الرئيسية / مقالات / عندما يختلف المربون في تربية الأولاد

عندما يختلف المربون في تربية الأولاد

من الثابت أن تربية الأولاد تبدأ من داخل الأسرة وغالبًا ما يكون الوالدان في أغلب الأسر هما الطرفان الأكثر تأثيرًا في التربية وإكساب الناشئة السلوكيات والقيم والاتجاهات والمهارات الحياتية المأمولة ، وذلك قبل أن تتوسع الأسر المعاصرة في الاستعانة بالمربيات والخدم للقيام ببعض واجباتهم في تربية الأولاد نتيجة انشغال الوالدين بالأعمال والوظائف ،

ومن النادر توافق الوالدان تمامًا في أساليب التربية لأولادهم لكن من الثابت والمسلم به أنه كلما زادت مساحة اختلاف الوالدين في طريقة التربية كلما زادت الآثار السلبية على مخرجات تربيتهم لأولادهم، وحتمًا تحدث الآثار السلبية لمخرجات التربية الأسرية حتى إذا توافق الوالدان في أساليب التربية وطرقها وواجه اتفاقهما اختلاف لدى مؤثرين آخرين في تربية الأولاد داخل الأسرة مثل الأقارب والمربيات والخدم، فماذا يحدث في مخرجات التربية عندما يختلف المربون؟

إن تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين، فقد ولاهما الله سبحانه وتعالى حفظ هذه الأمانة، فكل بحسب موقعه وقدرته ، ولا ينبغي حصر هذه المسؤولية العظيمة في واحد منهما دون الآخر، وفي الحديث النبوي الذي روياه البخاري ومسلم “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ” وهو ما يؤكد على أن الوالدين ومن يقوم مقامها مؤثرون فعلاً في تربية الأولاد ، وفي الحديث الذي رواه البخاري ” عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا”، يدل على ضرورة مشاركة التربية والرعاية بين الوالدين وبينهما وكل من يشاركهما أو أحدهما التربية ممن ذكرناهم سلفًا من الأقارب والعاملين والخدم، فإذا توافقت أهدافهم ومقاصدهم وتقاربت أساليبهم وطرقهم كان ذلك أمرًا محمودًا ومتى ما اختلفت المقاصد والأهداف والطرائق كلما أثر ذلك سلبيًا على نوع التربية ومخرجاتها .

ولن نبالغ التقرير إن قلنا بأن كل سلوك منحرف لدى كل فرد وراءه تربية سيئة أو مختلف عليها بين القائمين عليها والمؤثرين في حدوثها ولن يتمكن الأفراد القائمين على التربية من الاتفاق التام لاختلاف مدخلات تربيتهم كذلك ولكن يمكنهم الاتفاق على التقارب في الأهداف والمقاصد وهو ما سيقود بإذن الله تعالى إلى نتائج إيجابية وأقل في إحداث آثار سلبية.

فالتربية يمارسها الوالدان ومن يشاركهما في تربية الأولاد باستخدام أساليب التربية المتنوعة ومنها التوجيه المباشر وغير المباشر والقدوة والثواب والعقاب وغيرها من أساليب التربية وتنعكس حتمًا خصائص المربين ومستويات ثقافتهم على أساليبهم التربوية وسيواجه الأولاد نتيجة ذلك العديد من الأساليب والتوجيهات المتوافقة حينًا والمختلفة والمتباينة أحيانًا كثيرة وسوف تؤثر في تكوين شخصياتهم وخصائصهم كما سيزيد التأثير عند مشاركة مؤسسات التربية النظامية والمجتمع والتفاعل مع الحياة حيث سيظهر التباين والاختلاف في الأساليب بشكل أكبر ولهذا فإن قاعدة التربية الأسرية تعد من أهم مراحل التربية للأفراد لإكسابهم الخصائص الموجهة لما يتلوها من مكتسبات لتكوين الشخصية وهنا ينادي التربويون بأهمية زيادة التوافق والتقليل قدر الإمكان من الاختلاف والتنافر والتضاد في مقاصد وأساليب التربية لدى الشركاء في تربية الأولاد .

