الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (12) مستقبل النظام التعليمي في الوطن العزيز هيكلاً وإدارة

سلسلة استشرف معي المستقبل (12) مستقبل النظام التعليمي في الوطن العزيز هيكلاً وإدارة

(12) مستقبل النظام التعليمي في الوطن العزيز هيكلًا وإدارة

عرف الوطن العزيز كما أسلفنا النظام التعليمي العربي بهيكله الأول في إقليم الحجاز على أثر دخل الملك عبدالعزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة رحمه الله مكة المكرمة عام 1343هـ حيث أعلن الملك الموحد إنشاء مديرية المعارف في 1/9/1344هـ واضعًا الأسس لأول مؤسسة تعليمية حديثة في المملكة والبذرة الأولى لنظام تعليمي حديث ، وصدرت التعليمات الأساسية التي وضعت نظام الحكم والدولة الجديدة في 21/2/1345هـ ، ولم يكن هيكل التعليم بالتنوع الذي وصل إليه اليوم حيث كان مركزًا على تعليم البنين .

 وقد أنشئ أول مجلس للمعارف عام 1346هـ، وأصدر نظاما أساسيًا للتعليم كان من أهم مواده: توحيد التعليم في الحجاز، والسعي لجعل التعليم إجباريا، وهو يتكون من اربع مراحل: تحضيرية، وابتدائية، وثانوية، وعالية، وللمجلس حق اختيار الكتب الدراسية، وسن الأنظمة التعليمية، والإشراف على المدارس. وأصدرت مديرية المعارف العامة وقتذاك أول نظام للمدارس عام 1347هـ، وظل ساري المفعول حتى عام 1357هـ، حيث اقتضت الضرورة بحكم توحيد المملكة داخل كيان واحد، إجراء تغييرات جذرية، تمخض عنها تضمين السياسة التعليمية، وتحديد مدة الدراسة في المدارس التحضيرية بثلاث سنوات وفي المدارس الابتدائية بأربع سنوات، وتشكيل مجلس للمعارف يتكون من ثمانية أعضاء، ومنحه صلاحية تكوين هيئة إدارية تتولى وضع نظام خطط مديرية المعارف العامة والإشراف على شؤون التعليم في جميع أنحاء المملكة. وكان الإشراف قاصرا قبل صدور النظام على منطقة الحجاز. وقد ظل هذا النظام ساري المفعول حتى صدور المرسوم الملكي عام 1373هـ بتحويل مديرية المعارف الى وزارة ، وفي عام 1390هـ تم إنشاء اللجنة العليا لسياسة التعليم في المملكة لتتولى مهمة الإشراف على التعليم في مختلف أنواعه ومراحله وتقوم على دراسة واعتماد سياسة التطوير التعليمية وقد ألغيت هذه اللجنة العليا بدمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة التعليم الحالية .

وقد أنشئت وزارة المعارف في عام  1373هـ (1954م)، وكانت امتدادًا وتطويرًا لمديرية المعارف، وقد أسند إليها التخطيط والإشراف على التعليم العام للبنين في مراحله الثلاث (الابتدائي – المتوسط – الثانوي)، وكان الملك فهد رحمه الله أول وزير لها، وكان الهدف من إنشائها تطوير مؤسسات التعليم النظامية وغير النظامية بمراحلها المختلفة، وأنواعها وتخصصاتها، وأنشطتها،إضافة إلى الاهتمام بالتعليم العام للبنين ومعاهد المعلمين والمعاهد الفنية، وكانت تشرف على الجامعات حتى عام 1395هـ حيث تم في ذلك العام إنشاء وزارة التعليم العالي ومن ثم تأسست المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني عام 1400هـ للإشراف على التعليم الفني ، وقد تأسست الرئاسة العامة لتعليم البنات في عام 1380هـ للإشراف على تعليم البنات ومعاهد المعلمات والكليات المتوسطة وكليات التربية والآداب والخدمة الاجتماعية واستمرت على هذا الحال حتى تم دمجها مع تعليم البنين في وزارة التربية والتعليم عام 1422هـ ، ، وفي عام 1390هـ تم إنشاء اللجنة العليا لسياسة التعليم في المملكة لتتولى مهمة الإشراف على التعليم في مختلف أنواعه ومراحله وتقوم على دراسة واعتماد سياسة التطوير التعليمية وقد ألغيت هذه اللجنة العليا في عام 1436هـ 2015م بدمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة التعليم الحالية .

