الرئيسية / مقالات / عندما تقصى النخب !!

عندما تقصى النخب !!

تمثل النخب في المجتمعات عبر امتداد التاريخ مجموعة العلماء والمثقفين في المجالات المتنوعة، كما تمثل مجموعة الحكام والسياسيين والعسكريين من أهل الحل والعقد ، كما تمثل الأغنياء المتصرفين في توجيه الاقتصاد العام وإثرائه لتمويل نشاطات المجتمعات ودعمها ، وهم في مجملهم يتبادلون السيادة والتصرف في الأمور العامة بحسب نشاط الأمم والمجتمعات ، وقد تنشأ بين النخب باختلافها شراكة التصرف في الأمور من خلال السلطة الحاكمة أو السلطة المؤثرة في فكر الأمة واتجاهاتها ومثلها وتقاليدها ، ولسيطرة النخب فلسفات متنوعة بتنوع انتماءاتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، إلا أن الثابت في العصور السالفة هو سيطرة النخب على العوام .


وفي العصر الحاضر برزت مجموعة من المؤثرات في تكوين فكر الأمم واتجاهاتها وسياساتها بزغت من بين جمهور العامة واستخدمت فيه أساليب الخطابات الموجهة ، والجذب والإغراء الدعائي من خلال وسائل الاتصال والإعلام المتنوعة ، وأبرزها مجال البث المفتوح عبر الفضاء والأقمار الاصطناعية ، ومن خلال نوافذ الإنترنت وبواباته ، فأصبحت النخب في ظل تزاحم المؤثرين في عزلة عن التأثير العام قياسًا بتأثيرات العامة بالمناهج والأساليب العشوائية والمنتقاة ، فاختلط الحابل بالنابل في وسائل الاتصال والإعلام كما اختلط الغث بالثمين في الفكر والتوجيه ، ووجد المقصون نتيجة تحكم النخب مساحتهم الرحبة لرد الاعتبار ، وقلب ميزان الغلبة ودوران العجلة في اتجاه السيطرة على الوضع وإقصاء النخب عن التأثير ، ونتيجة ذلك جاءت مخرجات الفكر والثقافة مغايرة للسائد في مجالات العلم والسياسة والاقتصاد ، وتحكم المتطفلون على قنوات التأثير وأمسكوا بإحكام بزمام الأمور ففرضوا بتحكمهم قوانين جديدة ومعايير مغايرة وكفايات مختلفة للسلطة وتوجيه الفكر وممارسة الحياة بمقوماتها العقائدية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وغلب الرخيص من القيم والأفكار على النبيل السامي منها ، وعجز جيل النخب عن مجاراة الخصوم في التأقلم مع المستجدات وفي استخدام وسائل الاتصال والإعلام المتطورة ، وانعكست الصورة في اتجاه احتلال العامة مكانة النخبة في التأثير ، والناتج فيما يرصده المتابعون والمحللون يدل على انفراط السبحة ، وعودة الفوضى للتأثير على مجريات الأمور في الأمة .
وفي زخم هذا الصراع بين النخب والعامة يحاول المعتدلون بين الفئتين مقاربة الحلول للاستفادة من إيجابيات التأثير لكلا الفريقين ، وينشط متخصصو التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع من النخب والصاعدون سلالمهم في التقليل من الآثار السلبية لمخرجات الصراع من خلال التوجيه متنوع الأساليب باستخدام أدوات الصراع وأساليبه ، ومنهم من حقق بعضًا من النجاحات والقبول في الإقناع بتغيير المنهج أو تغيير اتجاهات التفكير أو بتغيير معايير القبول والرفض لما يصدر من كل فئة .
وتظل ساحات الإعلام العام والإليكتروني المكان الخصب الذي فيه تلوح النخب الجديدة من العامة بسيطرتهم على مجريات الأمور وإقصاء النخب المعيارية عن التأثير الجماهيري ، وقوتهم تنشأ من عدم توفر المعايير العلمية لدى المتلقين من العامة للقبول أو الرفض ، وحرفتهم تتمثل في امتلاك مهارات الجذب والإغراء ، وأدواتهم مشاعة ومفتوحة الاستخدام للخبير وغيره في مجال صناعة الخطاب وإعداد الرسالة وتنميق الصورة من أجل بلوغ التأثير الموجه .
ولأنني أتوقع من استقراء الوضع المتأزم حاليًا ما ستؤول إليه الأمور في المستقبل القريب من اختلال في مقومات البناء الفكري والعقدي وما يترتب عليهما من اضطرابات في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد فإنني أدعو النخب إلى استيعاب التحدي ، والبدء ببناء إستراتيجية علمية تضمن توفير الأمن الفكري والعقدي وتعزيزهما وحسر تأثير الانفتاح ، وزيادة النشاط في مجال بناء المعايير العقلية للتصنيف والقبول والرفض والتوعية بها على مستوى العامة باستخدام القنوات والنوافذ التي يسيطر عليها الانفتاحيون ومن ركب مركبتهم ، وأن يتم تكثيف التدريب لنقل العامة إلى مراتب النخب ، وضمهم إلى صف المقاومة لكل أنواع الانحرافات الفكرية والعقائدية وانحرافات المناهج والأساليب الخطابية والإعلامية والفنية ، وذلك من وجهة نظري المتواضعة هو الطريق الأسلم لمقاومة العبث السائد الذي ساد فيه الغث وانحسر فيه تأثير النخب ،، والله الموفق والمستعان ،،،،

2 تعليقان

  1. محمد حامد الجحدلي

    هي الحقيقة التي سطعت شمسها بدفء الربيع ورائحة الأرض وجذور الأصالة والتاربخ لإنطلاقة أمثالك يادكتور سعود ممن سطرت أقلامهم أروع المقالات في حب الوطن وإثراء الفكر ولتكن الفرصة مواتية الآن لأولئك الذين ولدوا في رحم الإغراء والأساليب الدعائية الهابطة التي لاتتجاوز مساحة نتاجهم وفق أي معيار هش … تحت ظل اقدامهم ولك الكرامة حينما يغيب النقد الهادف ويختلط الحابل بالنابل كما ذكرت .. لتكون لغة الصمت ثقافة ذوي الحكمة والاعتدال .. في انتظار صحوة الرأي العام ليقول كلمته أمام هذا الهياج والتصنع والفوضى العارمة ممن هبت لهم رياح الخماسين وزفتهم شعارات الزيف والنفاق.

  2. دكتور المجتمع والتربيه والسلوك ؛؛ دكتور سعود الزهراني ،، اوجه لك اطيب تحيه واجل تقدير ،،لقد وجدت هنا خطاب توجيهي تربوي ؛ يُستنبط محتواه من ترجمته. (عندما تقصى النخب) ،دكتور سعود. الناس في هذه المجتمعات المعاصره انخرطوافي استراتيجية المعرفه بناء العولمه.
    حتى وصل بهم الحال تدرجيا حسب خطط التقنيات وسلوكياتهاالى اغتيال القيم. تحت مسمى الحضارات الفكريه. ومن ثم انقسمت الى طوائف عقديه. دكتورنا إن السيطره على بناء الفكر بناءً سليما. تحتاج الى أمم من الموجهين. والعاملين عليها في واجب جهاد مستمر. بين كل الجهات من هذه النخب. ولكن. انى يكن لنا انتفاضه!!!? فلنسأل العلي القدير ان يبارك في هذه المقالات وان يبث من خلالها حمى المؤثرات الاصلاحيه التي تجعل من الفكر مايكشف الغيبوبه بين تقصي النخب ومن يتغذى عليها ،،تقديدر لك بلاحدوود