الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (10) مستقبل الإقتصاد في الوطن العزيز

سلسلة استشرف معي المستقبل (10) مستقبل الإقتصاد في الوطن العزيز

(10) مستقبل الاقتصاد في الوطن العزيز

كما تؤثر أنظمة الحكم في تشكيل المستقبل في الأنظمة الأخرى يؤثر الإقتصاد كذلك تأثيرًا بالغًا وهو من مقومات ديمومة التنمية ونمائها وحيث أن ما سأتناوله في الحلقات التالية من هذه السلسلة يتصل إتصالا مباشر بنواحي تنموية متنوعة وخاصة ما يتصل منها بالتربية والتعليم فقد آثرت أن تكتمل منظومة استشراف المستقبل باستشراف مستقبل الإقتصاد في وطني .

فقد كانت بلادنا العزيزة قبل اكتشاف البترول في وضع مالي صعب في الوقت الذي كان المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله يسعى جاهدًا لتوحيد أكبر مساحة ممكنة من شبه الجزيرة العربية ، وكان اعتماد الدولة على الضرائب وأموال الزكاة وقد تلقت الدولة آنذاك دعومًا مالية خارجية من كثير من الدول ومنها مصر والسودان والصومال وغيرها من الدول الصديقة آنذاك ، وبعد أن من الله على بلادنا العزيزة باكتشاف البترول والتطور في إنتاجه وتسويقه بدأت تنمو التنمية بنمو الدخل الوطني الذي يمثل البترول مايزيد على 95% منه خلال العقود الثلاثة التي تلت اكتشاف البترول وتسويقه وقد انخفضت هذه النسبة تدريجيًا بعد ذلك مع نماء نسبة المداخيل الأخرى غير البترولية بتطور الزراعة والصناعة والتجارة والموانيء والمطارات وأنظمة البلديات والجمارك ونحوها مما تستحصل عائداتها السنوية كنسبة من الدخل الوطني العام ، وقد اهتمت الدولة ضمن خططها الإستراتيجية التنموية المتعاقبة بغايات تنويع مصادر الدخل الوطني وتحفيز النشاطات المتنوعة لتخفيف الإعتمادات على البترول والذي تشكل أسعاره المنخفضة حينًا والمرتفعة حينًا آخر أكثر العوامل المؤثرة في موازنة الدولة واعتماد المشروعات التنموية المتنوعة وتنفيذها .

ويعد البترول سلعة إستراتيجية تلعب دوراً محورياً مهماً في تحريك الاقتصاد العالمي، بل اصبحت تجارة البترول تلعب دوراً مباشراً في تحريك الصراعات العالمية منذ عام 1914م، وبعد أن بلغت أسعار البترول 100 دولار للبرميل برزت الحاجة إلى تأمين مصادر الطاقة للعمليات العسكرية والإنتاج الصناعي، وأصبح االبترول أحد أهم الأهداف العسكرية وأهم المعايير الرئيسة في رسم الخرائط السياسية والاقتصادية التي شغلت ولا تزال بال المخططين ومراكز البحوث، وقد منيت أسعار البترول بانخفاض بين عامي 1983-1985م، وحاولت الأوبك وضع حصص إنتاج منخفضة إلى مستوى تستقر عنده الأسعار، لكن هذه المحاولة لم تفلح بسبب أن معظم الأعضاء كانوا ينتجون كميات أعلى من حصصهم، ما جعل الأسعار تنهار في عام 1986م إلى أقل من 10 دولارات للبرميل ، ثم ارتفعت الأسعار في عام 1990م بسبب الإنتاج المنخفض والمخاوف الجيوسياسية التي ارتبطت بغزو العراق للكويت، بعدها دخلت أسعار البترول في انخفاض متواصل حتى عام 1994م حتى استعادت الأسعار عافيتها في عام 1996م، إلا أن هذا التعافي لم يدم طويلاً، إذ ارتبط بالأزمة الآسيوية في أواخر عامي 1997 و1998م، وقررت أوبك خفض إنتاجها 3 ملايين برميل في عام 1999 م لتصعد الأسعار إلى 25 دولاراً للبرميل، وفي عام 2005 م قفزت أسعار البترول بسبب أعاصير وعوامل جيوسياسية إلى مستوى 78 دولاراً للبرميل خصوصاً بعد نماء الاقتصادات الآسيوية ، وفي 11 يوليو 2008 م ارتفعت الأسعار إلى مستوى قياسي وصل إلى  147 دولاراً للبرميل، و بقيت أسعار البترول مستقرة بعد عام 2012 م لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة بسعر راوح  100 دولار للبرميل ، ومع دخول النفط الصخري إلى الأسواق العالمية تأثر سوق البترول واتجه إلى الانخفاض من جديد في نوفمبر 2014م عندما قررت أوبك الحفاظ على الإنتاج في مواجهة الوفرة في المعروض العالمي من البترول وبدائله الجديدة ، ومن غير المتوقع أن يكون هناك تحول سريع أو مفاجئ في الأسعار نظراً لظروف السوق الدولية بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي وخصوصاً في الصين التي تعد محركا أساسياً للاقتصاد العالمي وهو ما أثر بشكل مباشر على أسعار البترول وتراجع أسعار المنتجين إلى أدنى مستوى منذ أكتوبر عام 2009م ، إضافة إلى التوقعات بتسجيل الصين معدل النمو الأدنى منذ أكثر من عقد من الزمن ، ولا يبدو أن العرض سيتقلص خصوصاً مع زيادة الإنتاج الأمريكي، كما أفادت شركة بيكر هيوز الأميركية للخدمات النفطية، واستمرار منظمة الأوبك في تخطي سقف إنتاجها المحدد نظريا بـ 30 مليون برميل يومياً.

