الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 20

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 20

الوقفة العشرون : مقاولون لجني التمور في الغريف

في رحلتنا الأولى للعمل بتربة البقوم في عام 1396هـ عملنا أنا وصديقي الحميم محمد أبو فادي رحمه الله تعالى في منطقة العلاوة بتربة البقوم في أكثر من (زربة) بمعنى مزرعة نخيل كان أكثرها زربة الشريف جعفر وزربة باحمدين وفيها تعلمت تسلق النخيل ومساعدة المعلم في جني العذوق آنذاك ، إلى أن أتقنت عملية قطع العذوق وتدليتها بالحبل إلى العمال المعنيين بنقلها ونفضها لاستخلاص التمور منها وتنقية ما بقي عالقًا بها في موقع تجميع حصاد ثمرة التمور المعدة داخل المزرعة تحت عريش من سعف النخيل .

وقد ذاع خبر إتقاني لقطع العذوق وجني ثمار النخيل ذلك العام مما سهل علينا أنا وصديقي في السنة التالية الحصول على المقاولة الأكبر في عملنا بهذه المهنة .
ففي عام 1397هـ رحلنا أنا وصديقي رحمه الله تعالى مع الراحلين للعمل بتربة البقوم وسكنا في نفس البيت الذي سبق لنا استئجاره في العام السابق ، وكان مقصدًا للمشرفين على مزارع النخيل في العلاوة ورمادان للاتفاق معنا على العمل بمزارعهم ، وكنا لا نتعب في الحصول على العمل ، وبعد مرور خمسة أيام في العمل بمزارع العلاوة جاءنا رجل شاب وسيم كريم بشوش المحيا دمث الخلق لهجته بين البدوية واليمنية عرفنا مؤخرًا أنه يمني تربا في منطقة الغريف واستقر للعمل بها وهو مشرف على مزرعة الشيخ راجح بن قعيد في الغريف التي تقع بعيدًا عن تربة البقوم ، وعرض علينا العمل بمزرعة الشيخ راجح وترك لنا فرصة وضع شروط المقاولة بعد أن أخبرنا بأن في المزرعة ما يزيد على مائتين نخلة تتطلب من المعلم المتمكن لحصادها ما يزيد على خمسة عشر يومًا ، وفعلا اتفقنا معه على أن يتم نقلنا ذهابًا وإيابًا وتوفير السكن واحتساب صاعين من التمر لجني كل نخلة في مزرعة الشيخ ، وافق بدون تردد وحدد معنا صباح اليوم التالي لنقلنا إلى المزرعة .
في اليوم التالي حضر إلينا الشاب عبدالله اليماني ونقلنا معه ببعض أغراضنا وفرشنا المتواضعة في سيارة داتسون وقطع بنا الطريق الترابي بين تربة البقوم ومنطقة الغريف وقد أرهقنا الطريق المزدحم (بالبطانيج ) وهي المطبات الصغيرة الحجم والمتوالية في الطريق وتسبب ارتجاج لا يحتمل في السيارات ، ولعل البدو قد تعودوا عليه حيث لم نسمع تذمرًا من السائق آنذاك ، وفي الطريق رأينا التلال الرملية والجبال الصغيرة وبعض البدو الرعاة وأكثر ما شد انتباهي وصديقي رحمه الله أولئك النسوة اللائي كن يسقن السيارات في الصحراء ، وكنا نسأل صاحبنا عبدالله اليماني عن تلك الظاهرة وكان يخبرنا بأن البادية كذلك وسنرى من تلك المشاهد كثيرًا في الغريف، وبعد صلاة الظهر أوقف عبدالله اليماني سيارته بجوار خدر ليس ببعيد عن الطريق الذي سلكناه ، وخرجت من الخدر امرأة مبرقعة وبادرتنا الترحيب وعرض الضيافة بعد أن أخبرت الشاب عبدالله إجابة عن سؤاله أن صاحب البيت مع الإبل والأغنام ، فآثر صاحبنا التزود من عندها بالماء والانصراف لكنها أصرت علينا بالبقاء وتناول طعام الغداء بعد أن أجابها صاحبنا عن تساؤلاتها بشأننا من نكون وإلى أين المقصد ، وبررت كرمها بأننا غرباء والغريب له واجب الضيافة وسترسل خلف رب البيت والحلال ليأتي على الفور ، وبالفعل شرعت في إعداد وجبة الضيافة بعد أن وافقنا وصاحبنا عليها وأرسلت ابن لها لا يتجاوز العاشرة من عمره لينادي أباه للحضور لإكرام ضيوفه ، وبينما نحن نتناول ما قدمته لنا من التمر والقهوة وبعض اللبن إذا برب البيت قد أتى فرحب بأكثر مما بادرتنا به زوجه من الترحيب ، وتابع تقديم وجبة الغداء لنا ولم ينفك عن الترحيب بنا خلال تواجدنا في بيته المكون من ثلاثة خدور متجاورة ، وبعد أن فرغنا من كرم المتكرم ودعنا بالحفاوة التي تشتهر بها البادية في بلدنا المعطاء والحمد لله .