ويلاحظ أن هيكل التعليم تطور خلال تاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية ليشمل البنين والبنات ويتنوع في مجالات التعليم العام والتعليم العالي والتعليم الفني والتدريب المهني بتنوع تخصصاته التجارية والصحية والمهنية وتتعدد مؤسسات التعليم والتدريب بتعدد أغراضها ، وقد استقلت بعض المؤسسات التعليمية عن إشراف وزارة المعارف قبلا ومن ثم وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي ووزارة التعليم مؤخرًا بحسب الحاجة إلى إنشاء مؤسسات مستقلة ومنها معهد الإدارة العامة والمعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمعاهد الفنية والصناعية والمعاهد التي أنشأتها بعض القطاعات الخدمية مثل قطاع البريد والاتصالات وقطاع التجارة والصناعة وقطاع الصحة ونحوها من المؤسسات والمعاهد ، ولا تزال بعض تلك المؤسسات التعليمية تتبع جهات أخرى غير وزارة التعليم .

ولم تعرف الجهات التي أشرفت على التعليم هيكلا ثابتًا للتعليم ولا لإدارة التعليم حيث كان التطوير يحدث مع كل تغيير تحدثه الحكومة في قيادات التعليم العليا سواء أكان التعليم العام أو التعليم العالي أو أنواع التعليم المستقلة عنهما والتابعة لجهات خدمية أخرى ، وقد حاول القائمون على التعليم العام في مدد متفاوته اعتماد هيكل إداري للوزارة كما حاول القائمون على التعليم العالي أيضًا ذلك إلا أن التغييرات المتوالية بدمج أنواع من التعليم مع بعضها وفك الارتباط بين بعضها كان يتطلب إعادة النظر فيما عرض على اللجنة العليا للإصلاح الإداري في الدولة من هياكل إدارية للوزارات المشرفة على التعليم ، ويمكن القول بأن ضعف الاهتمام بالخطط الاستراتيجية والأعمال المؤسسية في قطاعات الدولة المختلفة يقف سببًا وراء عدم استقرار الهياكل الإدارية للتعليم العام بأنواعه والتعليم العالي بأنواعه حيث لاتزال تخضع للتطويرات التي تعتمدها الحكومة لرؤى وقتية ولتحقيق غايات خاصة .

ولا أعتقد أن من الخبراء الإداريين والتربويين على السواء من يستطيع الجزم بمستقبل الهياكل الإدارية للتعليم العام والتعليم العالي والتعليم الفني في ظل التغييرات المفاجئة بالدمج أو فك الارتباط  القائمة على قرارات حكومية لا تعتمد على دراسات علمية وموضوعية أو على تقويم علمي ترافقه خطط استراتيجية بعيدة المدى تقوم على رؤية علمية تستهدف التطوير العلمي لمواكبة المتغيرات المعاصرة والمستقبلة ، وسأحاول أن أرسم بعض المشاهد والسيناريوهات المحتملة لمستقبل الهياكل الإدارية للتعليم في ظل هذا التوجه الحكومي السائد منذ نشأت الإدارات المشرفة على التعليم وحتى الوقت الراهن الذي شهد دمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة التعليم المعاصرة .

المشهد الأول : الاستمرار في تطبيق سياسة الدمج وقد يشهد المستقبل دمج المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في وزارة التعليم وتغيير مسماها إلى وزارة التعليم والتدريب ، وقد تدمج بقية المعاهد والمؤسسات التعليمية والتدريبية الأخرى التابعة للجامعات والرئاسة العامة لشؤون الحرمين ووزارات التجارة والصحة والاتصالات وغيرها من المعاهد لبعض أنواع التعليم والتدريب في الوزارة الجديدة لتحقيق نفس الغايات التي دمج التعليم العالي والعام من أجلها في الوزارة الحالية ، وسيترتب على ذلك تضخم غير مسبوق في الهيكل الإداري مما سيصعب معه إدارة التعليم إذا لم تعتمد سياسة إستقلال المؤسسات التعليمية كما هو الحال في الكثير من دول العالم المتطورة في التعليم والتدريب ، وقد تتطلب صعوبة إصلاح الهياكل الإدارية العودة إلى فك الإرتباط مجددًا بين أنواع التعليم وإدارته وستشكل هذه المحاولات إعاقة لتطوير التعليم والتدريب بأنواعه .

المشهد الثاني : فك الارتباط بين التعليم العام والتعليم العالي واعتماد استقلال الجامعات والنظر في دمج أنواع التعليم العام والتدريب في وزارة للتعليم والتدريب وإلغاء وزارة التعليم العالي باستقلال الجامعات الحكومية والأهلية ، وسيتطلب التوجه الجديد اعتماد مجالس الأمناء للجامعات لإدارة هياكلها والإشراف على تنفيذ خططها الاستراتيجية ، كما يتطلب اعتماد خطة استراتيجية وهياكل إدارية للوزارة الجديدة المشرفة على أنواع التعليم غير العالي تفضي إلى إعتماد استقلال إدارات التعليم في إتجاه استقلال المدارس والمعاهد مستقبلا.

