الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 49

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 49

الوقفة التاسعة والأربعون : المؤلفات الأولى في رحلة التأليف

 بعد أن فرغت من الماجستير وشغلت بعض الوقت بالانتماء للصحافة وعضوية مجلس إدارة نادي الربيع الرياضي بجدة وجدت في نفسي رغبة ملحة للعمل على وضع خطة إنتاج أول مؤلفاتي العلمية بعد بحث الماجستير الذي قررت أن يخرج في كتاب آنذاك ، ولأن ارتباطي بالتربية والتعليم ارتباط عمل واهتمام فقد أردت أن يستهدف مؤلفي الجديد قضايا المعلم فهو من وجهة نظري أساس رئيس من أسس العملية التربوية والتعليمية وهو قائد عملية التعليم والتعلم وهو مكتشف الإبداعات ومفجر الطاقات بإذن الله تعالى وقد شرفت بالعمل في حمل رسالة التربية والتعليم وأحسست بأهمية موضوع المعلمين .

ففي مطلع العام الهجري 1412هـ بدأت بوضع اللمسات الأخيرة لخطة مؤلفي العلمي واجتهدت في توفير متطلبات البحث ولم تكن قد انتشرت كثيرًا أجهزة الحاسب الآلي المكتبية ولم تظهر الأجهزة المحمولة بعد وقد استخدمت في مشوار إعداد مؤلفي الأول بعد الماجستير آلة كاتبة تصدر صوتًا جرسيًا عند الضرب على أزرة حروفها وقد تتشكل مع استخدامي لها بعض الموسيقى غير المنتظمة فتضفي على غرفة مكتبي في منزلي بعض الأنس خلال مدة عملي عليها لتأليف مؤلفي الأول ، وعلى الرغم من توافر جهاز حاسوب من نوع صخر لدي في المنزل كنت قد اقتنيته عند بداية تسويقه في مدينة جدة في عام 1407هـ لكنني لم استخدمه في الكتابة وتخزين المعلومات بقدر ما كنت استخدمه مع أولادي لممارسة بعض الألعاب الإليكترونية ، ولم تكن له ذاكرة تخزينية تسمح بالاسترجاع حتى ظهر بعد ذلك هاريسك خارجي يعمل على تشغيل الأقراص الممغنطة وقد عانيت كثيرًا من استخدامه لكثرة ما فقدت بواسطة استخدامه كثيرًا من البيانات والمعلومات المخزنة مما دفعني إلى تفضيل استخدام الآلة الكاتبة ذات الأصوات الجرسية ، وقد عرض مركز الخليج للتدريب بمدينة جدة بعض أجهزة الحاسوب الآلي من ماركة (آي بي أم )التي كان يستخدمها في التدريب للبيع عندما رغب في تجديد أجهزة معامله وقد كنت ممن اشترى جهازًا منها في عام 1412هـ ، وكان أكثر تطورًا من جهاز صخر لكنني لم استخدمه في كتابة المؤلف لما قطعته من شوط متقدم في كتابته آنذاك ، وقد استخدمت الجهاز الجديد في إنجاز بعض مشاريع العمل المدرسي وفي تصميم بعض النماذج والجداول الإحصائية .

