الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (11) مستقبل سياسة التعليم في الوطن العزيز

سلسلة استشرف معي المستقبل (11) مستقبل سياسة التعليم في الوطن العزيز

(11) مستقبل سياسة التعليم في الوطن العزيز

عرف الوطن العزيز النظام التعليمي في إقليم الحجاز قبل تأسيس المملكة العربية السعودية إلا أنه لم يكن النظام الذي يرضي أهل الحجاز أنفسهم لما أعتمد فيه الأتراك القائمين عليه من تتريك لغة التعليم عدا بعض المدارس الأهلية التي قام على تأسيسها الأخيار لحماية اللغة العربية من الإندثار وكانت نواة لتأسيس التعليم النظامي ووضع قواعده وأسسه الأولى في الوطن العزيز، فعندما دخل الملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة رحمه الله مكة المكرمة عام 1343هـ حاملًا دعوة الوحدة والنهضة الجديدة، كان أول أعماله الدعوة إلى اجتماع تعليمي التقى فيه مع علماء مكة المكرمة، وحثهم على نشر العلم والتعليم والتوسع فيه، وقبل أن تصدر التعليمات الأساسية التي وضعت نظام الحكم والدولة الجديدة في 21/2/1345هـ أعلن الملك الموحد إنشاء مديرية المعارف في 1/9/1344هـ واضعًا الأسس لأول مؤسسة تعليمية حديثة في المملكة والبذرة الأولى لنظام تعليمي حديث .

وقد مر النظام التعليمي في الوطن العزيز بعدة مراحل حتى استقر على ماهو قائم عليه اليوم وهي على النحو التالي :

المرحلة الأولى: التعليم التقليدي غير النظامي : ويتمثل في الكتاتيب وفي حلقات الدروس والمساجد ومجالس العلماء, وكانت مدة الدراسة تتراوح ما بين خمس إلى ست سنوات وكانت تنتشر في الحجاز وكذلك في بعض قرى نجد والمنطقة الشمالية والجنوبية.

المرحلة الثانية: التعليم الحكومي قبل تأسيس المملكة : وهو تعليم نظامي باللغة التركية في مكة والمدينة, وكانت تشرف عليه الحكومة العثمانية وخاصة في منطقة الحجاز وكانت اللغة التركية أساسًا للتعليم في هذه الفترة.

المرحلة الثالثة: التعليم الأهلي: وكان هذا النوع من التعليم يدار ويمول من قبل الأهالي وهو قريب إلى حد ما من التعليم النظامي في مناهجه وطرق تدريسه وتوافرت منه مجموعة مدارس ودور تعليم  في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وقامت على الإنفاق عليه بعض أسر الحجاز المقتدرة .

المرحلة الرابعة : مرحلة التعليم النظامي : وهو تعليم منظم يقوم على الأسس الحديثة ونشأ مع نشأة المديرية العامة للمعارف واستمر في تطوره إلى ما تشهده جميع أ{جاء الوطن العزيز اليوم .

فالمديرية العامة للمعارف أسست بمكة المكرمة في عام 1344هـ للإشراف على التعليم في المملكة بمختلف مراحله ومستوياته ومتابعة خطواته وتطوراته ووضع سياساته وتوجهها، وهي مرحلة حافلة بالعطاء والإنجازات والتجارب الإصلاحية التي أجراها الملك عبدالعزيز في مجال التربية والتعليم وكانت «تتبع إداريًا لوزارة الداخلية، واتجهت في بداياتها الأولى إلى تنظيم التعليم، وأصدرت عدة أنظمة أسهمت في نهضة التعليم الأولى، حيث وضعت نظام التدريس في المسجد الحرام عام 1345هـ، وأصدرت قرارًا بتشكيل مجلس المعارف، كما شكلت هيئة لمراقبة الدروس والتدريس في الحرم عام 1347هـ، وفي سنة 1347هـ أصدرت نظام المدارس وهو أول نظام للتعليم في المملكة العربية السعودية، وكان تأسيسها صفحة جديدة في تاريخ تطور التعليم في المملكة ودافعًا قويًا في تسريع عجلة التقدم العلمي، إذ لم يمض وقت قصير حتى عم افتتاح المدارس جميع أنحاء البلاد في جميع مراحل التعليم وفروعه، ومع قيام المملكة العربية السعودية اتسعت صلاحيات مديرية المعارف ولم تعد وظيفتها قاصرة على الإشراف على التعليم في الحجاز، بل شملت الإشراف على جميع شؤون التعليم في المملكة كلها.

