الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (13) مستقبل خطط التعليم في الوطن العزيز

سلسلة استشرف معي المستقبل (13) مستقبل خطط التعليم في الوطن العزيز

(13) مستقبل خطط التعليم في الوطن العزيز
عرف الوطن العزيز التطوير التعليمي والتربوي منذ وقت مبكر بعد تأسيس مديرية المعارف وأدركت الدولة أهمية تطوير التعليم في بناء المواطن، وحققت بجهودها في نشر التربية والتعليم أنموذجا متميزاً على المستوىين الإقليمي والعالمي ، فمن مدارس محدودة العدد تقوم بتعليم عدد محدود من الطلاب الذكور ، إلى أكثر من 35 ألف مدرسة للتعليم العام تقدم رعايتها وخدماتها بالتربية والتعليم إلى نحو خمسة ملايين طالب وطالبة، ويقوم بمهمة التدريس فيها قرابة نصف مليون معلم ومعلمة ،

ومن جامعة واحدة إلى أكثر من 35 جامعة حكومية وأهلية ينتمي إليها أكثر من مليون طالب وطالبة ، يقوم على تعليمهم أكثر من مئة ألف عضو هيئة تدريس في الكثير من التخصصات ،وقد بلغت معدلات النمو في السنوات الخمسين الماضية زيادة ملحوظة بتضاعف عدد المدارس ومؤسسات التعليم العالي والطلاب والعاملين فيها كل عشر سنوات ، وقد وجد في هيكل وزارة المعارف كما في هيكل الرئاسة العامة لتعليم البنات ووزارة التعليم العالي وبعد ذلك في وزارة التربية والتعليم إدارات للتخطيط والتطوير التربوي وأخرى للتطوير الإداري تضطلع بمهام التخطيط والتطوير وإدارة مشاريع التطوير التي شهدتها الوزارات المعنية بقيادة التعليم قبل دمجها أخيرًا في وزارة التعليم الحالية .
ويمكن تقسيم تاريخ التعليم العام في المملكة إلى ثلاث مراحل رئيسة:مرحلة التأسيس: وهي مرحلة تعزيز اطمئنان المجتمع وقبوله بالتعليم وبالأخص تعليم المرأة وبناء السياسات والنظام التعليمي . ومرحلة الانتشار: وهي مرحلة نشر التعليم والتوسع فيه كمياً مع مساواة فرص التعليم للجنسين والسعي لمحو الأمية. ومرحلة التجويد:هي مرحلة القيام بمشروعات وبرامج لتطوير التعليم وتأطيرها في المؤسسات التعليمية ومتابعة مخرجاتها ، وقد أولت المملكة التعليم اهتماماً بالغاً، وأنفقت عليه مبالغَ ضخمة، حتى احتل المرتبة الثانية في حجم الإنفاق الحكومي، واحتلت المملكة المرتبة الثامنة دولياً من حيث الإنفاق على التعليم،وقد حققت المملكة مجموعة من الإنجازات المهمة ويمكن الإشارة إلى بعض منها فيما يلي:
انخفضت نسبة الأمية في المملكة من 60 %عام 1971 م إلى ما يقارب 4%عام 2012 م ، ووفرت المملكة التعليم المجاني لمراحل التعليم جميعها بما في ذلك التعليم الجامعي ، وارتفع عدد مدارس رياض الأطفال بفضل الدعم والحوافز التي تمنحها الدولة للمستثمرين في التعليم ، وخضعت الأنظمة والسياسات التعليمية لكثير من التعديل والتطوير على مدى العقود الماضية؛ لمواكبة المستجدات التربوية ومنها تطوير لائحة التقويم ولائحة السلوك وغيرهما،وخضعت المناهج الدراسية في وزارة التربية والتعليم إلى كثير من التطوير على مدى العقود الماضية في إطار توجهات تربوية وفكرية مستجدة، تُوَّجت بمشروع تطوير مناهجالرياضيات والعلوم الطبيعية والذي طُبق مؤخراً، وكذلك المشروع الشامل لتطويرالمناهج، وإحلال كثير من المدارس المبنية لأغراض تعليمية مكان المدارس المستأجرة ضمن خطة إستراتيجية طموحة تهدف إلى التخلص من المدارس المستأجرة خلال السنوات القليلة القادمة، وتبني مواصفات حديثة لتصميم المباني المدرسية وتحسين مرافقها وإجراءات السلامة فيها،وتنفيذ مشاريع إستراتيجية لتوظيف التقنية في تحسين إجراءات العمل وجمع البيانات وإتاحتها ومنها: مشروع فارس للحوكمة التقنية، ومشروع نور للإدارة التربوية، ونظام الاختبارات المركزية، وغيرها من المشروعات الإستراتيجية، وتزويد المدارس – بشكل مستمر – بالتجهيزات المدرسية اللازمة وتحسين مستوى جودتها، وتحسين إجراءات اختيار المعلمين والمعلمات وتوظيفهم، وتطبيق اختبارات مقننة لتحسين عملية الاختيار، وتطوير إجراءات المقابلات الشخصية للمتقدمين للوظائف التعليمية، وتبني سياسات في تقويم تعلم الطلاب والطالبات تهدف إلى التركيز على الكفايات الأساسية، وعلى إعطاء المعلمين مجالات أوسع، لتطبيق وسائل متنوعة في تقويم تحصيل الطالب، وازدياد الاهتمام بمهنة التدريس حيث ارتفع عدد المعلمين بشكل أسرع من نسبة التحاق الطالب بالمدارس فالمجموع الكلي للمعلمين في المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية قد ازداد بنسبة 62 % منذ العام 1995 م، مع ازدياد نسبة المعلمين في المرحلة الثانوية بنسبة 190 %، بينما ارتفع المجموع الكلي لالتحاق الطلاب في المستوى نفسه بنسبة 36 %.
