الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (6) مستقبل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة

سلسلة استشرف معي المستقبل (6) مستقبل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة

(6): مستقبل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية

من تابع تطور وسائل الإعلام المسموعة والمرئية خلال سنوات العقود الثلاثة المنصرمة يصاب بالذهول لسرعة التطورات وازدحام الفضاء بوسائط البث والإرسال وتعدد قنوات البث الإذاعي والمرئي بما يفوق الخيال وقد حدث ذلك التطور المتسارع نتيجة التقدم في صناعة تقنيات البث والاستقبال واستخدام الأقمار الاصطناعية للقيام بدور وسيط البث ويقدر بعض المتابعين أعداد الأقمار الاصطناعية المستخدمة لأغراض مدنية وأغراض عسكرية بالآلاف وتصل طاقة الواحد منها إلى بث مايزيد عن ألف قناة إذاعية ومثلها مرئية ، وعلينا تخيل عدد القنوات الإعلامية نتيجة استخدام هذه التقنيات المتطورة .

أذكر وجيلي أن الوطن العزيز لم يكن به من قنوات البث الإذاعي والتلفزيوني خلال الستينات والسبعينات الميلادية من القرن الميلادي المنصرم ما يزيد على عدد الأصابع ، ولم يكن هناك وسائل إتصال متطورة حيث لم تظهر آنذاك استخدامات الهاتف النقال وأطباق الاستقبال الحديثة ، فكان الإعلام السعودي يستخدم تقنية البث الأرضية للإذاعة والتلفزيون من الرياض وجدة والمنطقة الشرقية ، وفي غضون ثلاثة عقود أصبح بإمكان المواطنين الاستماع أو المشاهدة لأكثر من خمسة آلاف قناة إعلامية محلية وإقليمية وعالمية باستخدام تقنيات الاستقبال الحديثة والتي تطورت تطورًا مذهلا إلى درجة إتاحتها من خلال تطبيقات الهواتف النقالة والأجهزة الحاسوبية المتطورة.

ومع كثافة قنوات البث الإذاعي والتلفزيوني نشأت وسائط إعلامية جديدة سميت بوسائط الإعلام البديل وهي وسائط رقمية تتيح لكل فرد أن ينشيء متى شاء قناة بث إعلامية خاصة به واستخدام وسائل التواصل الإجتماعي لبث المحتوى الإعلامي الذي يتبناه من خلالها فنشطت نوافذ الأنترنت واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وقوقل بلس والواتساب وسناب شات وإنستقرام ونحوها من النوافذ الإليكترونية الإعلامية الحديثة في بث محتويات الإعلام البديل والتي يقودها الأفراد والمؤسسات على حد سواء ، وتنوعت المواد الإعلامية والمحتوى الإعلامي بتنوع الأغراض الخاصة لدى المؤسسات الإعلامية ولدى أفراد المجتمع الناشطين في هذا المجال.

وقد أقيمت مجموعة من الفعاليات الثقافية والمؤتمرات العلمية لبحث مستقبل الإعلام العالمي والعربي وألفت مجموعة من الكتب العلمية في هذا المجال وربما اشتركت غالبيتها في الرؤية المتشائمة لمستقبل الإعلام بشكل عام والإعلام المسموع والمرئي بشكل خاص حيث يتوقع سيطرة الأفراد على نوافذ الإعلام البديل في المستقبل من خلال وسائل المعلموماتية المتطورة إلى درجة يصعب معها المراقبة والمتابعة والتوجيه والسيطرة ، وسيؤثر ذلك حتمًا على جميع مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية .

وقد شهد الإعلام العربي المسموع والمرئي في الآونة الأخيرة الكثير من الفوضى، واختلط المال الفاسد بالإعلام الفاسد فأنتجت مجموعة من المؤسسات النفعية مشاريع إعلامية تعزز الطائفية وتدعم التباغض والتنافر والفرقة ، وتشجع على الخلافات العقدية والمذهبية و القبلية والعنصرية، وتحولت الساحات الإعلامية إلى معارك ثقافية واقعية ، وانعكست آثارها السلبية على شعوب المنطقة ، وما يشاهد من غثاء في وسائل الإعلام المؤسسية يشاهد كذلك في قنوات الإعلام البديل ، وقد قادت هذه الوسائل الإعلامية مجموعة من التحولات السياسية والثورات فيما أطلق عليه الربيع العربي في الكثير من الدول العربية ، ولا تزال تبشر بفصول أحداث مستقبلية جديدة في دول أخرى .

