الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 35

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 35

الوقفة الخامسة والثلاثون : في القفص الذهبي

بعد تخرجي في جامعة أم القرى عام 1402هـ بدأت استعداداتي لإقامة حفل زواجي من خلال العمل على توفير التجهيزات اللازمة حيث حددنا بالتوافق مع أهل العروس موعد الزواج يوم الخميس 21 من شهر شوال لعام 1404هـ ، وحيث أن أقراني من أهالي قرية الحكمان اعتادوا على إقامة الأعراس بالطرق التقليدية في القرية قبل أن تنشأ صالات الأفراح في المحافظة آنذاك ،

وهو ما يتطلب الكثير من الأعمال والتجهيزات والترتيبات لإقامة الأعراس ، فقد استعنت بعد الله تبارك وتعالى بالأخوة الأشقاء والأصدقاء للمساعدة في إعداد الترتيبات وتوفير المتطلبات اللازمة لإقامة العرس في قريتي بما يليق بالمناسبة وأهميتها لأهلي وأهل العروس وأهالي قرية الحكمان كافة .
وقد تم اختيار مكان الطبخ وإعداد وليمة العرس إلى جوار المخيم الذي نصبناه في إحدى القطع الزراعية المجاورة لمنزلنا الجديد الذي فرغنا من بنائه في ذلك العام ، وتم فرش المخيمات بالسجاد وتنظيف الأرض الزراعية من الشوائب وأقمنا حولها الأعمدة التي شددنا بها عقود الكهرباء بحيث تنير مكان الاحتفال كاملا ، وأذكر أنني استعرت عقود الكهرباء من بعض الزملاء في القرية وساعدني بعض الأقارب والأصدقاء في نصب الخيام المستأجرة وفرش الأرضيات بالسجاد المستأجر أيضًا حيث توافرت آنذاك بعض المحلات التجارية لتأجير مستلزمات المناسبات وطبخ ولائم الأعراس والمناسبات المختلفة وقد تم الاتفاق معهم لطبخ وليمة العرس .
كانت مناسبة تحمل من الذكريات الجميلة ما احتفظت بها وزوجتي العزيزة أم رامي وفقها الله وخاصة تلك الصور التي التقطت لأهالي قريتي وهم يؤدون العرضة الشعبية في ليلة عرسي أو تلك الصور التي التقطت لي مع العروس من أحد محارمها ، وأذكر أن والدي وأخوتي حفظهم الله تعالى قد تكفلوا معي بتغطية نفقات العرس وقد كانت في ذلك الزمن عالية جدًا بالنسبة لدخل الفرد لما جرت عليه العادة في منطقة الباحة عامة وفي قريتي خاصة ، ولم يكن ضمن خططنا الماضية قضاء شهر العسل خارج حدود الوطن العزيز بل كنا نكتفي بقضاء عدة ليالي في رحلة سياحية داخلية إلى المنطقة الجنوبية أو إلى إحدى المدن القريبة مثل الطائف ومكة المكرمة وجدة ، وقد اخترت وزوجتي العزيزة القيام برحلات سياحية قصيرة داخل منطقة الباحة والمنطقة الجنوبية وكان لنا في تلك الرحلات بعض الذكريات الجميلة .
لقد أكرمني الله تبارك وتعالى بزوجة صالحة ومتكافلة تحملت معي الظروف الشاقة التي مرت بسنوات زواجنا الأولى وما انفكت تدعمني وتشجعني على تحقيق أحلامي المتنوعة وخاصة تلك المرتبطة برغبتي الملحة لمواصلة الدراسات العليا وقد أكرمني الله تعالى في السنة التالية لزواجي بقبولي في كلية التربية بجامعة أم القرى لمواصلة دراسة الماجستير فكانت حفظها الله تعالى صابرة على انشغالي المستمر حيث كنت أقوم بالتدريس في ثانوية فلسطين بمدينة جدة وأعود بعد العمل إلى البيت لتناول طعام الغداء مع زوجي وأنطلق بعده إلى جامعة أم القرى في مكة المكرمة لمواصلة دراسة الماجستير ولا أعود إلا بعد صلاة العشاء لتبدأ ساعات التحضير للتدريس وأداء الواجبات الجامعية إلى وقت متأخر من الليل وهكذا خلال مدة دراستي للماجستير ، ولم تبد أم رامي حفظها الله تعالى تذمرًا أو تشتكي من وحدة ولم تنتقد تصرفاتي التي شغلتني كثيرًا عن بعض واجباتي الأسرية بل كانت الزوجة المشجعة والمحفزة على تحقيق أحلامي وعندما رزقنا الله تعالى الأولاد كانت خير أم رؤوم لأولادها وخير مربية فاضلة أكرمها الله بالصبر والتحمل والمؤازرة للجميع .
وكنت كثيرًا ما أقارن بين سلوك أم رامي حفظها الله تعالى وبين ما كنت أقف عليه من قصص مكتوبة لأزواج لم يتمكنوا من مواصلة حياتهم لأسباب تعود إلى عدم التحمل والصبر وكنت أحمد الله تبارك وتعالى أن رزقني الزوجة الصالحة التي تحملت معي مالا يتحمله غيرها مع مثلي من الأزواج ، وللتربية الصالحة بعد توفيق الله تعالى دور في صبر النساء وتحملهن الحياة القاسية مع الأزواج المنشغلين وأحسب أن تربية أم رامي كانت من بين الأسباب التي دفعتها إلى التحمل والصبر رضًا لله تبارك وتعالى وحبًا في الخير وبناء أسرة مسلمة مكافحة ، وأدعو الله تعالى أن يجزلها الأجر والثواب لقاء ما قدمته لي ولأولادها من خير ومعروف لا ينكره إلا جاحد .
ولعلي هنا أنصح الأسرة المسلمة بالاهتمام بتربية الأولاد بما يساعدهم على بناء الأسر المسلمة المترابطة والمتكافلة والمتحملة التي تقاوم المعوقات وتتلافاها طلبًا لمرضاة الله تعالى ، فغالبية حالات الطلاق التي تحدث في الآونة الأخيرة تعود أسبابها غالبًا إلى نوعية تربية الأولاد ، حيث يضيقون الأزواج ببعضهم ذرعًا لأتفه الأسباب وتزيد مساحات الخلاف بينهما لاختلاف الأهداف والرؤى وقلة الصبر والتحمل ولرغبة كل طرف من الأطراف في تحقيق أهدافه الخاصة بعيدًا عن موافقة الطرف الآخر ومؤازرته ، وقد تابعت مع المتابعين لنسب الطلاق التي سجلت في الفترة الأخيرة بمجتمعنا السعودي ، ورأيت ما رآه الكثيرون من المتخصصين في علم الاجتماع بأنها عالية جدًا قد تعود أسبابها في المقام الأول إلى عدم امتلاك مهارات الحياة اللازمة لاستمرار العلاقات الاجتماعية لدى المتزوجين وهو الدور الغائب للأسرة المسلمة مع الأولاد ذكورًا وإناثًا ، وقد أوصيت في الكثير من دراساتي بأهمية إقامة الدورات اللازمة للمقدمين على الزواج لكيفية الحفاظ على الأسرة قبل أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية على تنفيذها بالفعل في الآونة الأخيرة وقبل أن تنتشر هذه الدورات من قبل بعض مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالأسرة ، والحمد لله أن المعنيين بالشؤون الاجتماعية التفتوا إلى أهمية تحصين الأسر من الانهيارات المزلزلة والتي يترتب عليها زيادة حالات الطلاق المبكر لدى المتزوجين حديثًا ، وأوصي الشباب المتزوجين حديثًا بتقوى الله تعالى والبحث عن الحلول الممكنة للحفاظ على البناء الأسري ، فالأسرة المسلمة درع الشباب للاعتصام بحبل الله المتين والمضي في الإسهام الفاعل في البناء التنموي للوطن العزيز ، وما أحوجنا في حاضرنا ومستقبلنا إلى سواعد تبني الوطن وتنميه وتطوره لينافس في مجالات العلم والصناعة والتطور التقني ، والأسرة المستقرة أحد الدواعم الرئيسة التي تقوم عليها نهضة الأوطان . والله الموفق والمستعان .،،،،

عن admin

تعليق واحد

  1. ماشاءلله تبارك الله.
    وقفه فيها ذكرى رائعه من احمل الذكريات
    وهي مسيرتك لحياتك الاسريه

    ادام الله عليكم اللاستقرار ووفقكم في بقية مسيرة حياتكم
    تقبل وافر التقدير

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال ...