الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 16

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 16

الوقفة السادسة عشرة : شبل من أشبال عكاظ

عندما كنت في الصفين الثاني والثالث المتوسط خلال العامين 1394-1395هـ كنت أذهب وآتي من الطريق المار بالركبان الموازي لشارع أبي عبيدة ابن الجراح في مدينة الطائف الممتد من قصر عرب إلى القريب من قصر شبرا حيث يقع المعهد العلمي في مبنى مستأجر ضعيف الإمكانات الترفيهية للطلاب ، ففي الفسح الدراسية لا يوجد أمام طلاب المعهد العلمي سوى سطوح المبنى حيث يوجد المقصف المدرسي وهو المكان الذي تؤدى فيه صلاة الظهر قبل الإنصراف ، وفي المعهد فناء لا تتجاوز مساحته الستين مترًا مربعًا تطل عليه صفوف المرحلة الثانوية ، والخطة الدراسية في المعهد العلمي خالية من حصص التربية البدنية .
وكنت شغوفًا بلعبة كرة القدم آنذاك فلم يكن لي متنفسًا سوى طريق الركبان عند العودة من الدراسة بالمعهد حيت تمتلئ الركبان بملاعب كرة القدم الترابية ، وكنت قد اقتنيت كرة قدم واستمريت في استخدامها منفردًا أحيانًا ومع بعض المشاركين من أبناء الحارات المجاورة حينًا آخر بعد الانصراف من المعهد لمدد لا تتجاوز النصف ساعة حتى لا أتأخر عن القدوم للمنزل فهناك أب كريم متابع حريص وفقه الله لا ينفك عن السؤال عن أسباب التأخير إذا تأخرت وقد لا أسلم من العقاب إن أخللت بمعايير المحافظة على الوقت من وجهة نظر والدي وفقه الله ، وكنت أخفي الكرة في موقع قريب من قصر عرب في خرابة مهجورة ، واستمريت على ذلك كثيرًا من الوقت حتى ذهبت عصر يوم من الأيام وأنا في الصف الثاني المتوسط إلى الركبان للنزهة والمذاكرة ، وشاهدت مجموعة من فرق لاعبي كرة القدم المنتمين إلى نادي عكاظ في مختلف الأعمار ومنهم في مثل عمري آنذاك ، فقادني فضولي للسؤال عن كيفية تسجيلي ضمن فريق النادي ، وجاءتني إجابة مدرب الأشبال بأنه لا بد من موافقة ولي الأمر والذهاب إلى مقر إدارة النادي والتسجيل هناك ، وكانت إجابته كالطامة بالنسبة لي فوالدي لا يمكن أن يقبل بتسجيلي ضمن ناد رياضي ، وكيف لي أن أنتمي دون علم والدي ، عرضت الأمر على أخي الأكبر سعيد وفقه الله وكان طالبًا في معهد إعداد المعلمين في الطائف ومن ضمن فريق الجمباز في المعهد والمتميزين في هذه اللعبة وأذكر أنني رافقته في الاحتفال السنوي للمعهد وكان هو من ضمن فريق الجمباز المشارك في العرض ، فوافقني على اصطحابي معه إلى إدارة النادي لتسجيلي بالإنابة عن والدي .
وأذكر أنه نجح آنذاك في إقناع إدارة النادي بتسجيلي ضمن أشبال النادي وبالفعل سلمت لي بذلة رياضية وبطاقة عضوية النادي كلاعب كرة قدم ضمن فريق الأشبال وقدم لنا جدول التدريبات الأسبوعي ، وأذكر أنه كان لثلاثة أيام في الأسبوع يلزمني الحضور إلى مقر التدريبات في الركبان من بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب ، وكان من السهل علي الحضور بحجة الذهاب للمذاكرة ، وهو السلوك الذي تعوده والدي ودربنا عليه بتعريفنا على الأماكن التي يمكننا المذاكرة فيها مع التنزه بعض الوقت وتعريفنا بالطرقات الموصلة إليها وأغلب المواقع التي استخدمناها للمذاكرة آنذاك كانت في الركبان وفي وادي وج وفي وادي النمل والقمرية حيث كانت خالية من المساكن وتشغلها المزارع ، فذهابي للتدريبات