ولعل أكبر التحديات التي تواجه وسائل الإعلام الجديد والبديل في نظر الكثيرين من المتخصصين تكمن في ضعف توافر المصداقية في محتواها وخضوعها للأهواء والتوجهات والميول والرغبات وفي السطو على حقوق التأليف والنشر وفي اختراق القيم والتعدي على خصوصيات الثقافة ، وقد صنعت الوسائل الجديدة حالة من الإبهار لدى المتلقي لتنوعها وفرادتها ونفوذها السريع واستحواذها على اهتمام الجيل المعاصر لإمكانية استرجاعها وتكرار سماعها أو مشاهدتها دون التقيد بزمن المتابعة والرصد ، ويعزى إليها الكثير من التغيرات التي طرأت على سلوكياتهم واتجاهاتهم وقيمهم ، ويتوقع أن يستمر تأثيرها الإيجابي أحيانًا والسلبي في كثير من الأحيان باستمرار تطورها في اتجاه اختراق الثقافات والعادات والقيم والترويج لبدائلها المنقولة من عوالم منحلة ونماذج متفلته من العقائد والقيم والعادات والتقاليد ، وستصيب آثارها بناءات الأسر والمجتمعات بدون شك فضلا عن بناءات الدول والنظم والسياسات والثقافة العامة .

وقد يتساءل المهتمون عن الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأسر ومؤسسات التربية والتعليم والمجتمع ومؤسسات الدولة المعنية في المستقبل لحماية الناشئة والأجيال المستقبلة من الآثار السلبية التي سيخلفها الإعلام المفتوح والإعلام البديل الخارجان عن السيطرة والتنظيم القيمي والمعرفي لدى الأطفال والشباب ، وهو التحدي الحقيقي الذي يتطلب تطوير وسائل التربية والتعليم لتواجه الأخطار المتوقعة ، فلا الأسر ولا المجتمع ولا المؤسسات التعليمية ستنجح في مهامها مستقبلا إذا لم تتطور أساليبها وطرقها ونظمها لحصانة الأجيال المستقبلة من قوة التأثير في وسائل ووسائط الإعلام المتطورة .

لقد لمس الجيل المعاصر من الآباء تلك الفجوة الكبيرة التي نشأت بينهم وبين أولادهم نتيجة تنوع وسائط التثقيف الحديثة التي أثرت على تربيتهم وتعليمهم أكثر من تأثير وسائط التربية والتعليم التقليدية ، حيث استخدمت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام البديل للتأثير في ثقافة الجيل الجديد وجيل المستقبل بأساليب لا طاقة للوالدين والمربين والمعلمين بمقابلتها وتحصين الجيل من بلائها وسلبياتها ، ونتج عنها ما يسمى بعزل ثقافة الأجيال ، فما يؤمن به الآباء لا يؤمن بأغلبه أولادهم وكذلك العكس ، واتسعت الفجوة الثقافية وانعكست على العلاقات الأسرية والاجتماعية ولم تسلم منه أي أسرة في المجتمع السعودي المعاصر رغم اجتهاد بعض الجهات المعنية في الدولة بالسيطرة على بعض المواقع الإليكترونية والقنوات الإباحية وحجب بعضها مما يعتقد بتأثيرها السلبي على الأخلاق والثقافة الوطنية حيث أنه في المقابل لهذا التحصين المجتمعي نشأت قوى منحلة برعت في الاختراق وفتح المواقع والقنوات المحجوبة وروجت لأدواتها في جميع الوسائل والوسائط الإعلامية والإليكترونية .

ولعل المستقرئ للمستقبل انطلاقًا من التأريخ والواقع لن يتفاءل كثيرًا في اتجاه الضبط لما انفلت في الفضاء وفي شبكات الإنترنت انفلاتًا يصعب معه الضبط خاصة مع التطور المذهل في الأجهزة الحاسوبية والهواتف الذكية ، وعند استشراف مستقبل الإعلام التقليدي والإعلام البديل والمتطور انطلاقًا من تأريخه وواقعه وقياسًا بالمتغيرات الدولية مع مراعاة المؤثرات الأساسية في تطور تشكيله تبرز لنا مجموعة من الاحتمالات والفرضيات والمشاهد والسيناريوهات لعل من أبرزها مايلي :

