الرئيسية / مقالات / وقفاتي من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي،، الوقفة 15

وقفاتي من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي،، الوقفة 15

الوقفة الخامسة عشرة : عازف العود على منصة الاحتفال يشد انتباهي

لم نكن نعرف في طفولتنا شكل الآلات الموسيقية التي كنا نسمع بعضها في أغاني بعض الفنانين القدماء ، وأقصى ما نعرفه أدوات الدفوف التي كانت تستخدمها النساء في الأفراح حيث كن يضربن عليها بنغمات متوافقة مع اللحن للقصائد التي يغنين بها جماعة بعد عرضها من قبل الشاعرة وغالبًا ما تكون في مدح العروس والعريس وأهليهما ومدح القرية والقبيلة ونحوها ، أما الرجال ففي العرضة يستخدمون (الزير) وهو من الطبول المصنوعة من جلد الثور ويوضع على اسطوانة من الحديد أو النحاس ، ويضرب عليه العازف باستخدام العصي ويمكن أن يكون في العرضة أكثر من ضارب على الزير بحيث تأتي النغمات متناغمة مع لون العرضة الحجازية أوالجنوبية .

وتستخدم أيضًا آلة المزمار وهي تشبه البوق المستخدم في موسيقى الجيش أو البرزان الذي يستخدم في المعسكرات التدريبية للجنود المبتدئين ، ويعزف عليه العازف عن طريق النفخ فيخرج منه صوتا يلهم بالشجاعة والحماسة في المشاركة في الرقص أثناء العرضة ، وكنا ونحن صغارًا نقوم بجهود ذاتية بصناعة بعض الطبول الصغيرة للهو بها باستخدام الجلود والصفائح الحديدية الفارغة وبعد شد الجلد المدبوغ اللين على سطح الصفيحة الاسطوانية أو المربعة وثوثيق الشد بواسطة الحبال المقتطعة من أطراف الجلد نتركها في الشمس عدة أيام حتى تجف ثم نضرب عليها بالعصي مقلدين العازفين على الأزيار في المناسبات والاحتفالات التي تتخللها العرضة وبعض ألوان الفنون الشعبية السائدة مثل المسحباني واللعب والخطوة والمياسة ونحوها .
أما الأدوات الموسيقية التي كنا نستمع إلى معزوفاتها المصاحبة للأغاني القديمة فلم نكن نعرف هيئاتها وكيف يعزف العازفون عليها ، وكانت المرة الأولى التي أشاهد فيها آلة عود يعزف عليها هاو في مناسبة عامة كانت في مناسبة عيد الفطر المبارك لعام 1393هـ ، وقد اعتاد سكان مدينة الطائف في تلك الفترة على إقامة احتفالات عيد الفطر على مستوى الحارات ، حيث يقوم عمدة الحارة وبعض السكان المتعاونين معه بالإعداد لإقامة احتفالات بالعيد تستمر لثلاثة أيام متتالية ، وكان التنافس على أشده بين الحارات ، وتشرف إمارة الطائف والبلدية آنذاك على هذه الاحتفالات ويشجعون عمد الأحياء على التميز ، وحيث أنني من سكان حارة الشرقية فإن أقرب احتفال أقيم بالقرب من بيتنا في ذلك العام كان احتفال حارتي الشرقية والبخارية المتضامنتين في إقامة احتفال واحد مشترك بينهما ، وقد اختيرت له الساحة المجاورة لمدرسة المثنى بن حارثة في آخر الجهة الجنوبية من شارع المثنى بن حارثة الفاصل بين حارتي الشرقية والبخارية .
وقد نصب المنظمون في ساحة الاحتفال بعض المراجيح الخشبية والمراجيح الحديدية التي كانت تؤجر على الأطفال ، ونصبو التيازير الملونة حول ساحة الاحتفال وهي تشبه إلى حد كبير ما يظهر في الأفلام المصرية من تيازير تحيط بمواقع الأفراح أو الموالد ، ونصبت خشبة المنصة الرئيسة كالمسرح المفتوح وهي تستخدم لإلقاء الكلمات الخطابية وعرض بعض الفنون الشعبية والأغاني الشعبية المصحوبة بالأدوات الموسيقية ، وفي الساحة أيضًا مواقع لممارسة بعض ألوان الفنون الشعبية التي تشتهر بها القبائل الساكنة في الطائف والمهاجرة إليها وفنون بعض الجاليات الأجنبية المقيمة في الطائف وما حوله .
