الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 51

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 51

الوقفة الواحدة والخمسون : موفدًا لإدارة الأكاديمية السعودية في موسكو

 بعد أن أنهيت إجراءات استخراج تأشيرات الدخول لدولة روسيا الاتحادية من القنصلية الروسية بمدينة جدة لي ولجميع أفراد عائلتي الصغيرة على أثر صدور القرار الوزاري بإيفادي لإدارة الأكاديمية السعودية في موسكو مع نهاية العام الهجري 1416هـ ، وبعد أن جمعت من المعلومات ما أرشدني لكيفية التعامل مع متطلبات الانتقال للعيش خارج الوطن العزيز مدة أربع سنوات وهيأت الظروف وأعددت العدة ورسمت الخطط اللازمة لذلك ، انطلقت مع الأسرة الكريمة متوكلين على الله تعالى عبر دولة تركيا كمحطة توقف ننطلق منها إلى دولة روسيا لعدم توفر خطوط طيران مباشرة من السعودية إلى دولة روسيا الاتحادية آنذاك .

ووجدناها فرصة سانحة للتعرف على تركيا والاطلاع على آثارها المشهورة في مدينة استانبول وما حولها ، وهو النهج الذي اتبعناه مستقبلا في جميع الرحلات من الوطن العزيز إلى روسيا حيث نحدد بلدًا من البلدان للسياحة فيه في رحلات الذهاب إلى روسيا وكذلك رحلات الإياب للوطن الحبيب مما مكننا ولله الحمد من زيارة مجموعة من الدول منها لبنان وسوريا ومصر والإمارات العربية إضافة إلى تركيا ، وكانت تلك المرة الأولى لأسرتي للسفر خارج حدود الوطن العزيز.

وقد قضينا في استانبول ثلاثة أيام استثمرناها في التنزه والسياحة والتعرف على الآثار التاريخية وبعدها انطلقنا إلى دولة روسيا وكلنا أمل وشوق في التعرف على معالمها التاريخية والحضارية ، وتم استقبالنا في مطار (شرميتفا أدين) من قبل مندوب عن السفارة السعودية عندما كان معالي السفير عبدالعزيز خوجة سفير المملكة السعودية في روسيا في مرحلة انتقاله للعمل سفيرًا للملكة العربية السعودية في دولة المغرب وكان يقوم بأعمال السفارة آنذاك سعادة السفير الحالي للمملكة السعودية في دولة روسيا الأستاذ علي جعفر ، ومندوب آخر عن الأكاديمية في الوقت الذي كان يقودها سعادة الأخ الدكتور محمد المنصور ، وقد وفر لي ولأسرتي منذ وصولي السكن المجاني في (أريدان سويت ) وهو عبارة عن شقة من ثلاث غرف ومجلس بمنافعها نصف مؤثثة عندما كانت حكومة المملكة العربية السعودية توفر السكن المجاني لجميع السعوديين الموفدين للعمل بالأكاديمية السعودية بموسكو ، وقد أكرمت وفادتنا من قبل الأخوة السعوديين المتأهلين الذين يسكنون في السكن نفسه ولم أجد عناء أول الأمر إلا في المواصلات التي كان لا يتوافر منها إلا باص تملكه الأكاديمية ننتقل به أثناء الدوام من السكن إلى الأكاديمية ذهابًا وإيابًا، مما دفعني إلى شراء سيارة من نوع (لادا) الروسية وقد كانت رفيقي في اكتشاف موسكو وضواحيها خلال تواجدي فيها .