وقد أنشئت وزارة المعارف عام  1373هـ (1954م)، وكانت امتدادًا وتطويرًا لمديرية المعارف، وقد أسند إليها التخطيط والإشراف على التعليم العام للبنين في مراحله الثلاث (الابتدائي – المتوسط – الثانوي)، وكان الملك فهد رحمه الله أول وزير لها.، واتخذت من مكة المكرمة مقرًا لها منذ إنشائها حتى الشهر الثالث من عام 1376هـ حينما انتقلت بجميع أجهزتها إلى مدينة الرياض، وكان الهدف من إنشائها تطوير مؤسسات التعليم النظامية وغير النظامية بمراحلها المختلفة، وأنواعها وتخصصاتها، وأنشطتها،إضافة إلى الاهتمام بالتعليم العام للبنين ومعاهد المعلمين والمعاهد الفنية، وكانت تشرف على الجامعات حتى عام 1395هـ حيث تم في ذلك العام إنشاء وزارة التعليم العالي ومن ثم تأسست المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني عام 1400هـ للإشراف على التعليم الفني ، وقد تأسست الرئاسة العامة لتعليم البنات في عام 1380هـ للإشراف على تعليم البنات ومعاهد المعلمات والكليات المتوسطة وكليات التربية والآداب والخدمة الاجتماعية واستمرت على هذا الحال حتى تم دمجها مع تعليم البنين في وزارة التربية والتعليم عام 1422هـ ، وفي عام 1436هـ 2015م تم دمج وزارة التربية والتعليم ووزارة االتعليم العالي في وزارة التعليم القائمة حاليًا.

لقد أدركت المملكة العربية السعودية أهمية وجود سياسة تعليمية تنبثق من الإسلام الذي تدين به الدولة فكراً ومنهجاً وتطبيقاً حيث أصدرت في عام 1390هـ / 1970 م وثيقة سياسة التعليم لتكون ترجمة عملية ووثيقة علمية تربوية لنظام التعليم وأهدافه في المملكة، وبالرغم من تعدد الخصائص والمميزات التي امتازت بها السياسة التعليمية في المملكة عن غيرها – مثل قيامها على أساس عظيم وواضح وهو الإيمان بالله ورسوله, والاهتمام بالمواد الدينية في جميع مراحل التعليم, و مجانية التعليم, والفصل بين الجنسين في التعليم – إلا أنها وضعت لتلبي حاجات المجتمع والتطورات العالمية في ذلك الوقت ولم ُيجرَ عليها أي تعديل بعدئذ ، وقد شملت وثيقة سياسة التعليم في المملكة جميع أنواع التعليم ومراحله في التعليم العام والتعليم العالي والتعليم الفني والتدريب المهني وتعليم الكبار والمعاهد المختلفة وتطرقت إلى الخطط والمناهج والوسائل التربوية والنظم الإدارية والأجهزة القائمة على التعليم وسائر ما يتصل بها ، كما شملت الوثيقة الطلاب الأسوياء وذوي الاحتياجات الخاصة (إلا أنها أشارت فقط إلى المكفوفين والموهوبين والمعاقين)، كما نصت في مقدمتها على أنها جزء من السياسة العامة للدولة .

