الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 54

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 54

 

الوقفة (54) : تركيا محطة السياحة الأسرية المتكررة

 في رحلة الذهاب من الوطن الحبيب إلى مدينة موسكو حيث مقر عملي الجديد اخترت مع أسرتي محطة التوقف في مدينة استانبول التركية وذلك في العام الميلادي 1997م ، في الوقت الذي لم تتوافر فيه آنذاك خطوط جوية مباشرة من الوطن العزيز إلى دولة روسيا الاتحادية ، وقد مكثنا في استانبول بضعة أيام قبل مواصلة السفر إلى هدفنا الأخير في موسكو ، وقد استمتعت وأفراد أسرتي بتلك الأيام القصيرة في مدينة التاريخ والحضارة والسياحة الدولية مدينة المساجد والكنائس التاريخية الشهيرة المدينة الحالمة على شواطيء بحر أيجة ، المدينة الأوروبية الآسيوية في آن ، مدينة المتاحف والحدائق والأسواق التاريخية العريقة .

وحيث أن نظام الإيفاد للتدريس في الخارج يتيح للموفد الحصول على تذاكر إركاب كل عام ذهابًا وإيابًا من الوطن العزيز وإليه لاتاحة الفرصة للموفدين بقضاء إجازة الصيف بين أهلهم وذويهم ، فقد رسمت الخطة بمشاركة أفراد أسرتي الصغيرة لاستثمار ما أتيح لنا في التعرف على أكثر من حضارة وأكثر من بلد سياحي وفعلا رسمنا الخطة بحيث تكون محطة التوقف للعام الأول مدينة استانبول بدولة تركيا ، وفي العام التالي تكون القاهرة محطة التوقف لرحلتي الذهاب والإياب ، وفي العام الثالث تكون استانبول محطة التوقف في رحلة الذهاب إلى موسكو وتكون دمشق هي محطة التوقف في رحلة العودة للوطن ، وفي العام الأخير تكون عمان بدولة الأردن محطة التوقف في رحلة الذهاب وتكون بيروت هي محطة التوقف في رحلة الإياب إلى الوطن ، ومع أن هذه هي الخطة المرسومة إلا أننا لم نلتزم بتنفيذ الخطة كما رسمناها حيث بدى للأسرة التغيير فيها في العام الأخير لصالح دولة تركيا وبالأخص مدينة استانبول وما جاورها لاستحواذها على إعجاب أفراد الأسرة ، ولذلك أصبحت استانبول التركية المحطة الأكثر ارتيادًا لأفراد أسرتي خلال التنقلات إلى مقر العمل والإياب إلى الوطن طيلة مدة إيفادي لإدارة الأكاديمية السعودية في موسكو .

ولعل ما جذبني و أفراد أسرتي إلى تكرار السفر إلى استانبول ما تتمتع به تلك المدينة التاريخية من مقومات سياحية متطورة ، وما يتاح فيها للأسرة المسلمة من إمكانيات التمتع بما يتلاءم مع عقيدتها وقيمها ، ومع أنني وأسرتي في الزيارة الأولى إلى استانبول قد زرنا فيها الكثير من المعالم التاريخية رغم قصر المدة إلا أننا في رحلة الأياب إلى الوطن مرورًا بها خصصنا للسياحة فيها وما حولها أكثر من خمسة عشر يومًا للاطلاع على المعالم الحضارية والتاريخية والمتاحف التي لم نتمكن من الاطلاع عليها في زيارتنا الأولى ، وقضاء بعض الوقت في المناطق السياحية القريبة من استانبول مثل مدينة بورصة وجزر الأميرات وأزمير ، و التسوق في أشهر أسواقها التاريخية في منطقة تقسيم وما جاورها .