باشرت عملي في الأكاديمية السعودية بموسكو نائبًا للمدير العام وكانت تضم حين قدمت إليها ثمانية عشرة فصلا لصفوف المراحل التعليمية الابتدائية والمتوسطة والثانوية يدرس بها ما يزيد عن ثلاثمائة طالب ينتمون إلى ما يزيد عن أربعين جنسية ويعمل بها أكثر من أربعين معلمًا وأكثر من خمسة عشر إداريا وأكثر من عشرين سائقًا وبعض عمال الخدمات ، وكانت الأكاديمية آنذاك تمتلك أسطولا يزيد عن خمسة عشرة حافلة متنوعة الصناعة وسنة التصنيع ، ولم أجد توصيفًا لمهام عملي في بداية الأمر مما دعاني للعمل على ذلك بمشاركة مدير عام الأكاديمية ، وقد تم تجاوزنا الكثير من الخلافات والتباينات في وجهات النظر بالتفاهم المشترك واعتماد المهام الجديدة من السفارة بصفتها المشرف الإداري على الأكاديمية ووزارة المعارف بصفتها مشرفًا تربويًا آنذاك ، وقد أكرم الله الأكاديمية خلال مدة عملي فيها بمجموعة متميزة من المعلمين والمعلمات السعوديين والمتعاقدين ، مما سهل علي عمليات الإشراف على الشؤون التربوية والتطوير ، وقد تم إحداث مجموعة من البرامج والفعاليات التربوية التي لفتت أنظار القائمين على العمل التربوي في دولة روسيا ووسائل الإعلام وأولياء الأمور الذين يعمل غالبيتهم في السفارات العربية والإسلامية بدولة روسيا ، وتم تبادل الكثير من الخبرات مع المؤسسات التربوية والتعليمية الروسية ومع الجامعات ، وزادت العلاقة توطيدًا بعد أن توليت قيادة الأكاديمية.

ومما أذكره مما تم إحداثه من تطويرات خلال مدة عملي مساعدًا للمدير العام في إدارة الأكاديمية تطوير البيئات التربوية وتزويدها بوسائل التقنية الحديثة وإنشاء معمل الحاسب الآلي ، وتدريب المعلمين على طرائق التدريس الحديثة ، وتبادل الزيارات والمنافسات مع المؤسسات التعليمية الروسية المماثلة ، وإنشاء روضة للأطفال ، وشراء حافلات جديدة لزيادة كفاية الأسطول المدرسي ، وتكثيف الأنشطة المنهجية غير الصفية والتفاعل مع المناسبات الوطنية للسفارات العربية والشقيقة والتواصل مع المكتبات والمراكز الثقافية الروسية ، وبعد أن توليت قيادة الأكاديمية استمريت في إحداث التطوير بدعم الزملاء والسفارة والوزارة فأنشأنا معامل اللغات وحدثنا معامل الحاسب الآلي وطورناها وأنشأنها المرسم الفني وأنشأنا برنامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها الممول من ولي العهد آنذاك الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله ، وأنشأنا الأستوديو التعليمي وطورنا الأسطول والخدمات ونفذنا مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم للتوأمة والشراكة مع الأكاديميات والجامعات والمؤسسات التعليمية وأقمنا مجموعة من الندوات والمحاضرات ونظمنا مؤتمرًا بالشراكة مع جامعة (سانتبتربورغ) وبعض المؤسسات الثقافية وأقمنا معارض للفنون التشكيلية للفنان السعودي الدكتور حسن الغانم رحمه الله تعالى واعتماد عقود العاملين المتعاقدين باختلاف أعمالهم ومعايير التوظيف والتعاقد ، واعتماد سلم الرواتب لمختلف الوظائف في الأكاديمية وإصدار الكتب ومجلات البحث العلمي المحكمة ، وغير ذلك من الانجازات التي يمكن الاطلاع عليها في موقع المدارس السعودية بموسكو ، ولعلي في وقفات أخرى أتناول بعض منها ، ونصيحتي في هذه الوقفة للقيادات التي توفد لقيادة المؤسسات التربوية السعودية خارج حدود الوطن العزيز أن يحرصوا على تقديم كل ما يسهم في التعريف بثقافتنا الوطنية السامية وقيمنا الإسلامية النبيلة والحرص على النفع بأفضل الأساليب وبأعلى مستويات الجودة فهم رسل الوطن التربويين إلى العالم . والله الموفق والمستعان ،،،