وقد تناول مجموعة من الخبراء والمتخصصين سياسة التعليم في المملكة بالتحليل والدراسة والتقويم ولعل دراسة الأخ الدكتور سعود بن عيد العنزي تعد من أكثرها تفصيلا واعتمادًا على المنهجية العلمية في البحث ، ويمكن الرجوع إليها في موقعه الإليكتروني ، وقد استنتج في دراسته إن معظم بنود وثيقة سياسة التعليم في المملكة مهمة وقيمة وغنية مما جعل سياسة التعليم في المملكة متميزة عن كثير من السياسات, إلا أنها تحتاج إلى تفعيلها على أرض الواقع ؛ فقد كشفت الدراسة أن كثير من البنود لم يتم تنفيذها أوأن درجة تنفيذها أقل من المطلوب ، واقترح إعادة صياغة وثيقة سياسة التعليم بأسلوب مناسب للجميع والتأكد من وضوحها وتسلسل أفكارها حتى يسهل فهمها واستيعابها ومن ثم تنفيذها ، ودراسة أسباب عدم تنفيذ بعض بنود السياسة التعليمية (مثل البند34, 44, 45, 52, 54 ,55 ,192, 193, 201, 203 وغيرها) وتذليل الصعوبات التي تحول دون ذلك ، واستخدام الأساليب العلمية المقننة التي تضمن تحويل أهداف وثيقة سياسة التعليم إلى واقع وسلوك, ووضع برامج تنفيذ ومتابعة ومحاسبية مستمرة للتأكد من مدى تطبيقها وممارستها.

وحيث أنني في هذه السلسة أحاول أن أستشرف المستقبل لبعض القضايا المهمة ومنها مستقبل التعليم سياسة ونظامًا وأساليب وطرائق ومنهجية وحيث أن سياسة التعليم تعد الأساس الذي يقوم عليه التعليم لتحديد هويته وتفاصيله فقد آثرت أن تكون منطلق الاستشراف للجوانب المتعلقة بالتعليم ، وقد مرت على وثيقة سياسة التعليم أكثر من خمسة وأربعين عامًا دون إحداث أي تطوير في محتوياتها وكما تفيد بعض الدراسات التحليلية لها أنها تحتاج إلى التطوير والتحديث بما يتلاءم مع المتغيرات المعاصرة وما يتلاءم مع ما أحدثته الدولة من تطوير في الوزارات والهيئات المشرفة على التعليم ، وقد استشرف الأخ الدكتور خالد بن دهيش وكيل الوزارة للتخطيط والتطوير الإداري في وزارة التربية والتعليم سابقًا مستقبل التعليم في المملكة إنطلاقًا من خصائص ومتطلبات عصر المعرفة وذلك في ورقة عمل صدرت عام 1424هـ وأكد فيها أهمية توافر خطط إستراتيجية عشرية للوازرة المشرفة على التعليم تنطلق من منطلقات سياسة التعليم ومتطلبات المستقبل لتحقيق مجتمع إقتصاديات المعرفة ، وهي من أوراق العمل المهمة في التخطيط الاستراتيجي وقد تضمنت مقترح لخطة إستراتيجية عشرية تنتهي بعام 1435هـ وقد عملت الوزارة على تبنيها بإعداد أول خطة إستراتيجية عشرية لها لم يكتب لها النجاح لتغيير القيادات العليا في الوزارة وعدم وضعها في أولويات التطوير اللاحقة ، ولعل المستقبل المتعلق بسياسة التعليم من وجهة نظري المتواضعة وإنطلاقًا من تأريخ التعليم وتطوره وواقعه المعاصر لن يبتعد كثيرًا عن المشاهد والسيناريوهات الآتية :

المشهد الأول : تطوير نظام الحكم والإدارة بالمملكة مما يعني بالضرورة إحداث التطوير في سياسة التعليم وفي النظام التعليمي عامة ، وقد يسند الإشراف على كل أنواع التعليم والتدريب في المملكة إلى جهة واحدة أو قد تعود الأمور إلى سابق غهدها بفصل الارتباط بين أنواع التعليم بحسب النوع والجنس ، وفي كل الحالات سيتطلب الأمر إعادة النظر في سياسة التعليم وتطويرها لتتواكب مع المتغيرات الجديدة ، كما سيتطلب الأمر إعادة هيكلة الجهات الإدارية المشرفة على التعليم ، ويلاحظ أن توجهات الدولة في اتجاه تطوير النظام التعليمي قد بدأت بدمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في وزارة التعليم الحالية ، وسيشهد المستقبل تحقيق فرضية اعتماد سياسة تعليم جديدة تحل محل الحالية التي مضى عليها أكثر من خمسة وأربعين عامًا دون تطوير .