بدأ الاحتفال من بعد صلاة العصر يوم عيد الفطر المبارك وكنت مع أخي محمد وفقه الله من الحاضرين الأوائل إلى ساحة الاحتفال ، وقد سبقنا إليه بعض الأطفال القريبة منازلهم من موقع الاحتفال ، لكننا نجحنا في اللعب في المراجيح قبل ازدحام الطلب على استئجارها وشاهدنا مجموعة من الألعاب الشعبية المتنوعة أذكر منها لعبة المجرور الطائفي ولعب المحاورات لقبائل عتيبة في الطائف ، والمزمار فن أهل الحجاز ، وشدني كثيرًا الرقص اليمني باستخدام الجنبيات – جمع جنبية وهي سلاح أبيض شهير في اليمن وبعض المناطق الجنوبية في المملكة – وتوقف العرض قبل المغرب لأداء الصلاة واستمر بعدها حيث عرضت بعض الفنون الشعبية البخارية والأفغانية والباكستانية والسودانية ، واستخدم الدف في بعضها كما استخدم الزير ، واستخدمت الطبول بمختلف أنواعها وفقًا للفن الشعبي المستخدمة فيه ثم توقفت العروض لأداء صلاة العشاء.
وبعد صلاة العشاء صعد على منصة الاحتفال فرقة موسيقية تستخدم الطبول والكمان والبيانو وغيرها من الأدوات الوترية وأدوات النفخ كالمزمار والناي ونحوها ، ثم صعد مجموعة من الفنانين الهواة وكان أحدهم يحمل آلة العود الموسيقية ، شدني المشهد أثناء استعدادات الفرقة لتجريب أدواتهم الموسيقية ، وشد انتباهي كثيرًا عازف العود عندما بدأ في العزف على بعض الأغاني التي غناها بمصاحبة الفرقة الموسيقية حينًا وبالعزف المنفرد حينًا آخر وبالعزف بمصاحبة الإيقاعات حينًا ثالث ، أعجبت كثيرًا بمهارة العازف وبنغمات العود ، وأذكر أنني في اليوم التالي ركزت الانتباه كثيرًا على عازف آخر من الهواة شارك ببعض أغانيه في الاحتفال ، وعشقت تلك الآلة وحلمت كثيرًا باقتنائها وتعلم العزف عليها ، ولم يتحقق لي الحلم قبل المرحلة الجامعية وحاولت أن أتقن بعض مهارات العزف على العود بعد أن امتلكت عودًا عن طريق الشراء من حراج الخردوات في مدينة الطائف ، واستمريت في المحاولة إلى أن انشغلت عن العود بالعمل والدراسات العليا بعد التخرج من الجامعة ، لكن ميولي لسماع العزف على هذه الآلة الموسيقية لا يزال مستمرًا  .
وقد تطورت صناعة الآلات الموسيقية الإليكترونية حتى أصبح كل بمقدوره تجربة العزف على بعض الآلات من خلال تلفونه النقال أو من خلال الآيباد أو من خلال الكمبيوتر المكتبي واللاب توب بعد تحميل برامجها المتوافرة في الأسواق الإليكترونية ، وأصبح من السهل امتلاكها لانخفاض أسعارها في أسواق الآلات الموسيقية ، وأذكر أنني في الكثير من جولاتي السياحية في بعض دول العالم كنت أحرص على التعرف على الأدوات الموسيقية الشائعة فيها وكثيرًا ما انجذبت إلى المحلات التجارية التي تعرض بعضًا منها ، والحقيقة أن ما رأيته في نفسي وفي آخرين من مثلي شكل لدي قناعة لا تزال مستمرة بأن ما يجذب الطفل في موقف ويشد انتباهه يظل مؤثرًا فيه وفي اتجاهاته وهواياته ، وعلينا أن نعرض لأولادنا من الخبرات ما يساعدهم على تشكيل اتجاهاتهم الايجابية وتنمية هواياتهم المتنوعة ،، والله الموفق والمستعان .،،،

2 تعليقان

  1. والحقيقة أن ما رأيته في نفسي وفي آخرين من مثلي شكل لدي قناعة لا تزال مستمرة بأن ما يجذب الطفل في موقف ويشد انتباهه يظل مؤثرًا فيه وفي اتجاهاته وهواياته ، وعلينا أن نعرض لأولادنا من الخبرات ما يساعدهم على تشكيل اتجاهاتهم الايجابية وتنمية هواياتهم المتنوعة ،، والله الموفق والمستعان

    نعم. هذي حقيقه يجب ان نتنبه لها جيداً

    مع العلم ان كل محور الوقفه شد ذهني وفكري للتأمل في كل سطر
    يحكي موقف.جميلٌ هذا الفكر الذي تتمتع به اخي الدكتور
    سعود. بارك الله فيك
    تقبل تحياتي

    ابو بدر

  2. الله يطول بعمرك وتكتب لنا الوقفه ال ١٠٠
    فنحن مستمتعين بالتأمل في وقفاتك واحداثها
    شكرا لهذا العطاء وهذا الموقع وتطويره

    تحيتي دكتور