لم يكن صعبًا لكنني أذكر أنني لم أكن مواظبًا على التدريبات بسبب ما أخافه من علم والدي بذلك فكنت أذهب في أيام بعض التمرينات مع أخي الأوسط وفقه الله للمذاكرة في وادي وج أو وادي النمل ، واستمريت كذلك حتى كتب الله لنا الانتقال من مدينة الطائف إلى منطقة الباحة وذلك لظروف أسرية تتطلب ذلك ، وانتقل ملفي الدراسي في عام 1396هـ إلى معهد الباحة العلمي حيث تجددت لي الذكريات والوقفات مابين قريتي الوادعة ومدينة الباحة الحالمة وزملاء الدراسة الجدد .
وأذكر أنني كنت أحلم وأنا شبل في عكاظ أن أكون من بين منتخب النادي للأشبال المشارك في المنافسات المحلية ، إلا أن مدربنا كان يعلم ظروفي ويقدر مهاراتي المتواضعة قياسًا بزملائي في فريق الأشبال آنذاك فلم يعرض علي أن أكون ضمن المنتخب وكنت أعتصر ألمًا عندما كان المدرب يصفنا إلى جانب الملعب فيختار أعضاء المنتخب ليلعبون ضد الأشبال الباقين في مباريات التدريب ، ودائمًا أكون في الفريق المتحدي للمنتخب ، وقد ظل حلم انضمامي لفريق كرة القدم في إحدى الأندية البارزة آنذاك مستمرًا ولم ينقطع مع تعاقب السنين إلى أن دخلت الجامعة حيث نجحت في أن أكون ضمن منتخب الجامعة وخضت معه أكثر من مباراة ودية ورسمية في المنافسات مع الجامعات السعودية الأخرى ، وقد حاولت الانضمام إلى نادي الوحدة لكنني لم أفلح في التقيد بمعايير الانضمام والالتزام بالتدريبات ، وانشغلت بعدها بما صرفني عن هذه الهواية المنقطعة .
لم تكن رياضة كرة القدم تجذب غير الهواة الراغبين في ممارستها كلعبة رياضية مسلية تمارس على مستوى الحارات أو الأندية ولم يكن هناك احتراف ولم تكن مصدر رزق تجذب إليها الآلاف من الراغبين في الثراء السريع كما هو الحال في الوقت الراهن حيث توقع العقود مع اللاعبين بالملايين ، بل كان وضع اللاعبين محزنًا وقد عايشت هموم اللاعبين وشكواهم عندما كنت عضو مجلس إدارة في نادي الربيع بمدينة جدة أي بعد التحاقي بركب اللاعبين كشبل في نادي عكاظ بما يزيد على خمسة عشر عامًا ، ولم تحل مشاكل اللاعبين إلا بعد اعتماد الاحتراف ورواتب اللاعبين في الأندية ، والتي بدون شك أضحت محفزًا قويًا لانضمام ذوي المهارات المتميزة من الراغبين في التطور والشهرة والثراء، وقد شجعت الكثيرين من الطلاب البارزين في المهارات الرياضية المتنوعة لاستثمار هذه الفرص المتاحة لدى الأندية ولا أزال كذلك ، فالكثيرون من اللاعبين قد نجحوا في حياتهم العلمية كما نجحوا في استمرار التعاقد معهم كلاعبين محترفين، ولعل إدارات الأندية الرياضية اليوم تهتم بتحفيز الأعضاء واللاعبين على النماء الشامل والتزود من العلم وتهيء لهم الفرص اللازمة لذلك ، والله الموفق والمستعان .،،،

عن admin

2 تعليقان

  1. بارك الله لك في عمرك. وجعل هذه الوقفات شاهدا لك لاعليك ، كنت استمتع بكل سطر مررت عليه وتأملته
    فهذه الوقفات سفر سيرة كامل وواف عنك. تقبل مروري .

  2. استاذي الدكتور سعود
    رائع هذا الفكر
    جميله جدا هذه المبادرة منك لموقعك وماتطرقت له به
    من تدوين مسيرتك الحياتيه

    انا هنا انهل من جمال السيرة ولا اكتفي
    شكرا بلا حدوووود

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تربية الموهوبين والمبدعين

كنت ولا أزال أعتقد بأن الموهبة والإبداع يتمتع بها كل إنسان خلقه ...