الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 38

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 38

الوقفة الثامنة والثلاثون : بيادر تجربتي التجارية في جدة

في العام الهجري 1407هـ نشطت الحركة التجارية في مدينة جدة مما شجع الكثيرين من الزملاء على ولوج بواباتها المتنوعة لزيادة الدخل وتحمل أعباء المعيشة ومقابلة الزيادة المضطردة في أجور المساكن وارتفاع أسعار المواد الغذائية ، فمن الزملاء من ولج ميدان العقارات بتأسيس مكاتب عقارية للعمل وسطاء في العرض والطلب على العقار وإدارة الأملاك.

ومنهم من اتجه نحو المواد الغذائية بافتتاحه بقالة أو سوبر ماركت ونحوها ، ومنهم من اتجه إلى مجال التجارة في الملابس الجاهزة جملة وتجزئة ، وقد راق لي مجال تنويع التجارة في الملابس والإكسسوارات النسائية وقررت خوض التجربة برأس مال لا يزيد آنذاك عن خمسين ألف ريال جمعتها خلال أكثر من أربعة أعوام من العمل في التدريس واستعنت بعد الله تبارك وتعالى بخبرة أحد الزملاء الذين سبقوا في خوض نفس التجربة .
وقد اخترت الاسم التجاري الذي انطلقت به في ميدان تجارة الملابس الجاهزة والإكسسوارات وهو ” بيادر ” وتعني مواقع درس الحصاد لدى القرويين والفلاحين ، وبدأت التخطيط لاختيار المكان وجمع المعلومات عن طرق التمويل والتزويد والبيع وإدارة الحسابات ، كما جمعت المعلومات عن حركة التجارة والأسواق وقيمة الأجور في تلك الأسواق المتعددة بمدينة جدة ، وقررت آنذاك الاستئجار بسوق طيبة المجاور لسوق البوادي شمال مدينة جدة على شارع الستين ، حيث استأجرت موقع المعرض بعقد سنوي قابل للتجديد بقيمة أربعة وعشرين ألف ريال تسدد لإدارة السوق على دفعتين في العام ، وشرعت في استخراج التراخيص النظامية من الجهات المعنية ، ووفرت المطبوعات الخاصة بالمعرض والبيع والشراء والفواتير وتسجيل الحسابات ، وشرعت في تصميم ديكورات المحل بجهد ذاتي ، ووفرت البضاعة اللازمة لتشغيل المعرض ، وقد قمت بتلك الجهود بنفسي وبمساعدة بعض الزملاء السابقين في تأسيس مشاريع مماثلة ، وقمت بالتعاقد مع شاب سعودي سبق له العمل في موقع مماثل بسوق البوادي براتب يقدر بألفين ريال لفترتي عمل صباحية ومسائية، وكنت في الأشهر الأولى من إطلاق ذلك المشروع أزور موقع المعرض بما لا يقل عن مرتين أسبوعيًا لتفقد المعرض ومراجعة المبيعات والحسابات وتسجيل المتطلبات بهدف التزويد ، ومر الشهر الأول ولم يكد دخل المعرض كاملا يغطي قيمة الاستئجار وفاتورة الكهرباء وراتب العامل ، وفي ظل طمأنة الزملاء حول هذه الحالة التي كلفتني قيمة البضاعة المباعة كاملة مع أرباحها لسداد قيمة المصروفات التشغيلية ، وأن علي وفقًا لتجاربهم الصبر وتحمل أوضاع السوق إلى أن تنشط المبيعات في المعرض لتغطي الأرباح قيمة المصروفات التشغيلية وتفيض بما قسم الله لي من خير يضاف إلى دخلي الشهري من الوظيفة الحكومية.
