الرئيسية / مقالات / سلسلة استشرف معي المستقبل (8) مستقبل الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعية الرقمية

سلسلة استشرف معي المستقبل (8) مستقبل الإنترنت ووسائل التواصل الإجتماعية الرقمية

(8): مستقبل الأنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي الرقمية

بدأت شبكة الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية شبكة عسكرية للأغراض الدفاعية. ولكن بانضمام الجامعات الأمريكية ثم المؤسسات الأهلية والتجارية – في أمريكا وخارجها – جعلها شبكة عالمية تستخدم في شتى مجالات الحياة. لذا كانت هذه الشبكة المساهم الرئيسي فيما يشهده العالم اليوم من انفجار معلوماتي. وبالنظر إلى سهولة الوصول إلى المعلومات الموجودة على الشبكة مضافاً إليها المميزات الأخرى التي تتمتع بها الشبكة فقد أغرت الكثيرين بالاستفادة منها كل في مجاله. ومنهم التربويين الذين بدءوا باستخدامها في مجال التعليم. حتى أن بعض الجامعات الأمريكية وغيرها تنافست في تقديم بعض موادها التعليمية من خلال الإنترنت إضافة إلى الطرق التقليدية.

لقد حلت على العالم الذكرى السادسة والأربعين لانطلاق مصدر المعلوماتية الجديدة نافذة المعرفة المفتوحة أو كما يطيب للبعض أن يطلق عليها مصطلح الشبكة العنكبوتية أو شبكة الإنترنت معجزة العصر الحديث, أو ما يمكن أن يُطلق عليها “أيقونة العصر”, هذا الابتكار البشري الرائد الذي غير مفاهيم الثقافة والتعليم والتعلم والإعلام والاتصالات وتغلغل في كل الشؤون السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية واستطاع أن يحدث تغييرات كبيرة في جميع مفاصل المشهد الحضاري الإنساني بشكل غير مسبوق فاق كل حلقات مسلسل التطور والتقدم والتحضر البشري منذ قرون طويلة, كما أسهم أيضاً بدفع عجلة التنمية الشاملة على كافة المستويات ، وأصبح التحدي الأول في قائمة التحديات المعاصرة والمتوقعة مستقبلا للتطوير والمواكبة والتحديث ، ونتيجة للتطور المذهل في استخدامه اتجهت دول العالم إلى التطوير في أنظمتها وقوانينها وبرامجها التنموية وخاصة في المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية وتغير نتيجته المفهوم السائد والنمطي لوسائل الاتصال العالمية كما تغير مفهوم الإعلام والتربية والثقافة ونشطت وسائل التواصل الإجتماعي وما يعرف بوسائل الإعلام الجديد .

ومع حلول الذكرى السادسة والأربعين عالميًا فإننا في العالم العربي لم نبلغ الذكرى الخامسة والعشرين بعد لولوج  هذا المحرك التنموي عالمنا ، وتعتبر دولة تونس الدولة العربية الأولى التي ارتبطت بالإنترنت وذلك في عام 1991م , ولحقتها تباعاً كل الدول العربية, وكان آخرها المملكة العربية السعودية التي سمحت بإدخال هذه الخدمة المعلوماتية بشكل متحفظ في عام  1999م ، لكن خمسة عشر عامًا في بلادنا تقريبًا من عمر استخدامات الإنترنت كانت كفيلة بتغيير الكثير من المفاهيم والسياسات والاستراتيجيات والخطط  والممارسات العملية في مجالات التنمية المتنوعة ، وأقبل المجتمع السعودي على استخدام هذه الشبكة على كل المستويات وللعديد من الأغراض والأهداف ، وأسرف أفراد المجتمع بتنوعاتهم في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام الحديث ، ومن يتابع موقع “Alexa Internet” الذي اشتهر بتقديم المعلومات الموثقة عن ترتيب المواقع التي يتردد عليها المتصفحون من كل دول العالم, وهو تابع لشبكة “أمازون” العالمية يدرك أن مجتمعنا السعودي مسرف في استخدام البدائل التربوية والتعليمية والترفيهية والإخبارية ومستغرق في حلم التقنية الذكية من خلال أجهزتها المحمولة والمتطورة ، ووفقًا لتقرير هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات لعام 2015 م فإن عدد مستخدمي الإنترنت في الوطن العزيز زاد عن 21 مليون مستخدم بنسبة إنتشار زادت عن 66% على مستوى السكان وهي نسبة تقترب كثيرًا من نسب الإنتشار العالمية على الرغم من تدني مستوى خدمات شركات الاتصال التي لاتزال في بدايات إطلاقها لشبكات الجيل الثالث والرابع وتوفير شبكات الألياف البصرية ، وهذا ما يعني استمرار تزايد الأعداد المستخدمة للإنترنت محليًا .

لقد توغل الإنترنت والتعاملات الرقمية في جميع مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والتجارية والإجتماعية والثقافية والإعلامية والتعليمية والتواصل والاتصالات والترفيه والحياة العامة ، وأنتشرت مفاهيم الحكومات الإليكترونية والأسواق الإليكترونية والمؤسسات التعليمية الإليكترونية والألعاب الإليكترونية ووسائل الإعلام الجديد ووسائل التواصل الإليكترونية ونحوها من المفاهيم المرتبطة بالتعاملات الرقمية والإليكترونية ، وأصبح التعامل على مستوى الدول مقياسًا لتقدمها في المعلوماتية والرقمية اللتان أصبحتا ضروريتان في تقييم الدول وتواصلها الدولي ، فاليوم لا تحتاج إلى التعامل بالنقد في الكثير من دول العالم وفي الغالب من محالها التجارية بل تتعامل مع بطاقات الصرف الآلي أو بطاقات الكردت ، ويمكنك التصفح من مليارات الصفحات الإليكترونية والمواقع ما أسعفك وقتك وجهدك على تصفحه بجميع لغات العالم، ويمكنك التواصل بالصوت والصورة مباشرة عبر الكثير من وسائل التواصل مع من أردت حول العالم ، ويمكنك التسوق والتعلم والتدريب عن بعد كما يمكنك المضاربة في الأسواق العالمية دون حواجز ولا حدود ، إنه عالم التقنية عالم المعرفة الجديدة المتطورة عالم العولمة عالم الإنترنت بلا حدود .

يبدو أن المستقبل للأنترنت سيكون أكثر رعبًا مما بلغه إلى اليوم وخاصة فيما يتعلق بحريته المفرطة وعجز الدول عن ترشيده ، وتنوع مدخلاته وضخامة إرشيفه ومحتوياته وتنوعها ، ففي الغد سيتمكن جميع الناس من امتلاك الحق للوصول إلى أي موقع على الإنترنت، حتى لو تضمن الأفكار الإرهابية والأفكار الإباحية والمعارضات السياسية والإعلامية والعقدية وغيرها وهذا سيجعل الإنترنت مصدراً حقيقاً لتهديد الثقافات والاتجاهات والسلوكات الاجتماعية وتهديد استقرار الدول ولن تكون أي دولة في منأى عن خطورته وتحولاته المدمرة .

