الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (21) القرار الصعب في اللحظات الأصعب

سلسلة خميسيات حالمة (21) القرار الصعب في اللحظات الأصعب

21) القرار الصعب في اللحظات الأصعب !!

تمر بالإنسان مراحل متنوعة المواقف يحتاج في بعضها إلى اتخاذ القرار لحل مشكلة ما تعترضه ، أو للممارسة سلوك تتبعه غايته ، أو لوضع نهاية مقبولة لحيرته وتردده، وقد يتبع اتخاذ القرار بحسب نوعه إحساس بالنجاح وبلوغ الهدف أو فشل وندم تتباين مقاييسه بقدر الإلمام بالبدائل الأفضل عنه ، وقد أبدع المفكرون الأواخر في ابتكار استراتيجيات علمية لاتخاذ القرارات الصعبة لحل المشكلات المستعصية ،

وقد يقف كل منا في محطة الاختبار الحقيقية لقياس قدرته ومهارته على اتخاذ القرار الصعب في اللحظات الأصعب ، وربما بعضنا برغم نجاحه في الاختبار قد لا يعرف الخطوات التي اتبعها عقله ليجتاز محطة الاختبار بنجاح ، أو تلك الخطوات التي قادته إلى الفشل ، إننا في حاجة ملحة للتدريب على مهارات اتخاذ القرار لحل المشكلات ، يقول الأستاذ عدنان الفسفوس : “أن الإنسان ملزم بالاجتهاد من الناحية الشرعية لاتخاذ القرار ولو ترتب على ذلك بعض الأخطاء، فعدم اتخاذ القرار هو أسوأ الأخطاء كلها. فالمرء مكلف بالاجتهاد للتوصل إلى القرار السليم، ولن يحرم الأجر بإذن الله مجتهد سليم النية هدفه الصواب ولو أخطأ في اختيار البديل الأصوب ” .
وعملية اتخاذ القرار عملية بنائية تنطلق من الإحساس بالمشكلة ثم بتحديد الأهداف وجمع المعلومات وتحليلها ومعالجتها بطريقة علمية ثم تحديد بدائل الحلول الممكنة وتقويمها بتحديد ما يتوقع أن يترتب على كل منها من نتائج ، ثم تأتي عملية القرار لاختيار البديل الأنسب بين مجموعة البدائل المدروسة ثم تأتي أخيرًا عملية تقويم القرار والإحساس بنتيجة القرار . وقد تتم كل هذه العمليات في الجزء من الثانية وسبحان الله العظيم خالق الإنسان ومفضله على كثير من خلقه ، يقول تعالى في سورة الذاريات موضحًا آيته العظمى في تكوين الإنسان (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الآية 21 .
ويحدد العلماء مجموعة من الأخطاء الشائعة في اتخاذ القرارات من أهمها الآتي :
1. عدم إدراك المشكلة لعدم وجود إطار عن الأوضاع المثلى .
2. التشخيص السيئ للمشكلة لعدم معرفة الوضع الأمثل .
3. الفشل في توليد بدائل جديدة والاكتفاء بقبول الحلول التقليدية المعروفة .
4. الفشل في تقييم البدائل تقييماً دقيقاً والفشل في تحديد معايير لاختيار البديل الأمثل .
5. تأثر صانع القرار بتركيبه السيكولوجي في صناعة القرار دون دراسة موضوعية لنتائج هذا القرار .
6. ضعف قدرة صانع القرار في الاعتراف بالضغوط الاجتماعية والأعراف والتقاليد وسوء التصرف في عمل أوضاع متوازنة بين ما يتطلبه القرار وما يفرضه المجتمع من ضغوط وأعراف وتقاليد .
7. عدم إشراك صانعي القرارات المسئولين والمرتبطين بالمشكلة بأولئك الذين سيتأثرون بالحلول المتوقعة للمشكلات .
8. الفشل في وضع خطة عمل لتنفيذ القرار أو في متابعة تنفيذ القرار ..