ومن المواقف التي لا أزال أتذكرها عندما أزور استانبول أمانة سائق الحافلة التي أقلتنا من المطار إلى الفندق ، فعند وصولنا إلى مطار استانبول اتجهت إلى أحد مكاتب السياحة في المطار لحجز فندق في موقع يتيح لي ولأفراد أسرتي تنفيذ خطتنا السياحية في استانبول وما حولها ، ولم يكن الحجز عبر وسائل التقنية الشخصية متاحا بالصورة المتوافرة اليوم ، وبعد اتمام عملية الحجوزات للفنادق في استانبول وبورصة وأزمير ، وفر لنا المكتب السياحي حافلة تنقلنا من المطار إلى الفندق وكنت أحمل معي حقيبة صغيرة لكميرا فيديو من ماركة سوني التي تسجل على أشرطة فيديو صغيرة الحجم ، قبل أن تتوافر كميرات الدجيتل الرقمية ، إضافة إلى حقائب السفر لي ولأفراد أسرتي ، وقد وضعتها على المقعدة بجواري ، وقد تبادلنا أطراف الحديث مع السائق الذي كان يجيد القليل من اللغة العربية والقليل من اللغة الإنجليزية لكننا تعرفنا على اسمه الأول كما تعرف هو على اسمي الأول واسم العائلة ، وعند وصولنا إلى الفندق انطلقت سريعًا للاشراف على نقل عمال الاستقبال في الفندق لحقائب السفر ونسيت حقيبة الكميرا على المقعد ، وانطلقنا إلى الفندق بينما انطلق السائق مراد إلى المطار مرة أخرى لمواصلة عمله ، ولم أتذكر أنني نسيت كميرا الفيديو في الحافلة إلا بعد مرور ما يزيد على أربع ساعات من دخولنا إلى الفندق حيث قررت وأسرتي بعد أخذ قسط من الراحة أن نتجول في المناطق القريبة من الفندق في منطقة تقسيم التاريخية ، عندها تذكرت بأنني نسيت الكميرا في الحافلة ، فأسرعت إلى موظفي الاستقبال في الفندق لاخبارهم بما فقدت في الحافلة ، وعلى الفور بادرني الموظف ببعض الأسئلة حول نوع الحافلة ورقمها وموديلها واسم سائقها واسم المكتب السياحي الذي وفرها والوقت الذي انطلقت فيه الحافلة من المطار ، وقد أجبت على بعض الأسئلة والكثير منها لم أجب عليه لعدم توافر معلومات لدي بشأنها ولعدم حرصي على جمعها ، وبينما نحن كذلك إذا بالسائق مراد قادم من بوابة الفندق نحو موظفي الاستقبال يحمل معه حقيبة الكميرا ، ولما رآني قال مستر زهران آسف لأني لم أشاهدها إلا بعد رجوعي إلى المطار ، وأشعرت إدارة الشركة وأتاحوا لي العودة لتسليمها لك قال ذلك بلغة عربية ركيكة مخلوطة ببعض الإنجليزية والتركية ، فقلت الحمد لله رب العالمين لقد أثبت بأمانتك الثقة التي نالها الأتراك من قبل السائحين ، قال أنا مسلم وهذه أخلاق المسلمين ، شكرته وألحيت عليه بقبول هديتي كمكافأة له على أمانته لكنه رفض ذلك قطعيًا ، فعرضت عليه قيمة مشواره إلى الفندق والعودة إلى المطار فرفضها إيضًا وقال الله يكتب الأجر ، انصرف مراد وترك عندي إعجابًا شديدًا بالعامل التركي الأمين ، وبقيت أذكر ذلك كلما دخلت مدينة استانبول .

      وقد قضينا تلك الإجازة القصيرة في مدينة الحلم التاريخية وزرنا جزر الأميرات وأزمير لكننا بقينا على الاشتياق لمدينة استانبول مما دفعنا لتغيير خطتنا في السنة الأخيرة لإيفادي حيث استبدلنا لبنان كمحطة توقف عند العودة إلى الوطن بمدينة استانبول وما جاورها من المواقع السياحية ، واستمريت اتخذ من استانبول محطة توقف في سفري المتكرر لحضور الاختبارات لبرنامج الإعداد للدكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حتى كأني تعرفت على تفاصيلها كما لو كنت أحد ساكنيها ، وقد عدت إليها لأهداف السياحة والتدريب وحضور المؤتمرات أكثر من مرة بعد ذلك وفي كل مرة كانت تبدوا لي بثوب حضاري جديد يضاف إلى جمال أثوابها التي ارتدتها حضاريا عبر التاريخ ، وقد كتبت أكثر من مقالة أصف فيها ما شد انتباهي وأعجبني في الأنظمة والبنى السياحية التحتية والمقومات الحضارية المتطورة لمدينة استانبول والحكومة التركية المعاصرة ، ونصيحتي لكل من يحب السياحة التاريخية أن يزور هذه المدينة الزاخرة بالمعالم التاريخية التي يفوح منها عبق الأصالة والحداثة والتطور ، والحرص على جمع المعلومات اللازمة للسيارات المستخدمة في التنقل وبيانات سائقيها فكثير من الدول تجبر السائقين على عرضها في لوحة بارزة أمام الزبائين ، وبعد توفر تقنية التقاط الصور بالتلفونات الشخصية يمكن للسائح أن يلتقط صورة للمعلومات اللازمة فقد يحتاج إليها أمنيا أو عند فقدان بعض ممتلكاته الشخصية في إحدى السيارات المستخدمة للتنقل فتفيده المعلومات التي جمعها في الوصول إلى مفقوداته . والله الموفق والمستعان .،،،

 

عن admin

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال ...