الرئيسية / مقالات / همسات تربوية : الهمسة 11 : مدارس الطفولة المبكرة بين التطبيق وبعض ردود الفعل المتحفظة

همسات تربوية : الهمسة 11 : مدارس الطفولة المبكرة بين التطبيق وبعض ردود الفعل المتحفظة

أكد معالي وزير التعليم في وطني العزيز على أنه جرى إسناد تدريس الصفوف الأولية للبنين إلى المعلمات في أكثر من 1400 مدرسة حكومية ، لافتاً النظر إلى أن العام الدراسي الجديد ١٤٤١سيشهد تحولات كبرى على خارطة التعليم يمتد أثرها لسنوات مقبلة ، وأكد على أن مدارس الطفولة المبكرة ستفتح آفاقاً تربوية جديدة، وترفع نسبة الالتحاق في رياض الأطفال من 17% في الوقت الحالي إلى 95% في عام 2030، بما يؤثر إيجاباً في تحسين نواتج التعلم، ويحقق متطلبات النمو لأبنائنا في هذه المرحلة.

وقد تفاوتت ردود الفعل في المجتمع السعودي بين مؤيدين غالبيتهم من التربويين المطلعين على الدراسات والأبحاث التربوية والتجارب التي تدعم توجهات وزارة التعليم في هذا الاتجاه وأنا من بين المؤيدين لهذا التوجه وقد ناشدت بتطبيقه منذ ما يزيد عن عشرين عامًا وكتبت بشأنه الكثير من المقالات وتضمنت مؤلفاتي تأكيد أهميته وضرورته لما له من أبعاد تربوية سيتلمسها المجتمع لا محالة من خلال نواتج مدارس الطفولة المبكرة ومخرجاتها مقارنة بمخرجات المدارس الابتدائية قبل الإسناد وسيتحدث القائمون على تعليم الصف الرابع الابتدائي في المستقبل عن الفروق في نواتج التعليم والتعلم المتمثلة في مكتسبات الطلاب والتي ستتجه حتمًا لصالح مدارس الطفولة المبكرة ، عندها فقط سيفيق المعارضون للتجربة من غفوتهم وقد يغير معظمهم رؤيتهم التشاؤمية تجاه أهمية إسناد تدريس الصفوف الأولية من المرحلة الابتدائية للمعلمات .

ولعل البعض يعلم يقينًا بأن قرار إسناد تدريس الصفوف الأولية في المرحلة الابتدائية قد طبق في بعض المدارس الأهلية منذ ما يقارب ٤٤ عامًا ، فقد أكدت الوزارة نفسها أن التجربة التي هي الأولى على المستوى الحكومي، منفذة بالفعل في 184 مدرسة أهلية منذ نحو 44 عاما بـ 23 إدارة تعليمية على مستوى المملكة، كان التطبيق أولاً في إدارة التعليم بمنطقة الرياض، فيما طبقت الفكرة نفسها في تعليم جدة منذ 21 عاما، وبالمنطقة الشرقية منذ 15 عاما، وبتعليم حائل منذ 12 عاما، وبتعليم الطائف منذ 8 سنوات، وبتعليم تبوك منذ 6 أعوام، وبإدارات تعليمية أخرى منذ 6 سنوات. وتأتي تجربة مدارس الطفولة المبكرة في التعليم الحكومي لتواصل نجاح تطبيقها في التعليم الأهلي ، ولعل من أبرز الأسباب التي دفعت الوزارة إلى هذه التجربة على مستوى التعليم الحكومي ما كشفته نتائج الاختبارات الدولية للبنين والبنات وبينت وجود فجوة كبيرة في المملكة بين تعليم «البنين، والبنات» اتجهت الفروق الإحصائية لصالح تعليم البنات فقررت الوزارة في طريق ردم تلك الفجوة إلى إقرار تطبيق مدارس الطفولة المبكرة إضافة إلى ردم فجوة أخرى تتعلق بنفور طلاب الصفوف الأولية من البيئة المدرسية عند التحاقهم بالصف الأول الابتدائي .

وقد أشرت في كتابي ” مستقبل التعليم العام في وطني ” في الصفحة ٢٠٨ إلى بعض المشاهد المستقبلية قليلة احتمال الحدوث والتي ستساهم في تطوير التعليم منها دمج رياض الأطفال والصفوف الأولية للمرحلة الابتدائية للبنين في تعليم البنات وإسناد التدريس والإدارة للمعلمات واعتبرت ذلك من المشاهد قليلة احتمال الحدوث مالم تدعم بقرار سيادي لثقتي في الوقت الذي ألفت فيه الكتاب بأن المجتمع لا يزال في مرحلة التوجس من التطوير في التعليم ويتحصن بعض أفراد المجتمع المؤثرين في القرار الفاعل بحصون الريبة من المستقبل وتأثير متغيراته على سمات المجتمع ، وقد لمسنا أن ولوج وزارة التعليم لتطبيق هذه التجربة اتخذت المسار التدريجي وابتعد عن التعميم المطلق لاحتواء القوى المتحفظة في المجتمع تدريجيًا من خلال نواتج التجريب ، وتظل خطوة إقرار التجربة خطوة موفقة بإذن الله تعالى لتحسين نواتج التعليم والتعلم لدى الناشئة وردم الهوة والفجوة بين تعليم الجنسين في الوطن العزيز .

ومما يثير التساؤلات والشفقة إقدام بعض المعارضين إلى بث بعض المشاهد لأطفال قاموا بتلقينهم وتحفيظهم بعض الجمل المعارضة لقرار الوزارة منتهكين في ذلك حقوق الطفولة ومتجاوزين القانون وقد أحسنت النيابة العامة باستدعاء بعضهم للتحقيق ، وقيام البعض بعرض مشاهد مصورة في بعض المدارس لبعض أراء المعارضين للقرار تنطلق من جهل بأحكام الشرع وأحكام القانون وتعتمد على صور ذهنية مشوهة تجاه الطفولة وتوجس مقيت تجاه سلوكيات المجتمع ، ولعل العقلاء وهم ولله الحمد كثر في مجتمعنا ينبذون مثل هذه السلوكيات التي تتخذ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذريعة لمعارضة ما لم يحيطوا بعلمه ونقد ما أشبع دراسة وبحثًا من خبراء متخصصين ..

والمتتبع لأدبيات التربية المنبثقة من التجارب الدولية في تعليم الأطفال يستنتج مجموعة من المميزات لعملية إسناد تدريس الصفوف الأولية للمرحلة الابتدائية للمعلمات منها تسهيل عملية التعلم للأطفال بشكل أسرع ، وإتقان المهارات المختلفة بشكل أفضل ، والتكيف النفسي والاجتماعي للأطفال ، وتوفير كفاءات أعرف بخصائص الطفولة وأكفأ في التعامل معها ، وتنظيم عملية التعلم، والحد من ظاهرة التنمر، وتحفيز الأطفال نفسيا.

ورغم التأكيد لوزارة التعليم بأن إسناد تعليم الصفوف الأولية للمرحلة الابتدائية في مدارس الطفولة المبكرة للمعلمات لا يقتضي الدمج كما يتصوره المعارضون حيث أكدت وزارة التعليم بأنها وضعت خطة متكاملة للطفولة المبكرة تنسجم مع قرار مجلس الوزراء والأوامر السامية ورؤية المملكة 2030 الهادفة إلى تحسين جودة التعليم، وحصول كل طفل على فرص التعليم الجيد وفق خيارات متنوعة، وأنها قامت بإسناد تدريس الصفوف الأولية بنين لمعلمات متخصصات، من خلال إعادة تأهيل المدارس الحكومية القائمة وتطويرها، مع مراعاة تجهيز فصول ودورات مياه مستقلة للبنين وأخرى مستقلة للبنات، لكن القوى المعارضة لا تزال تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديث للتعبير عن رفضها واستنكارها والمؤسف أن من بينهم قيادات في التعليم ورواد .

وأؤكد هنا بأن المستقبل ونواتج التعليم والتعلم في هذه التجربة الجريئة سترد بشكل علمي وعملي على كل متحفظ وستزداد أعداد المتراجعين عن توجسهم من نتائجها ، وأدعو الله أن يوفق القائمين على التعليم وأن يعينهم على مواجهة ثقافة المجتمع التي لا تزال في حاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة علوم التربية الحديثة والمستقبلة ، والله الموفق .