لقد تأثرت موازنات الوطن العزيز خلال العقود الماضية وتأثرت مشاريعها التنموية وحجم الأموال السيادية والاحتياطي المالي العام بحركة أسعار البترول الدولية حيث أن البترول يشكل مانسبته 90% تقريبًا من الدخل الوطني ، فنمت مشاريع التنمية نموا مرتبطًا بأسعار البترول حيث نشطت في بعض السنوات وتقلصت في سنوات أخرى ومرت على الوطن العزيز بعض سنوات الطفرة الاقتصادية حيث استثمرت في زيادة المشروعات التنموية واستكمال مشاريع البنى التحتية ، ومع حالة السوق الدولية للبترول فقد نصح صندوق النقد الدولي بشكل خاص السعودية باعتبارها أكبر دولة خليجية مؤثرة في سوق أوبك إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية تدريجية شاملة على أوضاع المالية العامة لتلافي التضخم والركود على مدار السنوات القادمة من خلال خفض النفقات وتنويع مصادر الدخل واعتماد إصلاحات أسعار الطاقة وإحكام السيطرة على فاتورة الأجور في القطاع العام، وتوسيع نطاق الإيرادات غير النفطية، من خلال استحداث ضريبة القيمة المضافة، والضريبة على الأراضي ، ويتوقع أن يستمر الضغط على ميزانية الدولة والإحتياطي العام خلال المدة التي لا تزال فيها الدولة قائدة للتحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن الشقيق وخلال المدة التي ستركز فيها الحكومة على تأمين حدودها وأجزائها الداخلية من الأطماع الخارجية ومكافحة الإرهاب ، وقد توقع مصرفيون أن تبيع السعودية المزيد من السندات، ربما بقيمة 20 مليار ريـال شهريًا لتغطية العجز الناتج عن انخفاض أسعار البترول الذي يتوقع المحللون أن يبلغ ما بين 130 إلى 150 مليار دولار سنويًا، وقد أثار هذا الاحتمال المخاوف من استمرار تراجع السيولة في النظام المصرفي حيث يمتص الدين الحكومي الأموال .

وقد توقعت مجموعة من الدراسات الاستراتيجية حول الطاقة أن الإحتياطي العالمي من البترول سينضب فعليًا بعد سبعين عامًا تقريبًا مع كل احتمالات الترشيد في الانتاج والتصنيع وهو ما ينذر بكارثة عالمية في حالة عدم تغيير الاستراتيجيات نحو بدائل الطاقة ، ومن المؤسف جدًا أن الوطن العزيز منذ مايزيد عن أربعين عامًا استهدف في خططة التنموية التسع الماضية تنويع مصادر الدخل الوطني وإيجاد بدائل للدخول غير البترولية إلا أنه لم يتحقق ما يدل على نجاح خططه الاستراتيجية حيث لا يزال البترول يمثل النسبة الأعلى من الدخل الوطني ، وللخروج من هذا المأزق الاقتصادي الاستراتيجي فإن أمام الحكومة فرصة ممكنة ومرتبطة بزمن محدود تتمثل في بناء رأس مال وطني منتج قادر على تكوين دخل يحل محل الدخل البترولي عندما تغيب شمسه أو كارثة اقتصادية مزلزلة لها تبعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المدى البعيد .

