الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 30

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 30

الوقفة الثلاثون : غواصون في البحر الأحمر

بعد أن عدنا أنا ورفيق عمري رحمه الله تعالى من رحلتنا إلى المنطقة الشرقية في صيف العام الهجري 1400هـ خططنا لرحلة أخرى في ذلك الصيف إلى منطقة جازان ومنطقة عسير واخترنا طريق الذهاب من جدة إلى جازان عن طريق الساحل و العودة من طريق أبها الطائف طريق الجنوب مرورًا بمنطقة الباحة ، وانطلقنا من جدة ونحن نتطلع إلى تسجيل ذكريات لا تقل إثارة عن تلك التي سجلناها في رحلتنا الأولى ، وكنا عند المرور بالبلدات التي أصبحت اليوم مدنًا نطوف فيها للتعرف على معالمها مثل مدينة الليث ومدينة القنفذة وبلدة الشقيق ، ولم نتوقف إلا للتزود بالوقود أو لتناول الطعام في إحدى المطاعم المتوافرة إلى جوار محطات الوقود .
وصلنا إلى جازان وكانت بلدة صغيرة الحجم على خلاف ما هي عليه اليوم حيث كانت غالبية منازلها من العشش والأكواخ والعرائش ، ولا يوجد فيها فنادق آنذاك ، وقد اضطررنا إلى النوم على شاطئ البحر في جو حار ورطب إلا أننا في اليوم التالي بدأنا في ممارسة هوايتنا المشتركة والتي تدربنا عليها في مدينة جدة وهي الغوص في مياه البحر القريبة من الشاطئ ، وقد أحضرنا معنا بعض الأدوات المتعلقة بالغوص ، وقد راق لنا ممارسة هوايتنا فمكثنا في البحر أكثر من خمس ساعات بين غوص وسباحة ولعب على الشاطئ ، واقترح علي رفيقي أن نمكث يومًا آخر في جازان لممارسة هوايتنا في الغوص وقررنا تغيير مخطط رحلتنا لنستمتع بهذه الرياضة الممتعة في البحر الأحمر الذي تكثر فيه الشعب المرجانية والأسماك الملونة إلى جوار الحيد الساحلي قريبًا من الشاطئ ، وكررنا افتراش الشاطئ للنوم في الليلة الثانية أيضًا .
وفي اليوم الثاني على شاطئ البحر الأحمر بجازان حدث لي حادث لم نحسب حسابه في خططنا حيث تعرضت أثناء الغوص في البحر إلى لسعة حيوان بحري لم أدر ما هو وما كيفيته وقد سبب لي إغماءات متسلسة وفتور في الجسم وآلام في الرجل اليمنى مع حرارة عالية ، مما اضطرنا للبحث عن مستشفى قريب من الساحل ولأن رفيقي لا يجيد وقتها قيادة السيارة فقد تم نقلي مع أحد سائقي السيارات الونيت من الصيادين القريبين من موقع لهونا على الشاطئ بمرافقة رفيقي رحمه الله إلى مستوصف قريب وتم إسعافي في المستوصف وإعطائي بعض المضادات الحيوية لمقاومة سمية لسع حيوان البحر الذي خمن الدكتور في المستوصف أن يكون قنديل البحر ، وبقيت تحت ملاحظة الدكتور في المستوصف إلى بعد صلاة المغرب ، وبعد أن أذن لنا بالانصراف خرجنا للبحث عن سيارة تقلنا إلى الشاطئ حيث سيارتنا ومتاعنا ، ولم نجد سيارة تقلنا إلا بعد مرور ما يزيد على الساعتين وأنا منهك من آلام اللسع ولا أستطيع السير مما دفعني الإنهاك لتوسد الرصيف في انتظار سيارة متطوع ينقلنا إلى الشاطئ .
نمنا ليلتنا الثانية على شاطئ جازان بعد أن نقلنا أحد السائقين تطوعًا ، وفي اليوم التالي غادرنا جازان بعد أن تعافيت بفضل الله تعالى قليلا بما يمكنني من قيادة السيارة وكان في خطتنا زيارة بلدة أبي عريش وصامطة إلا أننا آثرنا الاتجاه إلى أبها عن طريق عقبة الأبناء ، وقد توقفنا في طريق العقبة لأكثر من مرة للاستمتاع بتلك المناظر التي شاهدناها لأول مرة ، ووصلنا إلى مدينة أبها بعد صلاة الظهر بقليل وبدأنا البحث عن فنادق أو شقق مفروشة لنقيم بها الأيام التي خططنا البقاء خلالها ، وأذكر أننا اخترنا السكن في فندق قريب من سد أبها ليس من الفنادق المشهورة ولا أذكر اسمه لكنه فندق متواضع لا يصنف على النجوم وغرفه ليست كثيرة لكننا وجدنا فيه ولله الحمد غرفة بأجر مقبول ، فوضعنا أمتعتنا في الغرفة وانطلقنا إلى المناطق السياحية في أبها وجوارها كغابة السودة والحبلة والأودية والجبال القريبة منها ، وعدنا عند المساء للمبيت في الفندق ، وفي اليوم التالي ذهبنا إلى مدينة خميس مشيط وزرنا بعض المواقع السياحية القريبة منها ، وبعد المبيت في أبها ليلة ثانية مررنا في طريقنا للعودة إلى الطائف على بعض البلدات التي أصبحت مدنًا سياحية اليوم مثل تنومة والنماص وسبت العلايا ، وقضينا في إحدى جبال النماص ليلة باردة بعض الشيء قياسًا بمناطق الساحل الحارة وممتعة جدًا للهدوء الذي خيم علينا أثناء الليل ، وواصلنا سيرنا إلى منطقة الباحة بعد أن استيقظنا في اليوم التالي .
وصلنا إلى منطقة الباحة التي نعرف طرقها وتفاصيلها جيدًا وقررنا المكوث فيها مع زيارة ما استجد من مشروعاتها السياحية القليلة آنذاك ، وقد استضافني رفيق العمر خلال تلك الأيام في منطقة الباحة حيث أن أسرتي قد استقر مقامها في مدينة الطائف ، وكانت هذه الرحلة والرحلة التي سبقتها دافعًا مشجعًا لنا لتخطيط رحلات أخرى إلى مناطق متعددة بعد ذلك ، ونتيجة لابتعاث صديقي إلى دولة كوريا الجنوبية من قبل شركة بترومين بمرف لدراسة هندسة تشغيل مصانع الصناعات التحويلية فقد توقف تنفيذ خطط رحلاتنا المشتركة خلال مدة الابتعاث ، وتم استئنافها بعد عودته من البعثة وقمنا بعدة رحلات منها رحلة إلى دولة الأردن مرورًا بالمناطق الشمالية للمملكة العربية السعودية .
تلك الرحلات التي قمنا بها للاطلاع على معالم بلدنا العزيز كانت للشباب في مثل سننا كتابًا مفتوحًا لقراءة المقومات الحضرية والسياحية في أجزاء الوطن ، وعلى الرغم من تواضع الخدمات السياحية في تلك الفترة إلا أننا تأقلمنا مع البيئات المتنوعة وتصرفنا بحكمة في الكثير من أمورنا ، وكنا نحرص على التخطيط الجيد مما أثر إيجابيًا على حياتنا المستقبلية ، والحمد لله رب العالمين الذي وفق بلادنا لتطوير مقوماتها وإمكاناتها السياحية في الكثير من المناطق ولا مقارنة بين ما كانت عليه الحال خلال رحلاتنا وبين ما أصبحت عليه اليوم من تطور وازدهار ، وكنت كلما زرت منطقة أو مدينة سبق وأن زرناها في رحلاتنا السابقة أتذكر المواقف والأحداث التي مررنا بها ، وربما قصصت لبعض الأصدقاء في السفر ما نفذناه من نشاطات وما حدث خلال رحلاتنا من طرائف لا زلت أذكرها ، ولعل شبابنا اليوم وشباب المستقبل قبل أن يفكروا في السياحة الخارجية وهي مطلوبة بالفعل لأهداف المعرفة والعلم أن يخططوا لمثل ما خططنا له أنا ورفيق عمري للسياحة داخل الوطن العزيز خاصة بعد أن توفرت في الكثير من مناطقها الكثير من المقومات والمنشآت السياحية . والله الموفق والمستعان .،،،

تعليق واحد

  1. اولاً الحمد لله على سلامتك. كانت ضربة شمس لان جازان
    منطقه حارة
    ولكنها رحلات وتنقلات ممتعه
    ماشاءالله على هذا التاريخ الذي يزخر بالمواقف والتحركات
    المفعمه بالاكتساب والفائدة
    تقبل تحايا اخيك. ابو بدر