الرئيسية / مقالات / فقه الاختلاف لبلوغ الائتلاف

فقه الاختلاف لبلوغ الائتلاف

 

يعمل أكثر من نصف مليون موظف وموظفة في مجال التربية والتعليم العام بين قيادات تربوية ومشرفين ومعلمين ومعلمات ومرشدين ورواد أنشطة ومحضري مختبرات ومشرفي مصادر التعلم وموظفين إداريين يتنوعون في اتجاهاتهم وأفكارهم بتنوع مؤسسات إعدادهم وتنوع انتماءاتهم الفكرية والمذهبية وتنوع قناعاتهم بالحقوق والواجبات ، ومن البديهي أن تجد بينهم التوافق والاختلاف ولعل معضلة التربية والتعليم الحقيقية في توجيه هذه الجموع الغفيرة من القائمين على التربية والتعليم إلى الاتجاهات التي تهدف إليها الدولة وسياسة التربية والتعليم فيها في الوقت الذي تتسع فيه مساحات الاختلاف داخل المجتمع بأكمله نتيجة لتنوع المشارب والمؤثرات ورفض الفكر الآخر عند الغالبية منهم وعدم قبول الاختلاف .

وقد أردت أن يكون موضوع مقالتي هذه حول تطور الفكر الإنساني المعاصر ودوره في تطوير النظرية التربوية ، لكنني مع إبحاري في محيط المصطلحات الفكرية المعاصرة وجدت فكري بين كم كبير من المصطلحات المتضادة ، والتي برزت كنتاج طبيعي لتنوع مشارب التفكير البشري ومصباته ، وعند مقارنة فكر إنساني معاصر بفكر آخر أفضيت إلى نتيجة تؤكد أن البشر إنما خلقهم الله ليكونوا مختلفين وهم على هذا النهج لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى وسيفصل بينهم فيها يوم القيامة ، وإلى أن يتم الفصل بين المختلفين تبقى ساحة الفكر ساحة صراع وميدان حرب ضروس بين العقول البشرية مع اختلاف بناءاتها وتوجهاتها وأهدافها ، لكنني أستنكر إطلاق الصواب كله على منهج دون آخر دون حكم شرعي يقوم على نصوص قطعية الدلالة ، وأستهجن المعاداة للفكر المختلف دون أن يكون لذلك مبرر شرعي يقوم على الحجة والبرهان .