بنهاية العام الهجري 1413هـ كنت قد فرغت بفضل الله تعالى من مسودة مؤلفي الأول بعد رسالة الماجستير الذي وسمته ب ” المعلم السعودي ، إعداده ، وتدريبه ، وتقويمه ” وحملت مسودته إلى سعادة الأخ الدكتور عبدالله بن محمد الزيد مدير عام التعليم بالمنطقة الغربية آنذاك وطلبت منه التقديم للكتاب وقد أهداني وفقه الله تقدمة متميزة تطرز بها مؤلفي الأول بعد الماجستير جزاه الله عني وعن أهل العلم خيرًا ، وعقدت العزم على طباعته وكتابي الآخر الذي وسمته ب ” الحقائب التعليمية ” وهو يضم بحث الماجستير الذي أشرف علي فيه الأخ الأستاذ الدكتور إبراهيم محمود فلاته ، وقصدت أكثر من دار للطباعة والنشر المتوافرة في مدينة جدة للاتفاق معها على طباعة الكتابين ، ولمماطلتها في الموافقة على الطباعة على نفقتها فقد عزمت متوكلا على الله تعالى على طباعتها على نفقتي الخاصة والاحتفاظ بحقوق طباعتها ، وقصدت دار المدينة للطباعة والنشر للتفاوض على طباعة الكتابين ورغم ارتفاع سعر الطباعة آنذاك الذي تجاوز الخمسين ألف ريال لكنني عزمت الانطلاق بهما في فضاءات التأليف ، وقد تلقيت موافقة الدار السعودية بعد ذلك على الطباعة لكنني أشعرتهم بانتهاء الطباعة على نفقتي وتم الاتفاق معهم على النشر والتوزيع وتم ذلك بالفعل ولله الحمد ، وقد أهديت مدارس مدينة جدة نسخة من كل كتاب عند بداية توزيعها واشترت وزارة المعارف منها بعض النسخ ، وكانت الانطلاقة الفعلية لي في مجال التأليف حيث تسلسلت مؤلفاتي بعد ذلك ولله الحمد لتصل إلى أكثر من ثلاثين مؤلفًا عدا البحوث العلمية التي نشرت في المجلات والدوريات العلمية والتي أسهمت بها في المؤتمرات المحلية والدولية .

لقد وجدت في مجال البحث العلمي والتأليف سعادة غامرة لا يدرك الإحساس بها إلا من خاض غمارها ، فعند إنتاج بحث جديد أو إنجاز مؤلف جديد يغشاك شعور بالسعادة لا يختلف عن شعورك بالسعادة عند استقبال مولود جديد من الأولاد الصالحين ، وقد تشوقت للإحساس بنشوة السعادة تلك خلال رحلتي مع التأليف ولا أزال أتشوق لها كثيرًا ولهذا لم أنفك عن الكتابة والإنجاز في مجال العلم والثقافة وأتمتع كثيرًا بذلك الإحساس الأخاذ والذي أرجو فيه نفع الأمة والوطن وأحتسب ما قدمته وما سيفتح الله به علي من إنجازات جديدة لأن تكون من العلم الذي ينتفع به والباقي خيره ونفعه لصاحبه حتى بعد مماته ، وقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله : ” ينقطع عمل ابن آدم إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ” وإني لأرجو أن أكون ممن ملكها جميعًا بإذن الله تعالى .

وكم يؤلمني كثيرًا متابعة حركة التأليف والإنتاج العلمي في أمتنا العربية التي تفيد الإحصاءات بتأخرها عن غيرها من الأمم على الرغم من أن ديننا الحنيف يحث على العلم والتعلم والبحث والتدبر والتفكر والإنتاج العلمي والتأليف ، ويؤلمني أكثر ما آلت إليه كثير من الكتب والأبحاث العلمية التي أنتجها مؤلفوها بهدف النفع لتصبح شبه مهجورة في المكتبات ودور النشر لعدم إقبال الناس على القراءة وانشغالهم بوسائل الإعلام والتواصل الجديدة ، وعلى الرغم مما في التقنيات الحديثة من خير إلا أنها من وجهة نظري المتواضعة لا تغني عن الكتاب وقراءة الكتب التي تحمل النفع للأمة وطلاب العلم ، وقد نشطت بعض الحكومات لتنفيذ برامج ومشروعات القراءة للجميع وهو مسلك محمود لكن النتائج لا تزال مقلقة ولعل هجر الكتب وفي ذروتها وسنامها كتاب الله تعالى سمة الأمة فقد قال الله تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: ” وَقَالَ الرَّسُول يَا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآن مَهْجُورًا ” الفرقان آية 30 ، وهي سمة غير محمودة لا تتفق مع أمرالله بالقراءة في أول آية نزلت على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولذلك فإني أوصي في هذه الوقفة بالتأليف في جميع العلوم لمن يقدر على ذلك وأوصي الجميع بالقراءة فأمة لا تقرأ أمة غارقة في الجهل ، والله الموفق والمستعان . ،،،

مين .