وقد أطلقت جامعة “إلون” الأمريكية مشروعاً ضخماً أطلقت عليه اسم “تخيُل الإنترنت” Imagining The Internet يهدف إلى استطلاع آراء عشرات الخبراء حول مستقبل الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات وأثرهما على حياة البشر خاصةً بعد التطورات التاريخية التي أحدثها الإنترنت في العالم خلال سنوات قلائل من خلال الشبكات الاجتماعية وغيرها من التقنيات التي أعطت الفرصة للبشر للتواصل كما لم يفعلوا من قبل ، وقد أتاح المشروع من خلال موقعه الرسمي على الإنترنت الفرصة للأشخاص العاديين حول العالم لتسجيل تصوراتهم حول مستقبل الإنترنت ومدى تأثيره على حياتهم ، باعتبارهم المحرك الحقيقي له مع ازدياد الشبكات الاجتماعية مثل “فيس بوك” و”تويتر” والمدونات وغيرها ، وقد جاءت نتائج الاستطلاع تشير إلى أن الكثير من آراء المشاركين ركزت على تغير السمات النفسية والاجتماعية للبشر إلى الأسوأ مستقبلاً بسبب الإنترنت ، فعلى الرغم من التوقعات بزيادة قدرة الناس على التواصل عن طريق الشبكات الاجتماعية والمكالمات المرئية وغيرها ، فإن الناس ستفقد أحاسيسها ومشاعرها بالتدريج وسيفقدون صلتهم بالواقع والطبيعة وحتى الغرائز بسبب حياتهم الافتراضية ، وفقدان الخصوصية وإنهيار مفاهيم الأسرة والمجتمع والدولة ، وستموت فكرة حقوق الملكية الفكرية ، وستسقط التقليدية الممارسة في مناحي السياسة والإقتصاد والإعلام والتعليم والتدريب دون رجعة ، وسينشأ جيل يتمتع بذكاء خارق نتيجة انفتاح تعامله مع الافتراضيات وما فوق الخيال والتفكير النمطي ، وسيقود العالم في المستقبل الشباب والأطفال .

وقد ألفت الكثير من الكتب حول العالم عن مستقبل الإنترنت والتوقعات المستقبلة لانتشاره االمتواصل الإيجابية والسلبية ، وعقدت مجموعة من المؤتمرات العلمية لمواجهة التهديدات المحتملة من تزايد إنتشار الإنترنت وإتساع مساحات الحريات في محتوياته التي يمكن وصول تأثيرها إلى جميع الأفراد في جميع أنحاء العالم ، أما ما يتعلق بمستقبل الأنترنت فقد طرحت جمعية الإنترنت الدولية مجموعة من المشاهد والسيناريوهات المحتملة أجدني أميل إلى موافقتها في الكثير مما ورد فيها من توقعات وهي على النحو الآتي :

المشهد الأول : سيناريو الحوض المشترك : حيث سيتميز الإنترنت بخصائص إيجابية “توليدية” و “متوزعة ،لامركزية “.، ويتمتع بفرصة النمو والتكاثر ، مع عدم وجود عوائق لا يمكن التغلب عليها أمام الراغبين في المشاركة، ويتم حل الخلافات والتحديات من خلال المنافسة بدلا من التفاوض أو الحقوق الموروثة ، ويتميز المستقبل بالتطور المستمر وبميزات نظام بيئي صحي من مشغلي الشبكات المترابطة، والمطورين، ومقدمي البنية التحتية، و منظمات إدارة الموارد، الخ ، ويميل التنظيم والعمليات إلى أن تكون “أفقية”وليست “عمودية”، بحيث اللبنات الأساسية (التكنولوجيات، والشبكات ، الخ) متاحة للجميع للبناء عليها ، وسيتم الوفاء بالمتطلبات الجديدة .

المشهد الثاني : سيناريو الجسور المتحركة والخنادق : حيث يتوقع أن يصبح الأنترنت شديد المركزية يهيمن عليه قلة من اللاعبين الكبار سيفرضون فيه القواعد الخاصة بهم ، وفيه ستحل النزاعات عن طريق التفاوض، وليس المنافسة وتتم بطريقة المفاوضات المكثفة والصفقات التجارية لتحديد مستويات الملكية والسيطرة ، وستسعى الحكومات إلى فرض بعض القواعد للمصالح الخاصة والعامة ، وربما تسيطر على المعدات التي يستخدمها المستخدمون للاتصال بالشبكة ، وسيكون معظم المحتوى مملوكا و محميا بقوانين ملكية فكرية قوية ، وستسعى الحكومات إلى السيطرة على سلوك الشبكات ومستخدمي الشبكة من خلال آليات قانونية و عقوبات ، وعليه ستنشأ بعض الحواجز الكبيرة لمعيرة الولوج للشبكة، مع عدم وجود حافز كبير لتوسيع شبكات للعملاء متجاوزة حدود المستخدمين أو المناطق الأغنى ، وسيكون الابتكار بطيء، ويحصل فقط لاجل فائدة أصحاب الشبكة، وجميع اللاعبين لديهم صلات سياسية وثيقة لتحقيق منافعهم المشتركة.