إن الفكر الإنساني المعاصر في عالمنا الإسلامي يتوزع اليوم بين مجموعة فئات منها ما اهتم بالأصالة والتراث ونصوص العقائد وبنا صروح الفكر على لبناتها وقد وسموهم المنافسون لهم أو وسموا أنفسهم بمجموعة من التسميات من بينها : الأصوليون ، التراثيون ، الماضيون ، السلفيون ، التقليديون ، المنغلقون ، المتعصبون ، الجهاديون ، المتشددون ، التكفيريون ، المغالون ، الوهابيون ، الأخوانيون ، المطاوعة ، وغيرها …. ويلاحظ من هذه الأوسام مدى ارتباط الفكر لدى هذه الفئة بالعقيدة ونصوصها ، والرغبة الملحة في التمسك بالموروثات وإعمالها كأساس فكري قابل للتجديد في حدود معايير النصوص والحفاظ على الأصالة والتراث. بينما تجيء الفئة الأخرى بفكر ينادي بالتحرر من كل ما هو تراث وتطلب التجديد والتطوير في الفكر دون معايير محددة لطبيعة الإنطلاق والتوليد الفكري ، وهم من وسمهم المنافسون لهم أو وسموا أنفسهم بمجموعة من التسميات من بينها : التنويريون ، الحداثيون ، الليبراليون ، العلمانيون ، المنفتحون ، المتحررون ، الإباحيون ، التقدميون ، المستشرفون ، الديمواقراطيون ، الشيوعيون ، الجمهوريون ، البعثيون ، القوميون ، وغيرها … ويلاحظ من هذه الأوسام مدى إنفلاتها عن الماضي وتمسكها بالتحرر لبناء فكر حر ومنطلق غير مقيد بنصوص شرعية أو عادات وتراث بعينه ، ولاشتداد الحرب بين هذه الفئات المتضادة نشأة فئة تحمل فكرًا متوسطًا ينزع إلى الأصالة والتراث حينا وإلى التحرر حينا آخر ، ويؤيد الفكر المتوازن لما يفضي إلى السلام والمسالمة ، وهذه الفئة لم تصبح مسالمة كما يتوقع من منهجية التفكير عندها فقد استعدت الآخرين واستعداها المنافسون أيضًا ، وهم من وسموهم المنافسون لهم ووسموا أنفسهم بمجموعة من التسميات من بينها : الوسطيون ، المتسامحون ، العقلانيون ، المحايدون ، الموازنون ، التوفيقيون ، وغيرها من التسميات التي تؤكد رغبة هذه الفئة لتطوير الفكر في اتجاه التوفيق بين الأفكار المتصارعة ، ولأنها تعتبر الأفكار المتوافقة بين الأضداد أساس فكري يمكن أن تتولد منه الأفكار ذات القابلية لدى الكل فقد أغرقت في وضع المعايير المحددة للفكر حتى بدا الفكر في ثقافتها في أعين المنافسين لها هشًا ضعيفًا لا يقوم على أصل ولا ينطلق إلى فضاء رحب ، فدخلت ساحة الحرب طوعًا أو كرهًا تدافع عن المنهجية والاتجاه والأهداف ولم تسلم من توجيه السهام إلى الفئات الأخرى على اعتبار أنها قوى فكرية تهدم السلام المستهدف عند أصحابها .

وفي خضم هذه الفرق المتحاربة فكريًا والتي انعكست فعليًا على ميدان التربية والتعليم والقائمين عليها والمنتمين لمجالها كيف يمكن للفكر التربوي أن يصبح فكرًا مقبولا عند إحدى هذه الفئات إذا ما تفتق عن فكر ينتمي إلى فئة منافسة ، ونتق من فلسفة منقودة ؟ لقد لحق الفكر التربوي بالآداب والثقافات من حيث القبول والرفض ، ففكر ليس مؤصلا على سبيل المثال لا يقبله الأصوليون ، وفكر يعتمد على النصوص في نظر الليبراليين على سبيل المثال يعد فكرًا مقيدًا لا ينطلق إلى فضاءات الحرية ، وفكر يوازن بين النصوص والإبداعات خارج النص يعد في نظر البعض فكرًا منحرفًا أو متزلفًا .. ونحوه ، وبين هذا وذاك يظل الفكر البشري متصارع إلى الحدود التي أذن بها المولى تبارك وتعالى للعقول البشرية عندما خلقها على هذا النحو ، وهنا أقول ليس من باب ابتداع فكر جديد وإنما لتأكيد حقيقة خلقية ، كل فكر تفتق عنه عقل بشري يظل فكرًا قابلا للأخذ أو الرد وللقبول أو الرفض ، وما يقدس عن النقد أو التأويل إلا النصوص الشرعية قطعية الدلالة التي لا يعلم تأويلها إلا الله . وتظل الأفكار كل الأفكار بما فيها الفكر التربوي اجتهادات فكرية تستهدف إحداث نقلة في تبعات الفكر تحقق أساس النهج والفلسفة المتبعة لتوليد الفكر وإعماله في الحياة .. ونحن لنا أن نقبل ما نرى أن فيه المصلحة للعباد والبلاد والأمة ، ولكل أمة الحق في اختيار ما ترى فيه نجاتها إما في الدنيا أو الآخرة أو فيهما معًا .

لعلنا إن أمعنا النظر فيما حولنا من تنوع للثقافات نصل إلى قناعة تامة بأهمية الإلمام بفقه الاختلاف ، ومن أهم مقوماته قبول الفكر الآخر وإن تعارض كليا مع ما نؤمن به ونعتقده ، ولنا إعمال معايير التقويم الموضوعية للفكر دون إقصاء ، فعندما يتم تبادل الإقصاء المتواتر والمناهضة للآخر إنطلاقًا من معايير تحقيق المصالح الفردية القائمة على الرؤى الضيقة وقصر أفق التفكير والخوف من المترتبات على فتح مجالات وآفاق التعددية فإننا نغلق باب التفاهم والعلم على حد سواء . وهذا الأمر الذي يقف في العادة كسبب رئيس خلف تخلف الثقافات والسياسات والأنظمة ، وقد فطنت له بعض المجتمعات كمعوق حضاري وقيد اجتماعي فتحررت منه بإتاحتها الفرصة للتعددية الفكرية والسياسية والعقدية ، لتفتح المجال أمام الإبداعات والتقويم العلمي ، وتجعل الفصل في ذلك لقرارات الغالبية في المجتمع ، واحترمت بهذا المنهج آراء الأقليات وتوجهاتهم وأفكارهم وعقائدهم وبدلا عن الإقصاء والمناهضة لفكرهم وتوجههم أدمجوا في الحراك والفعل الاجتماعي والسياسي تحت مظلة المعارضة لإحداث فعل التوازنات للنظام وللأفكار والسياسات المتبعة ، وتكفلت أصوات المجتمع بترجيح الحكومات وإظهار المعارضة من خلال صناديق الاقتراع العامة مع التأكيد في المجتمعات الخبيرة بالتعددية على احترام المعارضة واعتبارها جزءا لا يتجزأ من التشكيل السياسي والاجتماعي والفكر المتعدد.

وأعتقد أننا في بعض المجتمعات التي تعاني من التخلف في بعض المجالات سنكتشف يوما ما أن من أسباب ما نعانيه هو إقصاء الآخر وعدم احترام المختلف رأيا وعقيدة ومنهجا ، وأن ما نمارسه من إقصاء ومناهضة إنما هو نتاج قصور فكري في فهم معنى التعددية ، والدور الفاعل لقبول المعارضة ضمن النسق والتشكيل الاجتماعي المتنوع كما خلقه الله .

فالاختلاف سنة من سنن الله في الحياة، وسر من أسرار الوجود العظمى. وهو بجميع درجاته، بدءاً من التناقض والتضاد إلى التشابه والتماثل، ضرورة حياتية لا يمكن أن نتصور الوجود بدونها. ولئن كان جزء غير يسير من النصوص وجزء آخر من مأثورات الأئمة على امتداد التاريخ الإسلامي قد أفاض في ذم الاختلاف فإن ذلك محمول على الاختلاف المؤدي إلى الفرقة والتناحر والذي لم يبن على علم واجتهاد.. فقد جاءت نصوص ومأثورات أخرى تضع مبادئا وأصولا للاختلاف المحمود ترتقي به في كثير من الأحيان إلى درجة الوجوب العملي، والتجربة الإسلامية على المستويين المعرفي والواقعي تؤكد أن الاختلاف كان دعامة من دعائم الوجود الإسلامي على مر العصور. فقد تعددت المدارس الإسلامية في كل ضرب من ضروب الحياة وفي كل فرع من فروع المعرفة. وكان نتيجة ذلك كله الرصيد المشرق للحضارة الإسلامية الذي لم تعرف البشرية له مثلاً على الإطلاق .