وصلنا إلى الغريف وأطلعنا الشاب عبدالله اليماني على الخدر المعد لسكنانا كما أطلعنا على المزرعة وما حولها من مزارع ومعالم ، واستقبلنا الشيخ راجح بعد صلاة المغرب في منزله المبني من الخرسانة وحوله الخدور والمزارع وأكرمنا كرمًا حاتميًا وطمئننا بأننا بين أهلنا وأحبابنا وعرض علينا خدماته بدون تردد ، لقد كان شيخًا جليلاً تقدره قبيلته وجيرانه وله كلمة مسموعة في قومه ، وأوصانا بالتقوى والصلاة والعمل بإخلاص ، وبدأ عملنا بالمزرعة من اليوم التالي وقد أحضر الشاب عبدالله اليماني مجموعة من العمال المشاركين في عملية جني الثمرة وتنقيتها وتعبئتها في (الخرائط ) وهي أكياس الدقيق ، وفي صفائح التنك ، وفي الكراتين كل بحسب تسويقه ، ونجحت في الأيام الأولى بقطع مابين العشرة إلى الخمسة عشرة نخلة يوميا وقد كان يوجد في كل نخلة مابين العشرة والعشرين عذقًا من التمور المتنوعة ، وتركنا نصيبنا من التمر أجرة مقاولاتنا بالاتفاق مع الشاب عبدالله إلى آخر مدة المقاولة لعدم توافر مكان لدينا لتخزينها تتوافر فيه متطلبات الأمن والسلامة .
وقد استمر عملنا في مزرعة الشيخ راجح ما يقارب العشرين يومًا خرجنا منها بأجرة تقارب المائتين وخمسين صاعًا لكل منا أي ما يعادل خمس وعشرين خريطة أو كيس في كل منها ما يقارب العشرة أصواع ، وقد كانت السنة الأوفر حصادًا وأجرة بالنسبة لي ولصاحبي حيث بعنا ما تحصلنا عليه خلال تلك الإجازة بما يقارب الثلاثة آلاف ريال لكل منا .
وكانت السنة الأولى التي أسكن فيها ببيت من الشعر ، والسنة الأولى التي أرى فيها مناسبة زواج خارج بيئتي القروية حيث تختلف العادات والتقاليد وألوان الفنون الشعبية ، وكانت المناسبة التي شهدناها في الغريف هي مناسبة زواج ابنة الشيخ راجح على أحد أبناء قبيلته ، وهي المرة الأولى أيضًا التي شاهدت وزميلي فيها تقديم الجمل كاملا مطبوخًا على صحن الأرز الذي لا يكاد يقدر على حمله العشرة من الرجال الأقوياء ، وقد استمتعنا بالوقت الذي قضيناه في الغريف حيث كنا نذهب للتنزه في التلال الرملية والأودية القريبة من بعد صلاة عصر كل يوم بعد انتهاء فترة العمل اليومية ونشاهد حياة البادية والفلاحين المزدوجة ، حيث لا حرج هناك من قيام النساء بقيادة السيارات ومتابعة الأعمال وهن في زيهن البدوي المحتشم والبراقع التي تظهر جمال أعينهن المكحلة ، وأحاديثهن الواثقة والمؤدبة ، وقوة الشخصية والثقة بالنفس لدى الجميع ، وكنا في تحاورنا أنا وزميلي رحمه الله نتعجب من ذلك ونقدره ونكبره في أهالي تلك المنطقة.
وبعد توديع منطقة الغريف لم يكتب الله لي أن أزورها مرة أخرى للوقوف على شواهد ذكرياتنا لكنني من متابعة بعض المعلومات عنها عبر وسائط المعلومات عرفت بأنها أصبحت مدينة تتمتع بجميع الخدمات ولله الحمد ، حيث تغيرت فيها أساليب الحياة وشملتها مظاهر الحضارة الحديثة وتأثر السكان فيها بما استجد عليهم من مظاهر الحضارة المعاصرة حيث عبدت الطرق الموصلة إليها وسفلتت وشملتها خدمات الكهرباء والهاتف وتغير سلوك السكان وتأثرت المزارع والعناية بها بهذه النقلة الحضارية ، ولجأ المزارعون إلى الاعتماد على العمالة الوافدة للعمل في مزارعهم والعناية بها ، ولم يعد أحد من الأجيال الحالية يسلك مسالكنا في التجريب والعمل والاعتماد على النفس ، وتظل الغريف أحد المواقع التي احتضنت جزءًا من ذكرياتي ، ولعل الله يأذن لي في القادم من عمري أن أزورها للوقوف على ذكرياتنا التي لا أزال أذكرها بتفاصيلها . والله الموفق والمستعان .،،،

عن admin

تعليق واحد

  1. والله ذكريات تُحسد عليها ، ماشالله عليك. عشت حياة الباديه
    وكلها كوم وتقطيع النخل كوم ، هذه بحد ذاتها تعتبر رحلة عمر يادكتورنا
    فكرة هذه الوقفات مميزة ، وتنفيذ رائع … من احداث ودراسات واقعية …
    يعطيك العافية … تقديري …

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تربية الموهوبين والمبدعين

كنت ولا أزال أعتقد بأن الموهبة والإبداع يتمتع بها كل إنسان خلقه ...