الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 41

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 41

الوقفة الواحدة والأربعون : مشرفًا على صفحة المدينة التربوية

في عام 1409هـ نشأت لدي رغبة ملحة للمشاركة في النفع العام من خلال الإسهام المباشر في الصحافة المحلية وكان في مدينة جدة المقر الرسمي لثلاث صحف محلية متنافسة وهي صحيفة البلاد الأقدم نشأة وتأسيسًا وصحيفة المدينة المنورة وصحيفة عكاظ وكنت أتابع ما ينشر خلالها من موضوعات وتحقيقات صحافية عن التربية والتعليم خاصة وعن القضايا والأحوال الاجتماعية المتنوعة ، وبعد استشارة بعض الزملاء ممن لهم باع في الصحافة آنذاك قررت الانتساب لعضوية الصحافيين في صحيفة المدينة المنورة .

فاتجهت إلى مبنى الصحيفة في شارع الصحافة بمدينة جدة في الوقت الذي كان يرأس تحريرها الأستاذ عبدالله الحصين رحمه الله تعالى ، وكان الأستاذ عبدالقادر شريم حفظه الله تعالى يعمل مديرًا للتحرير ونائبًا لرئيس التحرير ، وقد اصطحبت معي بعض المقالات الصحافية التي كنت كتبتها قبلا وأعتقد بأنها ستكون صالحة للنشر ومحفزًا لإدارة التحرير في الصحيفة لقبولي ضمن المساهمين في كتابة أحد أعمدتها الأسبوعية ، وحين اطلع الأستاذ عبدالقادر على طلبي وبعض مقالاتي عرض علي العمل غير متفرغ في قسم المحليات بالصحيفة والاستزادة من خبرات العاملين فيها وكان يرأس ذلك القسم آنذاك الأستاذ مصطفى عمارة من مصر الشقيقة وفقه الله إن كان حيًا ورحمه إن مات ، ويعمل بالقسم مجموعة من الصحافيين المتفرغين للعمل بالصحافة غالبيتهم من جنسيات عربية متنوعة وبينهم بعض من الصحافيين السعوديين غير المتفرغين ، فقبلت العرض دون أن أبحث موضوع العمود الذي كنت أرغب من خلاله نشر مقالاتي الأسبوعية والتي كنت عازمًا على تخصيصها للتربية والتعليم ، وبعد ما يزيد عن الشهر وأنا أشارك الأخ الأستاذ مصطفى عمارة في مراجعة ما يرد من مكاتب الصحيفة في أنحاء المملكة من تحقيقات وأخبار محلية شرعت في إعداد خطة مقترحة لإنشاء صفحة أسبوعية متخصصة بالتربية والتعليم اخترت لها مسمى المدينة التربوية وقدمت المخطط المقترح للأستاذ مصطفى بهدف تقويمه وتطويره ، وقد حاز المخطط على إعجابه وطلب مني عرضه على سعادة مدير التحرير بتوصيات منه بدعم إنشاء الصفحة ، ووافق الأستاذ عبدالقادر شريم على إنشاء الصفحة واختير لها يوم الاثنين من كل أسبوع ، ومن تلك اللحظة بدأ ارتباطي بالصحيفة يتزايد وازداد الوقت الذي كنت أقضيه في أروقة مبنى الصحيفة بين قسم المحليات وقسم الإخراج والمطابع ، وامتهنت الصحافة فعليًا خلال أكثر من عامين أشرفت خلالها على صفحة المدينة التربوية والتي كان لي فيها عمود ثابت لعرض أفكاري وآرائي التربوية والتعليمية ، وتناولت صفحة المدينة التربوية خلال مدة نشرها الكثير من التحقيقات والآراء والمقالات التي أسهم بها الكثيرون من التربويين والمهتمين بالقضايا التربوية والتعليمية في الوطن العزيز .