ومن المثير للعجب أن توجد في أوساط المسلمين بين الحين والآخر تيارات تنفر من الاختلاف وتضيق به وتعده بكل صوره رجزاً من عمل الشيطان، بل تتعدى ذلك فتسعى جاهدة للقضاء عليه وإزالته من الوجود، متأثرة بأمور كثيرة من أهمها قلة فهم النصوص المحذرة من الاختلاف، أو وضعها في غير مواضعها، أو الخلط بين ما هو مطلق وما هو نسبي من الحقيقة ، والمتأمل في حال هذه الفئات يجد أن تأثرها (وهو تأثر غير شعوري) بالعرف والتقاليد أكثر من تأثرها بالأحكام الشرعية. وقلة الفقه بما يمكن أن يطلق عليه “فقه الاختلاف” ، فالمتأمل في النصوص القرآنية يدرك أن الاختلاف سنة من سنن الوجود، وسر من أسرار الحياة. وهو النتيجة الطبيعية لحرية الاختيار التي منحها الله عز وجل لكل إنسان وجعلها مرتكزاً للابتلاء في الحياة الدنيا. وقد عد الله عز وجل الاختلاف آية من آياته التي يُهتدى بها إليه فقال: (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين)(سورة الروم آية 22) وجعله في آية أخرى غاية من غايات الخلق: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)(سورة هود الآيتان 18،19).

بعد هذا التبيان أليس من الجدير بنا نحن المسلمين أن نحترم التعددية كما كان أسلافنا يحترمونها عندما سادوا الدنيا وحكموا الجزء الأكبر من العالم بخلقهم العظيم وسياستهم المرنة واحترامهم للآخر ، وننتهي عن نهج الإقصاء والمناهضة لمجرد اختلاف الرأي والمعارضة ، وأن نحترم إرادة الخالق سبحانه وحكمته في الخلق ، ونعترف أن الناس مختلفون وأن التخلف الذي نشتكي منه في بعض المجالات والجوانب إنما سببه في عدم فهمنا لطبيعة الخلق الذي أوجده الله مختلفًا ، وأن مفتاح تقدمنا هو احترامنا للتعددية وفهمنا الصحيح لفقه الاختلاف . ودعوتي لكل محب لتقييم فكره وتصنيفه بين الأفكار المتنوعة أن يطرح على نفسه الأسئلة التالية :إلى أي فئة فكرية انتمي ؟ وأي فكر أكثر قبولا لعقلي ؟ وهل يمكنني إعمال عقلي في الأفكار الأخرى حتى إذا ما تعارضت مع منهجي وتفكيري ومعتقداتي ؟ وهل لي موقف عدائي من أصحاب فكر آخر؟ أو ثقافة أخرى ؟ وهل أجيد التعامل مع الآخر وفقًا لمنهج فقه الاختلاف ؟ .

إننا في حاجة ماسة إلى تأهيل عقولنا وتجديد أفكارنا وفقًا لمناهج فقه الاختلاف ، فالعقل غذاؤه التفكر والتدبر والتبصر ، والله قد استأمننا على عقولنا وحملنا الأمانة العظيمة التي عجزت عن حملها السموات والأرض والجبال لنحملها نحن لظلمنا وجهلنا ولما أودعه الله تبارك وتعالى فينا من خلق كأداة تؤهلنا لتجاوز هذا الابتلاء ، وهو العقل وسيلة العلم والتفكير والحياة ، فلنعمله لابتغاء مرضاة الله جل وعلا ثم لخيرنا في الدارين ، وعلى التربويين في المقام الأول العمل بهذا المبدأ عند صياغة التربية وتنفيذ برامجها فأجيالنا في حاجة لتفهم التنوع في الثقافات والتوجهات والأفكار وقبول الآخر والتعامل مع فكره ومعتقداته وفقًا لمناهج فقه الاختلاف لبلوغ الائتلاف وعليهم العمل على تطبيقه وعلى الدولة وسياسة التعليم فيها أن تطور اتجاهاتها لتحقيق هذه الغاية العظيمة فنصف مليون من القائمين على التربية والتعليم في أمس الحاجة للائتلاف بدلا من الاختلاف لينعكس ذلك على أجيال المستقبل قادة التنمية في الوطن والأمة .

 

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العلم والإيمان في التصور التربوي

لقد بذل الفلاسفة وعلماء التربية وعلماء العقائد المتنوعة جهودًا مضنية للتعريف بالعلم ...