هذا على مستوى التعليم العام ، وقد حققت المملكة مجموعة من الإنجازات على مستوى التعليم العالي لعل من أبرزها زيادة أعداد الجامعات وتوفيرها في جميع مناطق المملكة وفي بعض المحافظات ذات الكثافة السكانية التي تتطلب افتتاح جامعات فيها حتى بلغ تعداد الجامعات ما يزيد عن 35 جامعة تضم العديد من الكليات والأقسام وتم التوسع في مجال التخصصات الهندسية والطبية والعلوم التي لا تزال تتطلبها التنمية الوطنية وبنيت مجموعة من المدن الجامعية ولايزال العمل مستمرًا في بعضها ونفذ برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي منذ ما يزيد عن العشر سنوات ابتعث في مراحله مايزيد عن 150 ألف طالب وطالبة إلى العديد من الجامعات العالمية لدراسة بعض التخصصات التي تتطلبها التنمية وقد أسهمت بعض الجامعات في إحداث نقلة نوعية في مشاريع التعليم العالي لتحقيق التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع ونشأت أودية التقنية والأعمال بالشراكة مع بعض الشركات والمؤسسات الصناعية والتقنية وأنشأت في الوطن العزيز أول جامعة إليكترونية وأول جامعة عالمية للعلوم والتكنولوجيا وأول جامعة للبنات ، وتحقق الكثير من المنجزات في مجالات تأسيس كراسي البحث العلمي ودعم المشروعات الصغيرة للشباب وفتح المجال واسعًا للجامعات الأهلية مع دعمها وتشجيع منافستها في مجال التعليم والتأهيل والتدريب .
وقد شهدت وزارة التربية والتعليم في عام 1425هـ إعداد أول خطة إستراتيجية عشرية استهدفت تطوير التعليم لكنها للأسف الشديد لم تفعلها لتغيير القيادات العليا في الوزارة ، وتلتها بعض الوزارات القائمة على التعليم والتدريب في إعداد خطط إستراتيجية لتطوير التعليم والتدريب ، وفي عام 1431هـ أنشئت شركة تطوير القابضة لإدارة مشاريع تطوير التعليم التي اعتمدت لها الدولة مبالغ ضخمة من الميزانية العامة للدولة لأكثر من عام مالي وفتح المجال أمام الشركة للاستثمار في تطوير التعليم لتحقيق دخولات إضافية توجه مصروفاتها نحو تحقيق تطوير التعليم مستقبلا ، وقد أعدت الشركة مشروع الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام وفق رؤية إستراتيجية للتطوير تمتد إلى عام 1444هـ تحقيقًا لرؤية خادم الحرمين الشريفين لتطوير التعليم العام كما أكدته الاستراتيجية ، والحق أن هذه الاستراتيجية تعد الأولى من نوعها التي استهدفت تطوير التعليم العام وفقًا لأسس استشراف المستقبل ومنطلقات التخطيط الاستراتيجي العلمية ، وقد يكون من الملائم للقيادات العليا الجديدة للتعليم متابعة تنفيذها لتحقيق أهدافها .
وقد أحدثت الدولة تغييرًا جذريًا في هيكلة الوزارة المشرفة على التعليم بدمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي في وزارة التعليم المعاصرة والتي سيكون عليها عبء إحداث التطوير في التعليم العام والعالي في الهياكل الإدارية والأنظمة والخطط بما يحقق متطلبات التنمية ، والذي يخشاه المتابعون والخبراء على السواء أن تطوى صفحات الخطة الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم مع إيقاف الدعم السخي الذي حظي به مشروع تطوير التعليم العام إلى ما قبل إنشاء وزارة التعليم الجديدة ، وسأحاول أن أرسم بعض المشاهد والسيناريوهات المحتملة لمستقبل تطوير التعليم في ظل هذا التوجه الحكومي.
المشهد الأول : استمرار عمل وكالات التطوير للتعليم العام وللتعليم العالي على وضعها على فرضية عدم إقرار استقلال الجامعات ، واستمرار عمل شركة تطوير وارتباطها بالقيادات العليا في الوزارة ، مما يعني احتمالية تبني الخطة الإستراتيجية الوطنية 1444 وخاصة فيما يتعلق بمشروع مدارس تطوير وبعض المشاريع الأخرى التي بدأ العمل على تجريبها ، وقد تعمل الوزارة في هذه الأثناء على إعداد خطة استراتيجية وطنية شاملة للتعليم العام والعالي مستفيدة من التجارب السابقة ، وستستمر الوزارة في إطلاق المشروعات التطويرية الجديدة خارج الخطة لاكتساب رضا الحكومة والقائمين على التعليم والمجتمع .
المشهد الثاني : صدور قرار اعتماد استقلال الجامعات مايعني إمكانية تبني الخطة الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام في الطريق إلى إقرار استقلال إدارات التعليم والمدارس بتعميم مشروع تطوير المدارس الذي تشرف عليه الوزارة وشركة تطوير ، وقد يعود الدعم الحكومي الذي اعتمد لتطوير التعليم في عهد الفيصل تدريجيًا مع تحسن الأوضاع الاقتصادية وانتهاء الأزمة اليمنية والسورية ، وستستمر الوزارة في إطلاق المشاريع التطويرية الصغيرة لإحداث نقلة محدودة تحسن الوضع الإعلامي لمنجزات الوزارة في نظر الحكومة والمجتمع تزامنًا مع تبني الخطة .
المشهد الثالث : إستمرار تبعية الجامعات للوزارة والعمل على إعداد خطة إستراتيجية وطنية لتطوير التعليم العالي قد تستهدف استقلال الجامعات في مدة متوسطة المدى على غرار الخطة الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام ودمج الخطتين في خطة واحدة تكون منطلقًا لتطوير التعليم في المملكة وقد تكلف شركة تطوير بالعمل على ذلك في السنوات القليلة القادمة وفي هذه الحالة يتوقع العمل ببعض البرامج والمشروعات في الخطة الاستراتيجية الوطنية 1444 وخاصة ما اتصل بمشروع تطوير المدارس والتوسع في تطبيقاته في السنوات القادمة إلى حين صدور الخطة الجديدة .
المشهد الرابع : حدوث تغيير جديد في القيادات العليا لوزارة التعليم ما يستدعي إعادة النظر في دمج التعليم العام مع التعليم العالي ، وقد يتمخض عن هذا إعادة فك الارتباط لصالح استقلال الجامعات ، وستعمل الوزارة على إعادة ترتيب الهيكل التنظيمي لوزارة التعليم وقد تتبنى خطة إستراتيجية جديدة تكون امتدادًا للخطة الاستراتيجية السابقة وغالب الظن أن يكون هدف استقلال إدارات التعليم والمدارس من أحد الأهداف الاستراتيجية وهو ما يعني الإبقاء على مشروع تطوير المدارس والتوسع فيه نحو التعميم وصولا إلى استقلال إدارات التعليم والمدارس.
المشهد الخامس : إستمرار الوضع على ما انتهى إليه بشأن الدمج واستمرار دواعي إيقاف الدعم لتطوير التعليم العام والعالي مايعني صرف النظر عن تنفيذ الخطة الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم ، وفي هذه الحالة ستعمل الوزارة على تكثيف البرامج التطويرية الصغيرة قليلة الكلفة المالية لتحسين وضع الوزارة في نظر الحكومة والقائمين على التعليم والمجتمع ، وهو ما يعني غياب التخطيط الاستراتيجي والعمل على الخطط الوقتية غير المنتظمة ، وفي هذه الحالة سيتوقف مشروع تطوير المدارس وربما يلغى كما ألغيت مشاريع المدارس الرائدة ، وسيشهد التعليم تراجعًا في المخرجات والنتائج في قائمة التصنيف الدولية على مستوى التعليم العام والتعليم العالي على السواء وخاصة إذا لم يعتمد قرار استقلال الجامعات من الجهة السيادية .
وعلى كل الفرضيات فإن على وزارة التعليم القائمة والمستقبلة أن تعمل جديًا على استصدار قرار استقلال الجامعات لاتاحة الفرصة لها للابداع والمنافسة العالمية ، والعمل على تنفيذ الخطة الإستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم العام 1444 وصولا إلى استقلال إدارات التعليم والمدارس بالتوسع في تنفيذ مشروع تطوير المدارس وعلى الدولة الاستمرار في دعم تطوير التعليم إذا ما رغبت تعليمًا منافسًا على المستويين الإقليمي والدولي ، وعلى القائمين على التعليم القيام بالتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى أسوة ببعض دول العالم التي تنافس على صدارة الترتيب العالمي ، وستستمر عثرات التعليم العام والعالي بعيدًا عن التخطيط الاستراتيجي والعمل المؤسسي الذي يبنى جديده على سابقه دون الاضطرار إلى تبني مشروعات على أنقاض المشروعات السابقة كما هو الحال الذي دأبت عليه الوزارة قبل الدمج ، ونسأل الله أن يوفق القيادات العليا والقائمين على التعليم إلى سلوك طريق التطوير المأمول للتعليم بكل أنواعه لتحقيق الآمال والغايات السامية للحكومة والمواطنين ، والله الموفق والمستعان .

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المستترة والمناهج الخفية

تحدث التربية في العادة نتيجة ممارسات مقصودة أو ممارسات عفوية من خلال ...