مر العام الأول وقد خسرت من قيمة تأسيس المشروع التجاري ما يزيد عن عشرين ألف ريال وتلقيت نصيحة أحد الزملاء في المجال بأهمية فتح محلات جديدة في أسواق أخرى لتحمل أرباح بعضها الخسارة في البعض الآخر وقد يشأ الرزاق الكريم أن تحقق جميعها أرباحًا تعوض ما خسرته من قيمة رأس المال وبالفعل دخلت شريكًا مع أحد الزملاء في معرض جديد بسوق البوادي المجاور الأكثر نشاطًا وحركة ، وتحملت من قيمة رأس المال الجديدة للمشروع الجديد ما يزيد عن الثلاثين ألف ريال ، واستبدلت العامل السعودي في معرض “بيادر ” بعامل أجنبي براتب ألف ريال ، وتعاقدنا مع عامل آخر من جنسيته للمحل الثاني بنفس الراتب ، ومرت الأيام وأنا أراقب حركة التطور في المبيعات والأرباح ، ولم يشأ الله تعالى أن تتحسن الأحوال إلا قليلا ، وعند نهاية العام التالي بلغت خسارتي في تلك المشروعات قبل تصفيتها ما يزيد عن الثلاثين ألف ريال ، وقد قدم لي أحد التجار المجاورين آنذاك عرضًا جيدًا بتقبل حصتي التجارية في معرض بيادر الأول والثاني بقيمة سبعين ألف ريال على أن يحتفظ بالبضاعة الباقية وباسم المعرض ، وبعد تفكير جاد قبلت خسارتي لما يزيد عن عشرة آلاف ريال لأودع مجال التجارة في الملابس والإكسسوارات ، وتمت عمليات التقبيل والتنازل النظامية ، وسبحان الله الرزاق قابلت المشتري بعد عام تقريبًا وأفادني بأنه باعها بخسارة تزيد عن عشرين ألف ريال ، فحمدت الله تعالى أن خرجت من المجال قبل تفاقم الخسارة .
بعد إغلاق صفحة “بيادر” قدم لي عرض تجاري آخر بتقبل محل تجاري في شارع المكرونة في نشاط تجارة الحلويات المحلية والمصنعة ، وبالفعل غيرت نشاطي التجاري إلى الحلويات ، وحققت نجاحًا جيدًا لمدة تزيد عن الشهرين قليلا ، قدر الله أن تغطي أرباحها ما خسرته في المشروع التجاري السابق ، ولم تستمر حالة الازدهار حيث افتتح النقلي للحلويات فرعًا إلى جوار معرضي للحلويات وكان النقلي والحلواني وأبو نار أشهر الموردين الرئيسين للمعروضات التجارية في معرضي وبافتتاح ذلك الفرع تغيرت الحال وتأثرت المبيعات في معرضي ، وقدم لي النقلي عرضًا جيدًا بتقبل المعرض ، وبعد تفكير متأني وخوفًا من الخسارة في هذا النشاط قبلت العرض وخرجت منه بمكسب جيد حمدت الله عليه وأعلنت التوبة من التجارة والاتجاه إلى استثمار ما خرجت به منها من خبرات ومكاسب مالية ليست بالكبيرة في التأسيس لمشروع عقاري يخلصني وأسرتي من السكن بالاستئجار .
وفي عام 1409هـ أقدمت على شراء أرض في ذهبان وقمت بترخيصها وتسويرها وإدخال الكهرباء إليها وتهيئتها كاستراحة قضيت وأسرتي فيها خلال عام ونصف العام أجمل الأوقات وشغلنا مساحتها بالمزروعات المتنوعة ، ولارتفاع نفقاتها الشهرية للحراسة وسداد فواتير الكهرباء والماء آثرت بيعها دون خسارة ولله الحمد واستبدالها بشراء شقة في مشروع الإسكان العام جنوب مدينة جدة ، وقد تعلمت من تلك التجارب الكثير من الدروس العملية والمهنية والاقتصادية ما أثر في نشاطاتي بعد ذلك ، لعل من أهمها الرضا بقضاء الله وقدره والصبر والتحمل وأهمية التخطيط ، وأن من أراد أن ينجح في مشروع تجاري فعليه القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية والتحلي بالصبر وعدم استعجال الأرباح فالرزق مقسوم بين العباد ، وعلى التاجر أن يتابع مشروعاته بشكل متواصل لا يمل ولا يكل فالكثير من الخسائر في التجارة تعود بإذن الله تعالى إلى سوء أداء العمالة وإلى إهمال الرقابة من أصحاب المشروعات ، ولعل الشباب الراغبين في ولوج مجال التجارة تعلم الدروس ممن سبقهم في مجالاتها وأخذ الحيطة والحذر عند ممارستها ، وليعلم الجميع أن الرزق مقسوم من الكريم الرزاق . والله الموفق والمستعان .،،،