لقد تناولت العديد من الدراسات التربوية والنفسية الآثار السلبية على الأطفال نتيجة سوء علاقة الوالدين واختلافهما في التربية أو انفصالهما بالطلاق أو استئثار أحدهما بالتربية وإقصاء الآخر ومن تلك الآثار ما يتعلق بالصحة العقلية ومنها ما يتعلق بالصحة النفسية ومنها ما يتعلق بالصحة الجسمية حيث يمكن أن تظهر على الرضع والأطفال واليافعين اعراض مثل تأخر نمو الدماغ واضطراب النوم والقلق والكآبة واضطراب في السلوك وغيرها من المشكلات الخطيرة نتيجة العيش مع نزاع شديد أو نزاع متواصل بين الأبوين، كما أن نمو الطفل العاطفي والسلوكي والاجتماعي يمكن ان يتعرض للخطر إذا قاطع الوالدان احدهما الآخر أو ابديا مستوى متدنياً من الدفء العاطفي تجاه احدهما الآخر، وقد أظهرت نتائج دراسات تربوية متعددة بان العلاقات المنزلية المتردية يمكن ان تنتقل من جيل إلى آخر، ولهذا فلا بد من وضوح هذه المترتبات للعلاقات الأسرية على نوع التربية الصادرة عنها والمؤثرة حتمًا في خصائص الأولاد إذا أردنا حياة ايجابية وسعيدة لجيل اليوم من الأطفال والجيل القادم من الآباء والعائلات.

يوضح عالما النفس سيث “مايرز” و”بريستون ني” كيف يمكن لأفعال الوالدين أن تدمر حياة أطفالهم من خلال اعتماد أساليب تربوية غير سوية مثل التسلط وزرع الخوف المستمر لدى الأطفال واستخدام أساليب العقاب بالضرب والحجر والاقصاء عند ارتكابهم بعض الأخطاء من وجهة نظر الوالدين ، والمشاجرات الأسرية المستمرة واستماع الأطفال لأحداث خلافات الوالدين والتحدث عن المشكلات ومن خلال السخرية من أفعال الأطفال وإبراز عيوبهم للآخرين والضغط عليهم باستمرار ليصبحوا نسخة من والديهم ومطالبتهم بالنجاح المتواصل وتقريعهم على الفشل وعقابهم عليه وإكثار منعهم من ممارسة سلوكيات محددة ومنها ما يمارسها الوالدان أحيانًا وتقليص درجات الحرية وإظهار الخلافات البينية بين الوالدين على أساليب تربية الأطفال ، كل ذلك سيؤدي إلى آثار مدمرة في تكوين شخصيات الأطفال وتفاعلهم مع المجتمع والحياة .

ولذلك فإن على الوالدين الذين يرغبان في انعكاسات إيجابية لتربيتهم على سلوكيات أولادهم أن يحرصوا على الاتفاق قدر الإمكان في الأهداف والمقاصد ونوجيه بعضهم البعض إلى أفضل الأساليب المتوافقة في التربية وتوجيه شركائهم من المربين والمربيات والعمال والخدم وبقية أفراد الأسرة إلى أهمية توافق أساليبهم التربوية مع أساليب الوالدين بما يحقق النمو الطبيعي لأولادهم الخالي من الأمراض العقلية والنفسية والانفعالية ، ويمكن للوالدين وشركائهم تلقي دورات متخصصة في كيفية التوافق أو يمكنهم تثقيف ذواتهم ذاتيًا من خلال وسائط التعلم المتعددة ، والله الموفق.

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العلم والإيمان في التصور التربوي

لقد بذل الفلاسفة وعلماء التربية وعلماء العقائد المتنوعة جهودًا مضنية للتعريف بالعلم ...