخبة، ومزيد من الغرق للمجتمع تحت طوفان المشاكل الناجمة عن الآثار السلبية غير المعالجة للتقلبات، وانحصار اتخاذ القرار وتحديد البدائل في أيدي قلة منعزلة من الفاعلين وأصحاب القرار ، والاستراتيجية الثانية هي استراتيجية التجنيد: وهي استراتيجية تجند فيها جميع الضمائر الواعية في المجتمع للتمكن من الوصول إلى مستوى حضاري نوعي، وإلى المشاركة الفعلية للفرد في صياغة حياته، والاهتمام ببيئته ومحيطه الاجتماعي، وإسهامه في تقويم ذاته، والتأثير إيجابا عل تطوير وإصلاح مجتمعه بشكل يجعل من تقلبات ذلك المجتمع ومخاضها ظاهرة طبيعية توظف لصالح تطوير المجتمع ، وهذه الاستراتيجية تمكن من تطوير ثقافة تسمح بالانتقال من مجتمع ذي أغلبية صامتة إلى مجتمع ذي أغلبية فاعلة مقدمة على التصريح بما تعانيه، ومناقشة ما تعيشه من مشاكل، ومشاركة فاعلة في صياغة برامج الإصلاح ، وهي استراتيجية تقود التحول من مجتمع سلطة جزافية إلى مجتمع سلطة واعية “( محمد بريش ، عضو الجمعية الدولية المستقبلية )

وحلمنا الأكيد في عالمنا الإسلامي العمل باستراتيجية التفكير المنطقي وفقًا لاستراتيجية التجنيد مطلقين العنان لوضع استراتيجيات علمية لكل مناحي الحياة بعد دراسات مستفيضة في استشراف المستقبل ، فدراسة المستقبل تعد أحد عُلوم الآلة بالنسبة لعلم (السياسة الشرعية)، التي تعدُّ الإدارة وعناصرها أحد مجالاتها، سواء أكانت منَ الأمور الإدارية البحتة، أم كانتْ منَ الأمور الإدارية التي تتعلَّق بها أحكام شرعية معيَّنة مثل: سنِّ الأنْظمة، واتِّخاذ القرارات ذات الآثار التي تتعلق بالخلق، فالغرَض من دراسة المستقبل واستشْرافه الإفادة منه في التخطيط بعيد المدى ومتوسطه وقريبه ، ومن هنا كان الاستشراف فنًّا منَ الفُنُون، التي صارتْ لها أصولا علميَّة، ونظريات مُقَرَّرة، وأساليب مُعتبَرة.

وبسبب الخلط بين مفهوم العلم المتبع في دراسات استشراف المستقبل وما يمارسه الدجالون والمنجمون ومدعو المعرفة الغيبية بقراءة الكف والفنجان والنجوم ونحوها من الممارسات الدجلية غلب الحكم عند الكثيرين من فقهاء الإسلام على إنكار هذا النوع من العلم ظنًا منهم بأنه تخريص في الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله ، وقد انبرى لتوضيح الأمر والخلط بعض العلماء والفقهاء العارفين والمطلعين على شروط العلم والتفريق بينه وبين الدجل والتخريص وبينوا أن هذا العلم من العلوم التي يقرها الشرع بل يوجه إليها والأخذ بها وبنتائجها بعد التوكل على الله العليم الخبير ، وقد وفق أكثر من باحث في وطننا العزيز في تأصيل هذا العلم تأصيلا شرعيًا وتوضيح أبعاده وأصوله الشرعية وانتشاله من المفهوم المغلوط ومنهم على سبيل المثال الباحث عبدالله المديفر الذي نال الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا جامعة طيبة حاليًا في عام 1427هـ على بحثه الذي وسمه ب ” الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية ” وهو من البحوث العلمية الرصينة التي تضمنت إجلاء حقيقة العلم وتأصيله شرعيًا ، وقد بذل معهد القضاء العالي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية جهدًا مشكورًا لتأصيل هذا العلم تأصيلا شرعيًا للإفادة منه في منفعة الأمة ولعل المهتمين به يراجعون تلك الجهود في مصادرها ، وقد مرت عملية التأصيل الإسلامي بعدة مراحل كان أولها مع جمعية العلماء الاجتماعيين المسلمين بالولايات المتحدة الأميركية 1972 تلاه انعقاد «المؤتمر العالمي الأول للتربية الإسلامية» الذي تضمن نظرة نقدية للعلوم الاجتماعية الغربية ثم انعقاد الندوة العالمية للفكر الإسلامي في لوجاو بسويسرا 1977 وتلتها ندوة خبراء أسس التربية الإسلامية بمكة المكرمة ,1980.ثم انشئ المعهد العالمي للفكر الإسلامي في عام 1981 وهدفه هو صياغة مناهج إسلامية في مجال الدراسات الإسلامية… وهناك معاهد وندوات ومجلات مثل مجلة المسلم المعاصر تهتم بنشر هذا العلم وتأصيله .

ويستند المنظور الإسلامي لهذا العلم على أسس عقائدية أولها (الإيمان بالله والغيب وسنن القرآن الكريم الكونية..) وعلى أسس قيمية ونفسية (مثل الصدق والصبر والتفاؤل وعدم الخوف ونبذ التشاؤم..) وأسس عملية ممثلة في الاستفادة من أهل الخبرة وعامل الزمن.. وتقتضي ضوابط التأصيل الاستنباط من المصادر الإسلامية والاستفادة من العلوم الحديثة مع التسليم بأنها وجهات نظر قابلة للبحث والتحليل وليست قوانينا ثابته ومسلمة ، وإنها قد تتفق أو تختلف مع الفكر الإسلامي ، وتتطلب اختيار الإطار المرجعي بالانطلاق من المفاهيم كما تحذر من التلفيق بتطويع النصوص للنظريات الشائعة وإخضاعها لنصوص الشريعة والاكتفاء بتنقية الشوائب المتعارضة مع الشريعة الإسلامية، أو المواءمة الاجتماعية كما تحذر ضوابط التأصيل الإسلامي من الفهم الشخصي أو الاعتماد على غير المتخصصين والإسهاب في الفقهيات والشرعيات والتعسف في التفسير وعدم توخي الدقة .

وقد حث الباحث الإسلامي محمد بن أحمد النعيري في كتابه “أسس دراسة المستقبل في المنظور الإسلامي “على تأصيل العلوم إسلاميا وذلك ببيان ما في الشريعة الإسلامية من مبادئ السلوك البشري وطبيعة الفطرة وسنن الاجتماع البشري والإفادة من ذلك في مجال الدعوة الإسلامية وتنقية العلوم الاجتماعية من الأصول الوثنية والكتابية وتقديم الفكر الإسلامي بالأسلوب المناسب لإشعار الناشئين المبهورين بالحضارة الغربية بالاعتزاز بدينهم الذي لم يفرط في الكتاب من شيء، وبناء العقلية الإسلامية المفكرة والمخططة ، وقد حدد المتخصصون أربعة مناهج لعلم استشراف المستقبل وفق النظرية الإسلامية ومراعاة قواعدها الشرعية وهي : المنهج الاستكشافي، والمنهج الاستهدافي ، والمنهج الحدسي ، ومنهج التحليل المستقبلي ، ومن أهم أساليبها وأدواتها العلمية : أسلوب التشاور المتميز (دلفي)، والـمَشَاهد السيناريوهات ،والنماذج، والقياس التاريخي، وأسلوب تحليل السلاسل الزمنية ، ويتميز المنهج الإسلامي عن المنهج الغربي بزيادة أساليب أخرى رصينة، منها: الوحي، والدعاء، والرؤى ، وهناك مدارس عدة في دراسة المستقبل (روسية، أميركية، فرنسية..) وهناك نماذج عالمية مثل نموذج حدود النمو ونموذج ساروم ونموذج الأمم المتحدة ونموذج المستقبلات الدولية ونموذج باريلوتشي.. وهي نماذج درست الوطن العربي للهيمنة عليه وكان إنشاؤها نتيجة للمطامع الغربية ، ولمواجهة تلك الخطط التي استخدمت مناهج استشراف المستقبل ينبغي للمسلمين التخطيط لمستقبلهم من خلال تفعيل دراسات استشراف المسنتقبل بما يدفع عنهم البلاء ويدفعهم نحو النماء وتلافي المعوقات .

وقد أنشأت الندوة العالمية للشباب الإسلامي لجنة التأصيل الإسلامي للعلوم وعقدت مجموعة من حلقات النقاش والندوات لهذا الغرض وخصصت واحدة من مناقشاتها في عام 1430هـ لتجارب التأصيل الإسلامي للعلوم:عرض ونقد واستشراف للمستقبل ، ولعل هذا الجهد من الندوة يأتي في الوقت الذي عبر عنه كثير من الباحثين ممن أشار إليهم الأخ الدكتور علي الألمعي في منبر التربية ممن رصدوا حراك العالم العربي والدراسات العربية في مجال استشراف المستقبل ووصفوها بالندرة الشديدة حيث قال :” على الرغم من النضج الكبير الذي وصلت إليه الدراسات الاستشرافية في العالم المتقدم، ورغم كثرة الحديث عن المستقبل وتحدياته في الوطن العربي، فإن هناك نقصاً ملحوظاً، كمياً ونوعياً، في الدراسات المستقبلية العربية في المجالات المختلفة، فقد نشر الرشيد دراسته الرائدة في عام 1408هـ بعنوان: “من معالم استشراف المستقبل في الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين” ورصد ندرة الدراسات العربية، وتبعه الخطيب بعد عشرة سنوات بدراسة مسحية للدراسات الإستشرافية ليؤكد غياب الدراسات الاستشرافية العربية الجادة ، ولم تشهد الساحة العربية بعد ظهوراً كبيراً للدراسات المستقبلية، والقليلة التي ظهرت منها ظلت تشتكي من ندرة البيانات وضعف المعلالجات التحليلية بدون شك، وأشار حارب 2001م بأن سيادة مفهوم خاطيء للتخطيط لدى أفراد ومؤسسات الأمة العربية انعكس على تخطيطنا الذي انحصر في حاجتنا الآنية أو اليومية أو المرحلية بينما يخطط العالم المتقدم إلى سنوات تتجاوز القرن أحياناً، إضافة إلى ضعف الدعم للبحث العلمي عموماً وعدم وفرة البيانات اللازمة كوقود للاستشراف الفعال، وجميعها تعد أسباباً جوهرية وراء غياب الدراسات الاستشرافية العربية”.

ولعلنا ننشط في حاضرنا ومستقبلنا في مجال استثمار هذا العلم الذي يعد أساسًا للتخطيط الاستراتيجي بجميع أنواعه ومداه وننشط في تأصيله إسلاميًا لنفتح الباب نحو أجيال الحاضر والمستقبل للإفادة من العلم في رسم سياساتهم المستقبلة ، ولعلي في هذه السلسلة أقدم للمهتمين بعلم استشراف المستقبل بعض النماذج لاستشراف مستقبلنا بإذن الله تعالى دعمًا للمخططين المعنيين بالتخطيط الاستراتيجي ودعمًا لطلاب العلم المهتمين بهذا العلم الذي أرى أنه بات أساسيًا للحالمين بغد أفضل بإذن الله تعالى ، والله الموفق والمستعان .