المشهد الثالث : سيناريو شبكات البوتيك : حيث يتوقع مستقبلا تفشل فيه توجهات المشاريع الكبيرة و الإقليمية في تحقيق أقصى قدر من الإمكانيات الاجتماعية والاقتصادية للمجموعة العالمية المشتركة من الشبكات المتصلة (الإنترنت)، كما يتوقع ان يعطى وزن أكبر للمصالح الذاتية التي تطلبها الشبكات المنفصلة التي تسعى إلى تحسين التحكم في القطاعات الصغيرة (سياسية وغير ذلك)، ويتوقع أن تستمر هذه الشبكات المنفصلة في الاستفادة من فوائد المعايير الموجودة للإنترنت والتكنولوجيا، وستسعى كل المزودات ذات الملكية الخاصة الى ان تسحب أقصى حد ممكن من الحوض المشترك دون ان تقدم بالمقابل إلا اليسير.

المشهد الرابع : سيناريو الحدائق النافذة : ويفترض في هذا السيناريو بقاء الشبكات العالمية ، ولكن الوصول إلى المحتوى و الخدمات يستلزم استخدام شبكات المعلومات الخاصة والأجهزة المرتبطة بها ، وتتغلب أولوية تحقيق مصالح الأعمال الخاصة على الإمكانات الاقتصادية للحوض المشترك الذي تشكله شبكة الإنترنت ، بينما تضل الحوافز المالية لمنتجي المحتوى ومطوري البرمجيات وللابتكار المستمر في نماذج معدة لأجهزة معينة ، وستتم السيطرة على المحتوى، والاسعارمن خلال عدد قليل من المنظمات التجارية الكبيرة نسبيا ، وسوف تتكاثر الملكية الخاصة، والتكنولوجيات المغلقة وسترغم العروض الحصرية، المقدمة من منتجي المحتوى و شبكات الاتصالات المستهلكين على شراء أجهزة متعددة واشتراكات مرتبطة بهذه الأجهزة للاستفادة من مجموعة كاملة من الابتكارات على الشبكة.

المشهد الخامس : وهو ما لم تتناوله الجمعية ويتعلق بالمحتوى ونوعه وتطوره في إتجاه الحرية المطلقة للأفراد المستخدمين بما يدعم تجارة الإنترنت شركات أو شبكات أو برمجيات وتطبيقات ومعلنين بغض النظر عما ستحدثه الحرية من آثار سلبية على مستوى الدول والمجتمعات والأفراد ، وسيفتح باب حرية الإنترنت واستخداماته الأبواب أما صراعات من نوع جديد في الأفكار والرؤى والطموحات ، وأرى مستقبل الدول الوهمية الإفتراضية كما أرى التوسع في نشأة كل ماهو افتراضي سواء أكان في مجال التعليم والتدريب والإعلام والثقافة والألعاب والتسلية ، وأرى جيل المستقبل منفصم الشخصية خالع الثقافة والمعتقدات والقيم ، وعلينا أن نتحسب لوقوع مثل هذا المشهد المرعب ، ولعل الدول وسياساتها التعليمية والتربوية تنشط في اتجاه الحصانة من وقوع مثل هذا الاحتمال والمشهد ، والله الموفق والمستعان .

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصادر التربية توافق واختلاف

تتعدد مصادر التربية المعاصرة وتتنوع في الأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام والتواصل والتقنيات ...