الرئيسية / مقالات / سلسلة خميسيات حالمة (8) فلنبحث عن المفاتيح !!

سلسلة خميسيات حالمة (8) فلنبحث عن المفاتيح !!

فلنبحث عن المفاتيح !!

يعتقد الباحثون أن الإحساس بالمشكلة هو مفتاح البحث ، ويعتقد المخترعون والموهوبون والصناعيون أن الحاجة هي أم الاختراع ، ويعتقد العلماء أن السؤال هو مفتاح العلم ، وأعتقد أن هذه المفاتيح لا توجد لدى الكثيرين من الناس ، وهذه المشكلة التي أعتقد أنها السبب الرئيس وراء ترتيبنا المتأخر في النهضة العالمية المعاصرة .

فإحساسنا بمشكلاتنا ضعيف للغاية لأسباب قد تعود إلى ترتيب سلالم أولوياتنا ، أو إلى صرف اهتماماتنا إلى نوع القضايا المنتهية الصلاحية وترك القضايا الملحة حاضرًا ومستقبلا ، أو ترك فرضيات القضايا المستقبلة ،أو استسلامنا أمام مسلمة المؤامرة ، حتى وإن اعتقدنا بأن المتآمرين هم إخواننا أو أصدقاؤنا أو أهلونا أو أعداؤنا في الكثير من الحالات ،وتظل المشكلات في إحساسنا هي مشكلات غيرنا وليست مشكلاتنا ، وهنا نفقد إحدى المفاتيح . 

ونعتقد أننا لسنا في حاجة إلى تصنيع الأشياء ما مادمنا متأكدين أننا سنشتريها من السوق بعد اكتمال تصنيعها من قبل الآخرين ، ونوقف التفكير في فرضيات حاجاتنا لو أننا كنا في موقع الآخر لتنطلق إحساساتنا بالحاجة ولو بالفرضيات ، ولا نستكشف مميزات حاضرنا ولا مستقبلنا لنتحسس الحاجات التي ستنشأ مع هذه المميزات والخصائص ، ونغرق التفكير في أمسنا ونقتنع بتلبية الحد الأدنى من احتياجاتنا الآنية ، وتقف عقولنا في حيرة أمام تواتر إغراق أسواقنا بالمبتكرات الذكية والتافهة ، ونسأل أنفسنا كثيرا عن أسباب تقدم الآخرين ولا نسأل أنفسنا عن أسباب تأخرنا عن الركب . وهنا نفقد المفتاح الآخر .

ونعتقد بأن السؤال عن الأشياء في بعض المواقف قلة حياء ، أو خروج عن قواعد التربية الصحيحة ، نسهب في نهر أطفالنا عند أسئلتهم عن الأشياء ، ولا نقبل أن يبادر أبناؤنا بالأسئلة ، ونظن أنهم فقط في موقع المساءلين ، نتلقى العلم بالصدفة عند سماع معلومات تتضمن الإجابة عن بعض تساؤلاتنا وإن لم نطرحها في الأصل ، ونستهجن سلوك الطلاب الباحثين عن إجابات لأسئلتهم في المواقف التربوية والتعليمية ونصنفهم من المشاغبين ، والفرد الذي يسأل عن الطريق في ظننا أنه تائه غبي وجاهل ، ونستحي من الجهل بالعلم وندعي العلم لكي لا نوصف بالجهلاء وتقف أسئلتنا حيرى على الألسن نخجل من إطلاقها ، ونوبخ السائل على جهله قبل أن نقدم على إجابته ، ونعتبر الفصل الدراسي والمدرسة الأكثر هدوءا من علامات نجاح النظام التربوي والتعليمي في تلك المواقع ، ونتباهى بالسيطرة على الموقف بإسكات الألسن السائلة حتى في اللقاءات ( لا تقاطع ) والمجالس ( لا تقطع الحديث ) وعلى مائدة الطعام في المنازل (كل واسكت ) ، وندير أحاديثنا واتصالاتنا اللغوية بدكتاتورية متناهية وفوقية متعنتة ، ونصنف المعلومات المسئول عنها بين معلومات محرمة ، ومعلومات خارج حدود الاختصاص ، ومعلومات لا تهم ، ومعلومات سرية ، ومعلومات غيبية ، ومعلومات إن بدت ساءت ، ومعلومات أكبر وأصغر من السائل ، ومعلومات كافرة ، ومعلومات لا تقدم ولا تؤخر ، ومعلومات الجهل بها أسلم ، ونستمر في تضييق مساحة الحرية في طلب المعلومات حتى لا يصبح لدى السائل سؤالا يسأل عن إجابته . وهنا نفقد مفتاحًا آخر .

ولعلنا عند اعترافنا بفقدان مفاتيح العلم والبحث والابتكار لا نلوم ما نحن عليه من ترتيب بين أمم العالم ودوله ، وأظن أن المشكلة التي تتطلب إحساسنا بها أولا هي مشكلة عدم الإحساس بالمشكلة ، والبحث في علم ما قبل المشكلة ، وضرورة أن تكون المفاتيح بأيدنا لا بأيدي الآخرين ، ولابد لنا من تصحيح الإحساس لدينا بما يدور في أنفسنا وحولنا من إشكاليات ، والاعتراف يسبقه الإحساس وهو مدخل البحث أو المفتاح المفقود .

والحل ببساطة يكمن في أهمية البحث عن المفاتيح ، وعندما نجدها فلا نخفيها لكي لا تضيع بل لا بد من استخدامها لفتح الأبواب المغلقة ، ولنبدأ أولا بأنفسنا فننفض عنها غبار الخجل من الجهل ، ولنطلق لألسنتنا عنان السؤال ، ولنعتبر أن كل المعلومات مباحة ومتاحة ولنا الحق في معرفتها بعيدًا عن تصنيفاتها الفنية والدينية ، ولا نقيد سلوك الآخرين بمعتقداتنا ولنترك كل يسأل عن حاجته ، ولا نضيق الخناق على السائلين فإن لم نعرف الإجابة فلنطلب منهم البحث عنها عند الآخرين أو من وسائل معلوماتية أخرى ونفعنا بها عند الحصول عليها ، ولا ننهر أولادنا ولا طلابنا عند السؤال ، ولنخرج من الإحساس بالعلم إلى الإحساس بطلب العلم ، ولا ننسى أن ننسخ من مفاتيحنا نسخًا أخرى لنستخدمها عندما تضيع النسخ المستخدمة، ولنغير بعضًا من ثقافتنا وعاداتنا الحاجبة للعلم ، ولنعتبر أن الموقف التربوي والتعليمي الفاعل هو الذي تزيد فيه كمية الأسئلة من المستفيدين لا من المعنيين بإدارة الموقف ، والمدرسة التي تضج بصوت السائلين هي المدرسة المثالية والبيت الذي يتبادل أفراده أطراف الحديث والسؤال هو البيت المعلم ، وأن المجالس واللقاءات التي تبرز فيها الآراء المتباينة وتتاح فيها المناقشة هي التي تخرج بالنتائج المأمولة وهي المطلوبة لبلوغ الآمال.

اسمح لي بأن استخدام مفاتيحي ، فأنا أريد أن أكون مفتاحًا للخير . والله الموفق ….