لقد تم إبرام مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية مؤخرًا بين الحكومة السعودية وحكومة روسيا الاتحادية من أهمها إنشاء 16 مفاعلا نوويًا لتوليد الطاقة الكهربائية وهو ما فسره بعض المحللين الاقتصاديين والخبراء بأنه خطوة في الطريق الصحيح لترشيد الاستهلاك المحلي من البترول في عمليات توليد الطاقة الكهربائية للنشاط الصناعي ، وسيدعم هذا التوجه إمكانية التوسع في التصنيع كمدخل مهم للدخل الوطني العام بما يخفف الاعتماد على البترول كمصدر رئيس للدخل ، وسيوفر هذا التوجه فرصًا وظيفية تسهم في التخلص من البطالة المستقبلة والمتوقع تزايد نسبتها بتزايد عدد السكان المضطرد .

ومن متابعة ما كتب حول مستقبل الاقتصاد في الوطن العزيز يأتي كتاب الدكتور عبدالحفيظ محبوب ، “ملامح وآفاق مستقبل الاقتصاد السعودي ” أدقها من وجهة نظري المتواضعة في وصف الظاهرة الاقتصادية كمؤثر مهم في السياسة والتنمية ودور المملكة العربية السعودية في التحكم بالاقتصاد العالمي والتأثير في الكثير من القوى الدولية بحجم أمريكا وروسيا والصين والاتحاد الأوربي ، وعرض مجموعة من الحلول العملية للإبقاء على القوة الاقتصادية السعودية المؤثرة عالميًا من خلال تنويع الاستثمارات في بدائل الطاقة والتحول الاستراتيجي لتحفيز الصناعات التحويلية والاستثمار في العنصر البشري المعزز بالمعرفة وتحفيز القطاع الخاص لقيادة الاقتصاد وتوليد الوظائف ، والتحول من ديمقراطية الرأسمالية إلى الديموقراطية الاجتماعية ، وتكاد تتفق آراء الكثيرين من المحللين الاقتصاديين والخبراء على أن مستقبل الاقتصاد العالمي والاقتصاد السعودي مرتبطان بأسعار البترول والسياسات الاقتصادية للدول المؤثرة في قيمته السوقية عالميًا ومنها المملكة العربية السعودية وعليه فمستقبل الوطن العزيز سيتأثر بالفعل في حالة استمرار إنخفاض الأسعار للبترول أو في حالة نضوبه وظهور بدائل عنه للتشغيل والطاقة وهو ما سيتأثر به نظام الحكم والأنظمة الأخرى الاقتصادية والإجتماعية والثقافية والتنموية .

ولرسم احتمالات ومشاهد مستقبل الاقتصاد السعودي المنظور لا بد من الأخذ في الاعتبار جميع المؤثرات في الوضع الاقتصادي العالمي والمحلي ومنها الأوضاع السياسية والحروب وقضايا التسويق والاستهلاك والتسارع في الدراسات والبحوث عالميًا لإيجاد البدائل والتطورات المذهلة في التقنيات الرقمية والاتجاه الأممي نحو الطاقة النووية السلمية ، وتطور أعداد السكان والنمو والركود الإقتصادي المسيّس لتحقيق غايات السيطرة وفرض الإرادة السياسية والاقتصادية ، وإتجاهات السياسة المحلية تجاه نماء المؤسسات الصغيرة ومؤسسات المجتمع المدني الداعمة للاستثمار في القوى البشرية وتنويع مصادر الدخل الوطني وفيما يلي بعض المشاهد والسيناريوهات المحتملة والمتوقعة لمستقبل الإقتصاد الوطني :

المشهد الأول : إستمرار إنخفاض أسعار البترول بتخطيط مصلحي تشارك السعودية في قيادته لتحقيق بعض الغايات بشأن تغيير موازين القوة العالمية واستنزاف الرصيد الاحتياطي النقدي لتحقيق الأمن الخارجي والداخلي مما سيشكل ضغطًا مستمرًا على موازنات الدولة القادمة التي ستضطرها إلى ترشيد الإنفاق التنموي ، وستواجه الدولة الكثير من الخطط المضادة لاستنزاف ثروتها من خلال إشغالها بالحروب ومكافحة الإرهاب ، ولا أتوقع استمرار صمود الدولة أمام تطور الأبحاث العالمية في إيجاد بدائل للنفط وإنفتاح التدخل العالمي في القضايا السياسية والأمنية في الشرق الأوسط ، وعلى الدولة أن تزيد من نشاطها في توفير البدائل لتنويع مصادر الدخل إذا ما رغبت في الاستمرار في تحقيق غاياتها السياسية ، وعلى ذلك فالمستقبل التنموي سيتأثر بخطط الترشيد وقد تفقد الدولة سيطرتها على مفاتيح الاقتصاد العالمي مع الاقتراب رويدًا رويدًا من نضوب الاحتياطي النفطي والمالي .

المشهد الثاني : أن يتوصل العالم إلى حلول منظورة حربية أو سلمية لإنهاء الأزمات العربية في اليمن والعراق وسوريا بما يضمن توافر الأمن العربي وخاصة للوطن العزيز ما يدفع الأعضاء في منظمة الأوبك وفي مقدمتها السعودية إلى خفض إنتاج البترول لدعم رفع أسعاره العالمية وتحسين مستويات دخول الدول الأعضاء في المنظمة أو خارجها مما سيترتب عليه إنتعاش إقتصادي عالمي جديد ينعكس على مستوى الموازنات ومشاريع التنمية في الوطن العزيز ، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى تنفيذ برامج تنويع مصادر الدخل الوطني بتمكين القطاع الخاص من قيادة الاقتصاد المحلي للنهوض بمداخيله والاسهام المباشر في القضاء على البطالة ، وتنفيذ إنشاء المفاعلات النووية لخفض الاعتماد على البترول في توفير الطاقة الكهربائية وتوجيه الوافر من البترول للسوق العالمية بما يضمن المحافظة على المخزون الإحتياطي لسنوات أطول ، وفي هذا المشهد ستشهد البلاد طفرة إقتصادية جديدة ينبغي استثمارها في استكمال مشاريع التنمية والبنى التحتية الشاملة لكل أجزاء الوطن .

المشهد الثالث : حدوث تطوير في نظام الحكم والإدارة في الوطن يدفع إلى تغييرات في السياسة الداخلية والخارجية والسياسة الاقتصادية وفك الارتباط بالعملة الأمريكية لصالح ربط العملة الوطنية بسلة العملات المتوازنة عالميًا والاستجابة لخفض إنتاج البترول لتحسين أسعاره عالميًا بالتعاون مع الأعضاء في الأوبك ، والتركيز على التنمية الوطنية والأمن الداخلي بعيدًا عن الأزمات العالمية والتدخلات الخارجية والمضي قدمًا في تمكين المؤسسات المدنية والقطاع الخاص من قيادة الاقتصاد والتنمية والتطوير المستقبلي للاستثمار في القوى البشرية والتقنيات والتخلص من مشكلات البطالة وتوطين الوظائف في مفاصل الاقتصاد والتصنيع ، وسيترتب على هذا المشهد نشأة دولة بمواصفات جديدة تستجيب للتطور العالمي في مجالات الإدارة والصناعة والعلاقات الخارجية وتسعى إلى توفير الأمن والرفاه الداخلي ، وستشهد الدولة إنتعاشًا اقتصاديًا غير مسبوق مما سيؤثر على مستوى التنمية لرفاه المجتمع .

وفي جميع الأحوال وعلى جميع الفرضيات المستقبلة والمشاهد والسيناريوهات المحتملة فإن المجتمع في الوطن العزيز يتطلع إلى التطوير في أنظمة الحكم والإدارة والإقتصاد بما يدفع إلى تحسين مستوى المعيشة للأفراد والقضاء على البطالة وتوفير الأمن بكل أنواعه والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى الذي يأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات المتعلقة بنضوب البترول أو كساد تجارته مستقبلا أو الاعتماد على بدائل أخرى عنه ، وتأخذ في الإعتبار أهمية تنفيذ برامج ومشروعات فعلية لتنويع مصادر الدخل وتحقيق الأمن المالي والصحي والغذائي والتعليمي والأمن العام ، ونسأل الله تعالى أن يوفق الحكومة السعودية إلى التطوير المأمول . والله الموفق والمستعان.

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصادر التربية توافق واختلاف

تتعدد مصادر التربية المعاصرة وتتنوع في الأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام والتواصل والتقنيات ...