المشهد الثالث : العودة مجددًا إلى فك ارتباط التعليم العالي بالتعليم العام مع بقاء التعليم الفني والتدريب المهني مستقلا في الهياكل والإدارة وبقاء المعاهد الأخرى التابعة لجهات ووزارات غير وزارة التعليم مستقلة أيضًا وذلك بعد تزايد الطلبات من مؤسسات التعليم العالي بالاستقلال أو فك الارتباط عن وزارة التعليم التي ستشغلها مشاكل التعليم العام عن الاهتمام بالتعليم العالي ومؤسساته المتنوعة وقد تعود مجددًا وزارة التعليم العالي التي ستعمل على تحقيق غايات إستقلال الجامعات مستقبلا ، وفي هذه الحالة سيتطلب الأمر العودة مجددًا إلى الهياكل الإدارية التي تم تغييرها بإنشاء وزارة التعليم الحالية ، وستعرقل هذه الخطوات أيضًا تطوير التعليم العام في المستقبل المنظور .

المشهد الرابع : ولعله يكون أكثر المشاهد المتشائمة ويتمثل في فك ارتباط تعليم البنات عن تعليم البنين بعودة الرئاسة العامة لتعليم البنات وخاصة في ظل تمدد حركات الإصلاح الأصولية التي لا ترى مبررًا لدمج تعليم البنات مع تعليم البنين لتفاوت الخصائص والفروق الفردية بين الجنسين ، وقد يشهد المستقبل مثل هذا التحول مع بقاء القيود على الجامعات وهو ما يتطلب العودة من جديد إلى المطالبة بتحسين إدارات التعليم وتطوير هياكلها بما يتوافق مع التوجهات العالمية وتلبية متطلبات التنمية المتطورة .

المشهد الخامس : وهو ما يأمل الخبراء الإداريون والتربويون في حدوثه لمستقبل الهياكل الإدارية للتعليم في الوطن العزيز ويتمثل في التأكيد على استقلال الجامعات ومؤسسات التعليم العام مما يتطلب إنشاء مجالس أمناء للجامعات والمعاهد والمدارس تتولى عملية الإدارة المستقلة للمؤسسة التعليمية وفي هذه الحالة لاحاجة لوزارة التعليم العالي وتبقى الحاجة لوجود وزارة تعليم وتدريب تشرف على التعليم العام والتعليم الفني والتدريب دون العالي وتمنح لإدارات التعليم في المناطق والمحافظات صلاحيات مستقلة أو شبه مستقلة لإدارة التعليم والتدريب في الجوانب المالية والإشراف على توزيع الميزانيات السنوية وصرفها وفق الأنظمة المرعية ، وتتولى هيئة تقويم التعليم بعد دمجها مع قياس عمليات تصنيف الجامعات والمدارس والاعتماد الإكاديمي لها وتحديد ميزانية كل مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي والعام وفقًا لنتائج التقويم والتصنيف المعلنة بشفافية والمتاحة لجميع أفراد المجتمع كما هو الحال في الكثير من دول العالم المتقدمة في التعليم ، وفي هذا المشهد لا تتطلب إدارة التعليم هياكل متضخمة أو معقدة وينبغي أن تعتمد للوزارة الجديدة ومؤسسات التعليم المتنوعة خطط إستراتيجية تنطلق من خطة الدولة الإستراتيجية ومتابعة التطوير للتعليم المنبثق من المؤسسات التعليمية المعلمة والمتطورة والمستقلة .

وعلى كل حال فحدوث مشهد من المشاهد السابقة أو حدوث مشهد آخر لم تتم الإشارة إليه يتطلب إعادة النظر في الهياكل الإدارية للتعليم والتدريب بأنواعه بما يحقق الآمال العريضة في المجتمع لتوافر مؤسسات تعليمية معلمة ومتطورة مستقلة تتاح لها فرص التنافس والاستثمار الأمثل في الطاقات البشرية بما يلبي متطلبات التنمية الوطنية في المستقبل وهو ما يتطلب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى وفق رؤية يشارك في صياغتها أفراد المجتمع للدولة وللتعليم والتدريب بكل أنواعه ، ونأمل أن يتحقق ذلك وفقًا لدراسات علمية منهجية محكمة يقوم بها الخبراء في مجالات الإدارة والتعليم عبر مؤسسات خبرية أو في الجامعات المحلية مع الاستفادة القصوى من خبرات الدول المتقدمة في مجال التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ الأعمال المؤسسية المتصلة بالتعليم والتدريب . والله الموفق والمستعان .