وفيما يلي مثال اختبار يستخدمه كثير من المدربين على مهارات التفكير الإبداعي أو التفكير الناقد أو مهارات حل المشكلات أو مهارات اتخاذ القرارات ، وذلك من أجل قياس الاستعداد أو من أجل التهيئة لموضوع التدريب أو لإثبات أهمية ما يدربون عليه ، المثال : لوكنت قائد قطار ، وأمامك طريقين للقطار أحدهما قديم أوقف استخدامه من سنوات وعليه طفل يلعب ، وطريقك المعتاد الذي يسلكه القطار كل يوم وعليه عشرون طفلا يلعبون ، وقطارك يحمل 100 راكب عدا البضائع متعددة القيم ، يجب أن تتخذ القرار في لحظة . أي الطريقين ستوجه القطار إليه ؟
لاحظ أنك اختيارك للحل سيخضع لعمليات اتخاذ القرار التي ذكرت آنفًا ، وقد لا تخضع لذلك . لكنك إما أن تضحي بطفل وتوجه مصير مئة راكب مع البضائع إلى المجهول ، وإما أن تضحي بعشرين طفلا لتضمن سلامة مئة راكب مع البضائع وسلامة الطفل الوحيد على الطريق الآخر ، وإما أن تجد حلا مثاليًا يضمن سلامة الجميع …. العبرة في مهارات تفكيرك ، وفي إعمالك للخطوات البنائية لاتخاذ القرار .
أذكر من هذا الباب مثالا كان يعرض علينا في الصغر لقياس مدى الحب للوالدين ، حيث كنا نسأل السؤال التالي : لو كنت مع أمك وأبيك وزوجتك وابنك وابنتك في قارب في عرض البحر ، جميعهم لا يعرف السباحة فيما عداك ، وأتت ريح فقلبت القارب وحطمته ولم يبقى منه سوى لوح لا يحمل سوى أثنين ، فمن ستنقذ من الغرق من بين أهلك الذين معك ؟
يلاحظ أن السؤال يتضمن اختبار حقيقي لاتخاذ القرار الصعب في اللحظة الأصعب ، رغم توجيهه في الأصل لمعرفة اتجاهك نحو الوالدين . أذكر أننا كنا نسأل عن أسباب الاختيار الذي نصل إليه ، فكنا نمتدح عندما نقول سأنقذ أبي وأمي وأضعهما على اللوح ، وأستمر في السباحة حافًا يهما محافظًا عليهما إلى الشاطئ ، وكنا نسأل لماذا ؟ ونمتدح إذا قلنا لأنه لا يوجد بديلا عنهما ، فالزوجة والأولاد يعوضهم الله ويبدلنا بهم غيرهم أما الوالدين فلا بديل لهما .
ويبدو من المثالين أن اتخاذ القرار لابد له من عمليات تفكير ولا بد له من مبررات ، ولهذا تنشط مراكز التدريب الحديثة في مجال التدريب على مهارات اتخاذ القرارات ومهارات التفكير والقدرات الخاصة على إطلاقها وقد برزت مجموعة من النظريات والاستراتيجيات في هذا الشأن واشتهرت شخصيات بابتكار طرق وأساليب عملية لتحقيقها . ولكن ما أحوجنا في التربية والتعليم إلى تعليم أولادنا عمليات التفكير العلمي والتفكير الناقد وعمليات اتخاذ القرارات الصائبة ، والتغلب على مشكلة عدم قدرة أولادنا على اختيار التخصصات في التعليم العالي المتوافقة مع قدراتهم واتجاهاتهم وطموحاتهم المستقبلية واتجاهات السياسة والاقتصاد في بلدانهم وكثيرًا ما يشير إليها القائمون على التعليم العالي كسبب من أسباب إخفاقات الطلاب في الدراسة الجامعية ، ويشير إليها علماء الاجتماع كسبب من أسباب البطالة الحقيقي والمقنعة ،،، وآمل أن نعي الدروس ، وأن نتخذ نحن التربويون القرار الصعب في اللحظة الأصعب للتغلب على هذه المشكلة وغيرها من المشكلات التي تعيق التنمية في بلادنا ،،،، والله الموفق ….

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال ...