الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (22)نفي الآخر يفضي إلى نفي الذات

سلسلة خميسيات حالمة (22)نفي الآخر يفضي إلى نفي الذات

نفي الآخر يفضي إلى نفي الذات !!
في مقالة للأخ الكاتب الأديب الدكتور عبد الله الغذامي ، نشرت في صحيفة الرياض يوم الخميس 24 ربيع الأول 1428هـ – 12أبريل 2007م – العدد 14171 بعنوان (القبيلة والمجتمع “الشعوبية” ) لفت انتباهي ما أكده الدكتور الغذامي بأن عملية نفي الآخر تنتهي أخيرا بنفي الذات …

ولعل ما دعا الأخ الغذامي إلى تقرير هذا الاستنتاج ما لمسه من سلوكيات معاصرة طغى عليها شعور الاستبعاد للفكر أو المنهج الآخر ، ويعبر عن ذلك في مضمون مقالته التي تدور حول نتائج رفض الآخر في المواجهات الثقافية والعلمية والجدلية وحتى السياسية عبر التاريخ ، والتي أفضت وتفضي غالبًا إلى انعكاس الرفض في الجهة المقابلة ، وما يترتب عليها من استعداء الآخر إلى درجة ردود الفعل من الآخر بما يؤدي حتمًا إلى إلحاق الأذى بالذات ، ويستشهد الأخ الغذامي بقول الله تعالى في سورة الأنعام (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108) ) وما أورده البخاري في صحيحه (حدثنا ‏ ‏أحمد بن يونس ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن سعد ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏حميد بن عبد الرحمن ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن عمرو ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏قال : قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏: ‏إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه) .
وأؤكد على ما أكد عليه كاتبنا الكريم وأديبنا البليغ بأن الطريق إلى نفي الذات وإقصائها يبدأ من نفي أو إقصاء الآخرين ممن يملكون ردات الفعل غير المتحفظة، وأن كثيرًا من تدبيرات المسيئين تصير إلى تدميرهم، والعقلاء من الناس هم من يتقون الأذى بكف أذاهم عن غيرهم من باب سد الذرائع ، فهم يعلمون أن لكل فعل ردة فعل ، ويدركون أن من الآخرين من لا يردعه عن ردة الفعل المشينة دين أو خلق أو مبدأ ، وأن السلامة من الشر تبدأ من اتقاءه بالعقل والحكمة ، وأن الآخرين آخرون لا يلزمهم أن يكونوا مثلنا إلا ما يلزمنا أن نكون مثلهم ، ولنحقق احترام ذواتنا لابد من احترام الآخرين وإن اختلفوا عنا في كل شيء .
تقول الدكتورة ليلى الأحيدب : إن إقصاء الآخر يصدر عن الاستبداد بالرأي والأحادية الفكرية, بينما يوحي تنوع الحياة وتعدد المؤثرات أن لكل منا تجاربه المختلفة ومشاربه المتغايرة, وهو الأمر الذي يوجب قبول وجهات النظر المخالفة, وقديما قيل: (أعقل الناس أعذرهم للناس). وتتساءل : لماذا لا ننظر إلى هذا الآخر المختلف عنا كاختلاف أعضاء جسدنا الواحد ليقوم كل منها بمهمة مختلفة عن العضو الآخر؟ قد نعتقد أن آراء هذا الآخر ضارة وسامة, لكن التنوع سنة الله في خلقه ، فحتى وجود الحشرات الضارة والفطور السامة ضروري لتوازن البيئة حيث تقوم بتفكيك التربة وتحليلها وبذلك تعمل على حرثها وتهويتها, ثم تموت هذه الحشرات والفطريات بإذن الله تعالى ليحيا غيرها , فإذا كنا نعتقد بصلاحية أفكارنا فلا خوف عليها من المخالف لأن خلافه يساعدنا على تطويرها فهي كالحشرات والفطريات للتربة الصالحة.
إن الاختلاف مع الآخر سنة الله في خلقه إلا أن الإصرار على رفض الآخر فكرًا واتجاهًا لأنه مختلف معنا فهو يعني في أبسط المفاهيم رفض التنوع الذي قدره الله تعالى على خلقه ، قال تعالى في سورة هود (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119).وهذا يتطلب منا أن نختلف لا أن نرفض الاختلاف وأن نتحاور لا أن نقصي الفكر أو التوجه الآخر ، والحقيقة أن ما آلت إليه أوضاع المسلمين اليوم يعود في غالبه إلى رفض الآخر وقد يكون لنا والدًا أو أخًا أو صاحبة أو ولد ، وما يدور تحت مظلة إرهاب الحكومات أساسه الرفض والإبعاد والإقصاء، يقول وليد شنيكات في تحقيق حول تطرف الحكومات بعنوان : للإرهاب شكل آخر ” لم تشهد العلاقة بين الشعوب العربية وحكوماتها قطيعة ونفورًا على نطاق واسع مثلما شهده العقد الأخير، وقد تسبب “التطرف السياسي للأنظمة” في خلق مناخ خصب ضرب جميع أشكال التواصل بينها وبين شعوبها، حتى بات احتكار السلطة ومصادرة الحقوق السياسية والتضييق على الحريات العامة وتكييف الديمقراطية وممارستها في صور وأشكال مفرغة من محتواها العنوان الأبرز لعلاقتها مع جميع مكونات الدولة وعلى رأسها الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني، وهو يعزي ذلك إلى أساس المشكلة المبحوثة سلفًا إلى التعبير عن عدم قبول الاختلاف بالطرد والرفض والإقصاء ، ويرى أن النتيجة التي آلت إليها هذه التوجهات صارت إلى تدمير الذات نفسها ، فأصبحت الحكومات هشة تشكلها عاديات السياسة الدولية .
إذا على العقلاء أن يعيدوا توازن عقول المشططيين والمتطرفين وعقول الدهماء من البسطاء من أفراد الأمة ليفهموا معنى الاختلاف وفائدته لنضوج العقل البشري وتوجيهه نحو الخير في الدنيا لخير الآخرة ، وتوضيح انعكاسات الشطط والتشدد وحتى التسيب في الفكر والاتجاه على الذات الإسلامية نفسها ، فنفي الآخرين هو نفي للذات أصلا ، ورفض فكر الآخر هو رفض لميزان الفكر ، ولا يمكن لأحد أن يقيم فكره منفردًا بعيدًا عن أفكار الآخرين فالمعيار الحقيقي للتقييم والمحك الخارجي للتقويم يكمن فيما لدى الآخرين ، فعلينا القبول من أجل القبول ،والتسليم بأن نفي الآخر يفضي إلى نفي الذات ،،، يقول المؤرخ البريطاني دافيد أندرس : “يَجِبُ ألا نفترض أننا مستقيمون، وأعداؤنا أشرار”. وأنصح القراء بقراءة كتاب ” ثقافة قبول الآخر ” لمؤلفه ممدوح الشيخ ، والله الموفق .