الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ،، الوقفة 17

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ،، الوقفة 17

الوقفة السابعة عشرة : معلم محو أمية تحت السدرة

خلال العام الهجري 1395هـ أثناء جولاتي على وادي النمل للمذاكرة والتنزه التقيت بأحد الأولاد في مثل سني عندما كان يلعب بدحرجة إطار سيارة مستعمل ويرتدي ثيابًا رثة وسيمًا أجعد الشعر، وتبادلت معه التحية والإجابة عن أسئلتنا واستفساراتنا لبدء مرحلة تعارف مخلصة ، حيث سألني فيما سألني عن الكتب التي كنت أحملها ، وأذكر أن من بينها شرح بن عقيل الذي كان يدرس لنا في المعهد العلمي وسألني عن الدراسة وكيف مشاعري تجاهها .

وفي إجاباته عن أسئلتي ذكر لي أنه من حي الصلب – وهم مجموعة من النور الذين كانوا يسكنون في صنادق وعشش بوادي النمل بالطائف ويشتغلون جلهم في مهن متنوعة أغلبها في الدباغة وفي التحميل والأعمال الشاقة والمتعبة بالأجر اليومي وقليل منهم يعمل بالأجر الشهري وغالبيتهم من مجهولي الأصول – وعلمت منه أنه والكثيرين من إخوانه وأقربائه لا يدرسون وأنهم أميين لأسباب عدم امتلاكهم الهوية الوطنية ، وباح لي بالكثير من الأسرار التي كان يعرفها عن طائفتهم وعاداتهم وتقاليدهم ، وكنت أسمع كغيري في ذلك الجيل بأن النور أو الصلب من الأسر التي لا تغار على نسائها ولا تمانع من عملهم في كل الأعمال ولو كانت غير نظيفة وأن صنادقهم وعششهم هدفًا مستقصدًا لقوات الأمن ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يشيع فيها من الدعارة وبيع الممنوعات من الخمور والمسكرات ، لكن ذلك الفتى أكد لي بأنهم من الأسر المسلمة والمتمسكة بعرى العقيدة والدين وأنهم فقراء يطلبون الرزق بالسبل التي لا معصية فيها ، وكأنني اقتنعت آنذاك بما أفاد به وأكده رغبة في صحبته لطيبته وحسن معشره .
واستمر لقائي بذلك الفتى لأكثر من مرة ، في كل مرة أجد في نفسي إلحاحًا بأن أكسب صداقته واللعب معه ، وبعد أن توثقت عرى صداقتنا كنت لا أذهب إلى الوادي إلا وأجده ينتظرني ويفرح كما كنت أفرح بلقائنا ، وفي ذات مرة طلب مني أن أعلمه القراءة والكتابة فرحبت بذلك وبدأت معه الدرس الأول بالفعل، وأذكر أن المكان الذي جمعنا للتعلم كان في ظل سدرة على مجرى السيل في وادي النمل في طرف قطعة زراعية مزروعة ببعض أنواع الخضار كالطماطم والكرّاث والجرجير والبرسيم ، ولقد سعد بالدرس الأول كما سعدت بتعليمه بعض الحروف وطريقة كتابتها ، وقد فاجأني ذلك الصديق في المرة التالية بانتظاري في ظل السدرة بصحبة مجموعة من أقرانه وأصحابه من البنين والبنات أذكر أنهم كانوا سبعة منهم ثلاث بنات لا تزيد أعمارهن عن الثانية عشرة وأبدوا جميعًا رغبتهم في أن أعلمهم مباديء القراءة والكتابة وألحوا علي في الطلب ، ووافقت على طلبهم على أن يكون ذلك بمعدل لقاء واحد في كل أسبوع ، وكانت بداية المعلم الصغير لمحو أمية أصدقائه من النور ، وقد أخلصت العمل معهم وكانوا يستجيبون للتعلم بسرعات مذهلة ، وأذكر أنني كنت أمارس معهم طرائق للتدريس أعتقد بأنها كانت جاذبة بدليل إقبالهم على الدروس وعدم التخلف عنها ، وفيروز الصغيرة إحدى البنات المتعلمات في حلقتي الصغيرة كانت تجتهد في تقديم هداياها لي تقديرًا لجهدي معهم وكانت هديتها عبارة عن منديل مطرز وتؤكد لي بأنها هي من قام بتطريزه ، وقد جمعت منها أكثر من منديل خلال فترة التعليم التي تطوعت فيها لتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة .
وقد انقطعت عن أصدقائي المتعلمين بعد مغادرتي مدينة الطائف وعودتي إلى منطقة الباحة ودراسة الصفين الأول والثاني الثانوي بمعهد الباحة العلمي ، وقد علمت بعد عودتي إلى مدينة الطائف لاستكمال دراستي بالصف الثالث الثانوي بأن الجهات الأمنية قد استصدرت حكمًا وأمرًا بإزالة مساكن النور الواقعة في وادي النمل وبالفعل كنت كل ما أمر بذلك الوادي وبتلك السدرة أذكر أولئك الصحب ومحاولتي القيام بتدريسهم لمحو أميتهم وأنا لا أزال حدثًا صغير السن، ولم يكتب الله لي اللقاء مجددًا بأي فرد منهم ولا أعلم ماذا آل إليه مصيرهم .
لقد كانت تجربة مثيرة تعلمت منها الكثير من القيم وأحببت فيها أصدقاء جدد كانوا يبادلونني الحب مضاعفًا ويقدرون الجهد الذي كنت أبذله معهم لتعليمهم القراءة والكتابة ، وكانوا مخلصين في التلقي والتعلم والتفاعل معي أثناء تدريسهم وكثيرًا ما شاركتهم الطعام والشراب الذي كانوا يحضرون ما توافر لدى أسرهم منه لنتناوله جميعا في ظل تلك السدرة حيث أعلمهم ويتعلمون ، وأذكر أنني اجتهدت معهم في إحضار قطع أخشاب استخدمها كسبورة للكتابة عليها بالطباشير التي كنت اجلب ما تبقى في فصلي منها بجوار السبورة أو أشتريها من الحراج حيث يتوافر منها الأبيض والملون .
وإبراهيم وفيروز بقيا الاسمين اللذين أذكرهما من المجموعة المتعلمة حيث أن إبراهيم كان المبادر بطلب الصداقة وهو من تعرفت عليه أولا وفيروز تلك الفتاة الشقراء زرقاء العنينين صاحبة المناديل المطرزة بقيت أذكرهما وأذكر بذكراهما تلك الأيام التي اشتغلت فيها معلمًا متطوعًا لأمحو أمية فتية حرموا التعليم لظروف أسرهم الاجتماعية وعندما عملت مؤخرًا في تعليم الكبار إضافة إلى عملي في التعليم العام كنت أذكر تلك المحاولات الأولى لي وأنا أتمثل دور المعلم لتعليم أصدقائي الصغار ، وكنت أرى في تعليم الكبار خدمة وطنية لا تقل أهمية عن التعليم العام وأفرح عند قراءة سيرة أحد الأعلام بأنه كان ممن تعلم في مدارس محو الأمية وتعليم الكبار وكافح حتى بلغ ما بلغه من منزلة وعلم ، وأفرح أيضًا عندما أتابع تناقص نسب الأمية في وطني وفي البلدان الإسلامية الأخرى ، فالأمية قائد الأمم إلى الجهل والفقر والبطالة والفتن بأنواعها ، وما نشأت الفوضى في أمة إلا وكانت الأمية مؤججها ، وأدعو المخلصين في مجال محو الأمية وتعليم الكبار إلى بذل المزيد من الجهود للتخلص تمامًا من الأمية القرائية والأمية العلمية والأمية التقنية وفتح مجال التطوع للمخلصين الراغبين في المشاركة في برامج المكافحة وفق المعايير اللازمة ففي ذلك خير للبلاد والعباد ، والله الموفق والمستعان . ،،،

عن admin

2 تعليقان

  1. مصير الحي يتلتقى
    الله على الاجتماع بالاصدقاء بعد المغيب في ظل
    فرضت نفسها
    كل وقفه من وقفاتك تعتبر ترم دراسي متكامل المنهج
    بارك الله في علمك وعملك

    احترامي لك

  2. الله الله يادكتور من يومك معلم ناجح ذكريات تعطر زمن تاريخك المجيد خصوصاً منديل فيروز. وزمالة ابراهيم
    دمت بود وارتقاء دائمين

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصادر التربية توافق واختلاف

تتعدد مصادر التربية المعاصرة وتتنوع في الأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام والتواصل والتقنيات ...