المشهد الثاني : إستمرار التمسك بتراث السياسة التعليمية دون تطوير وإنصراف جهود الدولة إلى تطوير هيكل الإدارة التعليمية فقط بتغيير الهيكل الإداري وتغيير الوزراء والقيادات العليا وإعادة ترتيب أولويات تحقيق أهداف السياسة التعليمية ودمج أنواع التعليم أو إعادة فك ارتباطها ودمجها من جديد للعودة إلى أسلوب إدارتها قبل الدمج كما فعلت بعض دول جنوب شرق أسيا ، وسيستمر إلحاح الخبراء والمهتمين بالسياسة التعليمية بمطالبة الحكومة بتطوير السياسة التعليمية لتواكب المتغيرات الجديدة العالمية والأقليمية ، وفي هذا المشهد ستشكل السياسة التعليمية عائقًا لبلوغ المأمول من استقلال المؤسسات التعليمية في التعليم العالي والعام وعائقًا في طريق خصصة التعليم.

المشهد الثالث : إحداث تطوير جزئي في السياسة التعليمية مترتبًا على ضغط دولي واجتماعي في اتجاه تمكين المؤسسات التعليمية من قيادة التطوير في التعليم وإتاحة الفرصة لمؤسسات المجتمع المدني لتقوم بدورها في توجيه التعليم نحو تحقيق متطلبات التنمية الوطنية والتعامل مع التقنيات المعاصرة والمستقبلة ووسائل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الإجتماعي المتطورة لتحقيق غايات التعليم وأهدافه ويتوقع في هذا المشهد أن يتم التطوير الملائم في نظام التعليم وهياكل إدارته على مستوى الوزارة والجامعات وإدارات التعليم والمدارس.

المشهد الرابع : تضمين سياسة التعليم في نظام الحكم أو الدستور الوطني مع إحداث التطوير اللازم المتناسق مع التطوير في النظام بحيث تتضمن التوجيهات الرئيسة التي يمكن أن تكون منطلقًا لتطوير النظام التعليمي وهياكل التعليم وإدارته ووضع الخطط الإستراتيجية المستقبلية لضمان تلبية مخرجاته لمتطلبات التنمية الشاملة المتطورة في اتجاه مجتمع المعرفة والاستثمار في المعرفة الرقمية ، وفي هذا المشهد ستكون أولويات الحكومة هي بناء النظام والدستور الشامل والذي سيشمل السياسة التعليمية وغيرها من السياسات المرتبطة بالمجتمع .

وفي كل الأحوال وعلى فرضية تحقق أحد المشاهد السابقة أو بقاء الأمر دون تطوير مؤثر فإن سياسة التعليم تعد من الأسس التي يقوم عليها هيكل التعليم وتخطط عليها مشروعاته المعاصرة والمستقبلة وتعد منطلقًا مهمًا من منطلقات التخطيط الاستراتيجي للتعليم ، وأعتقد أن تطويرها أصبح من الأهمية بمكان لإتاحة الفرصة لظهور الجامعات المستقلة والمدارس المستقلة المعلمة والمتطورة والمنفتحة على التطورات العالمية والمنطلق الرئيس للتطوير المستقبلي في التعليم بجميع مكوناته ، ولعلنا نفيق يومًا في المستقبل على قرار حكومي يتضمن التطوير الشامل في السياسات والأنظمة والهياكل الإدارية بما يحقق الآمال والطموحات ، والله الموفق والمستعان .

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصادر التربية توافق واختلاف

تتعدد مصادر التربية المعاصرة وتتنوع في الأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام والتواصل والتقنيات ...