وكنت خلال تلك الفترة أزور بعض الزملاء القائمين على ملحق الأربعاء الثقافي في الصحيفة واستفيد من حواراتهم الصحافية والثقافية وقد نشروا لي في ملحق الأربعاء مجموعة من القصائد الشعرية ومجموعة أخرى من المقالات الثقافية في مجالات الأدب والثقافة العامة ، ولكنها لم تكن مقالات منتظمة الموعد ، وتعاونت مع بعض الأقسام الأخرى في إجراء بعض التحقيقات الصحافية وخاصة القسم الرياضي لتزامن عملي في الصحيفة آنذاك مع عضويتي في مجلس إدارة نادي الربيع الرياضي بجدة ، ونشر لي أكثر من تحقيق صحافي فيها ، وبدأت فعليًا في تأليف أول مؤلفاتي بعد رسالة الماجستير كتاب ” المعلم السعودي ، إعداده وتدريبه وتقويمه ” فكانت تلك الفترة ثرية في الإنتاج الصحافي والعلمي والثقافي ، وقد وفقني الله تعالى خلالها إلى التعرف على الكثير من الشخصيات البارزة في مجالات الصحافة والثقافة والرياضة مما أثرى ثقافتي وعلاقاتي الاجتماعية والعملية .
وقد توقفت عن العمل في الصحافة بعد أن غيرت الصحيفة خطتها الدورية وأبلغني رئيس التحرير رحمه الله تعالى بتوقف صفحة المدينة التربوية في الدورات التالية ، وعرض علي العمل في القسم الرياضي لنجاح ما قمت به من خلالها متعاونًا من نشاطات ، وقد اتخذت قراري كردة فعل بعدم الاستمرار في العمل الصحافي ، وبالفعل توقفت وانشغلت بعدها بدراسة الدبلوم العالي للإدارة المدرسية الذي تفرغت لدراسته في كلية التربية بجامعة أم القرى كما انشغلت بإدارة المدارس الثانوية التي كلفت بها منذ العام الدراسي 1411هـ ، كما شغلت بإتمام مؤلفي الأول وبعض الأعمال التجارية التي أسستها وانصرفت عن الصحافة إلى متابعة الصحافة والحمد لله رب العالمين .
وهنا أقف على تلك التجربة الثرية في مجال الصحافة وما كان يحدث في دهاليزها من منافسات محمومة مع الصحف المنافسة وما كان يدور في الاجتماعات العامة مع رئيس التحرير والتي كانت تقوم على نتائج تقويم التسويق وجذب المعلنين حيث أن مقاييس الربح كانت الأكثر تأثيرًا على رسم سياسة التحرير وقد تعلمت خلالها أن المثير في الصحافة هو الأكثر جذبًا على الرغم من انخفاض سقف الحرية الصحافية في تلك الفترة خاصة في بعض المجالات والميادين والقضايا ، ولعل الصحافة الورقية اليوم تمر بمرحلة منافسة شديدة من نوع آخر مع الصحافة الإليكترونية وتظل الإعلانات والتمويل الإعلاني هي المصدر الذي تراهن عليه مؤسسات الصحافة في الاستمرار ، وأعتقد أن الوسائل الإليكترونية ستطوي صفحة الصحافة الورقية رويدًا رويدا ولا أستغرب أفولها قريبًا مع تزايد الاهتمام بوسائل التواصل الاجتماعي العالمية ، ولعلي أنصح الشباب العاملين في مجالات الصحافة عامة بما كنت أنصح به نفسي حين كنت أحد أعضائها بمراقبة الله تبارك وتعالى في كل عمل يقومون به ، والتركيز على مدى نفع ما ينشرونه للناس عامة وللوطن خاصة والتثبت من مصداقية الأخبار والتحقيقات قبل نشرها،والتجرد عن المنافع الخاصة لصالح المنافع العامة فآثار الصحافة في الرأي العام كبيرة جدًا، وقد تجرعت من الصحافة أذى المستصحفين المنتفعين غير المهنيين خلال عملي في القيادات التربوية العليا بوزارة التربية والتعليم ، وكنت أتمنى أن يلتزم العاملون في الصحافة بميثاق شرفها فهي السلطة الرابعة في الكثير من أنظمة العالم وهي مقود المجتمعات وزمام الرأي وتقوم بها حكومات وتسقط أخرى وشاهدها في الأحداث الجارية في العالم العربي بين وواضح ، وندعوا الله بصلاح القائمين على الإعلام عامة والصحافة خاصة ففي صلاحها صلاح للمجتمع والأمة . والله الموفق والمستعان .،،،