المشهد الأول : انخفاض تكلفة إنشاء القنوات الفضائية بتطور صناعة الأقمار الاصطناعية وتنافس الدول في إطلاق ما يتلاءم مع احتياجاتها بما يتيح للأفراد والمؤسسات على السواء استثمارها بإنشاء وتأسيس قنوات إعلامية خاصة وقد يتاح ربطها بوسائل التواصل التقنية المتطورة لتنويع محتويات البث ومادته الإعلامية مما يزيد من تعقيدات الإعلام وسيطرته على توجيه الثقافة العامة وثقافة المجتمع وتراجع قدرات الحكومات والمجتمعات على السيطرة على وسائل الإعلام وفي هذه الحالة ستتراجع شعبية القنوات التلفزيونية المؤسساتية المنظمة والمعتمدة على الإعلانات للتشغيل والتطوير وستسود القنوات الشخصية وقنوات المجموعات للتواصل والتبادل المعلوماتي وعرض الأنشطة الشخصية وعليه سيتجه المعلنون نحو القنوات الأكثر تأثيرًا وجذبًا وإن خرجت عن المبادئ والقيم والعادات مما سينعكس سلبًا على الثقافة وسلوك أفراد المجتمع مستقبلا .

المشهد الثاني :  تطور تقنية المعلوماتية لتصبح بديلا عن البث الفضائي والقنوات الفضائية حيث يتطور البث الإعلامي باستخدام وسائط التقنية الإليكترونية والمعلوماتية لتصبح قنوات البث عبارة عن تطبيقات حاسوبية ذكية يمكن استخدامها في أجهزة الهواتف الذكية المحمولة والمكتبية وقد يتراجع استخدام أجهزة التلفزيون ويحل محلها استخدام الألواح الإليكترونية المحمولة والضوئية المتطورة وتتاح الفرصة لبث القنوات الإعلامية المسموعة والمرئية على مستوى المؤسسات والأفراد على السواء ، وسينعكس ذلك على السلوك الأسري والمجتمعي وتزداد الانعزالية بين الأفراد وتقل سيطرة المجتمع على ترشيد مشاهدة المحتويات للبث الإعلامي المتنوع المصادر مما سينعكس سلبيًا على سلوك الأفراد والمجتمعات المستقبلة .

المشهد الثالث : تطور صناعة الإعلام المرئي والمسموع التقليدي والمتطور والبديل في اتجاه الضبط والاختيار وإتاحة الفرصة للدول والمجتمعات والأسر للسيطرة على المواد الإعلامية من خلال الاختيار والانتقاء المعياري بما يعزز المحافظة على الثقافة والقيم والعادات وسيساعد ذلك على توجيه اتجاهات وسلوكات أجيال المستقبل نحو المأمول وإن تزايدت قنوات التأثير الإعلامي والمعلوماتي .

المشهد الرابع : استمرار بقاء الأساليب والأدوات الإعلامية الحالية مع بعض التطويرات في تيسير الاستخدام عبر شاشات التلفزيون في المنازل وأجهزة الحواسب والهواتف الذكية وهو ما يعني بقاء التأثيرات الإيجابية والسلبية على السواء مما يتطلب من الدول والمجتمعات والأسر البحث عن أساليب حصانة للثقافة العامة وسلوك الأفراد بواسطة التربية والتعليم وهذا سيشكل تحد مستمر للمؤسسات الإجتماعية الرسمية والأهلية على السواء لمواجهة التأثيرات الإعلامية المتزايدة .

وأيًا كان المشهد المستقبلي لوسائل الإعلام المرئي والمسموع فإن الواقع والمستقبل يستدعيان من الدول والمجتمعات العمل على خصانة الأجيال المعاصرة والمستقبلة من غثاء ما يبث بواسطة القنوات الفضائية أو وسائط المعلوماتية من محتويات إعلامية شديدة التأثير على العقائد والاتجاهات والثقافات والسلوك الفردي والجماعي ، وقد يتفتق المستقبل عن اختراعات جديدة تزيد من تعقيد الأمر والخروج عن السيطرة الدولية والاجتماعية وعلينا التحسب لكل الاحتمالات وتطوير أساليبنا التربوية على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية والمجتمع لمواجهة سيل التأثيرات السلبية لوسائل الإعلام الواقعية والمحتملة ، والله الموفق والمستعان .