الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (15) مدّاحون وهجّاؤن والمعايير مختلفة

سلسلة خميسيات حالمة (15) مدّاحون وهجّاؤن والمعايير مختلفة

مدّاحون وهجّاءون والمعايير مختلفة !!

لكل إنسان منا مدّاحون لا يصفون فيه إلا كل جميل حسن ، وأولئك إما صادقون لا يرون إلا الصفات التي تعجبهم وتأسرهم وتدفعهم إلى المديح والذكر الحسن ، وإما أفاقون لا يرون جميلا بل يصفون ما ليس في المرء من الصفات الحسنة لأغراض يرومونها ، وفي كلا الحالتين هم المداحون الذين لا يضعون في ميزان الشخصية سوى ما يعتقدون بأنه حسنًا يمتدح به .
وفي المقابل هناك الهجّاءون الذين لا يصفون في المرء سوى القبيح ، وأولئك إما صادقون فلا يرون في المهجوّ سوى ما يصفون ، وإما أفّاقون دفعهم إلى هجائهم الحقد والبغض والحسد ، وفي جميع الحالات فإن الهجّائين لهم أهداف تنطلق من مصالح شخصية وتزين لهم السوء والبهتان .
والعدل في التقييم لا ينزع إلى أي من الحالتين السابقتين ، بل يفضي إلى الحكم الصائب بتجرد ، وهو ما يعتمد المعايير العلمية في وصف السلوكات المشاهدة أو الأداءات الملاحظة ، وإذا ما طبق بأمانة أعطى لكل أمريء حقه من الوصف إما حسنًا وإما غير ذلك .
والطامّة الكبرى عندما لا يعدل المقيِّم في تقييمه فتأتي نتائج التقييم متناقضة مع الواقع إما في الاتجاه الحسن ، وبذلك تميل إلى منهج المدّاحين ، وإما في الاتجاه السيئ وبذلك تميل إلى منهج الهجّاءين ، وعلى ذلك فإن شرط عدل التقييم يكمن في عدل المقيِّم .
وهنا أسأل كل من وقف في الموقفين ، موقف المقيِّم لغيره ، وموقف المقيَّم من غيره ، هل وجدت نفسك في إحدى الطائفتين ؟ وأعني بها طائفة المدّاحين أو طائفة الهجّاءين للمقيِّم لغيره ، أو طائفة الممدوحين أو طائفة المهجوّين للمقيَّم من غيره ، وما هو شعورك في كل المواقف والحالات ؟
إن الذين يشعرون بالزهو للمديح هم من يشعرون بالحزن من الهجاء ، لكننا نعلم يقينًا بأن من مدحنا بما ليس فينا فإنه منافق ، ومن هجانا بما ليس فينا فإنه حاقد ، فهل نرضى أن نكون من المنافقين أو الحاقدين ، أو نرضى بأن نُمدَح بما لم نفعل، أو أن نُذكَر بالسوء في مجلس ؟ إن لمشاعرنا ومشاعر الآخرين علينا حق العدل في التقييم فإن لم نعدل صرنا إلى هؤلاء أو إلى أولئك رضينا أم أبينا أو تذبذبنا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وكل مرفوض بالحكم المتجرد النابع من رفضنا للنفاق والحسد والحقد كرفضنا للمدّاحين المتزلفة الكذَبة والهجّاءين الكارهين الحقَدة .
ولقد ذم الله سبحانه وتعالى فئة المنافقين ، كما ذم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وذم الله القاسطين ، والمطففين ، وأمر بالعدل والحق والإنصاف ، لتتوازن معايير الحياة والحكم والتعامل ، وتستقيم علاقات الإنسان بأخيه الإنسان .
فليكن لنا موقف الرفض لكل ما يخل بميزان التعامل الإنساني العادل ، فلا نقبل المدح الكاذب ، ولا نقبل الذم الظالم ، ولا نقبل أن نكون من المتملقين ولا من المتزلفين ولا من الحاقدين ولا من الضالين وحسبنا الاقتداء بسيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم الموصوف من خالقه العظيم في قوله تعالى ” وإنك لعلى خلق عظيم ” ولن يتأتى لنا الاقتداء بالخلق العظيم إلا بالنأي عن المظالم وابتغاء العدل . والله الموفق،،،،،