الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 62

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 62

الوقفة (62): مستشارًا لوكيل الوزارة للتعليم

 في الفصل الأول من العام الهجري 1421هـ باشرت العمل مستشارًا لوكيل الوزارة للتعليم عندما كان معالي الدكتور خضر القرشي وفقه الله وكيلا للتعليم وقد سبق لي العمل مع معاليه عندما كان مديرًا عامًا للتربية والتعليم بمحافظة جدة ، وكان يربطه بمعالي الوزير رباط صداقة وإخلاص في العمل وحرص لإحداث نقلة نوعية في التعليم العام بالمملكة العربية السعودية ، وكانت حينذاك الرئاسة العامة لتعليم البنات منفصلة عن وزارة التربية والتعليم ، والعمل منصب في التطوير والتحديث على تعليم البنين ، مما شكل علينا في مكتب سعادة وكيل الوزارة للتعليم آنذاك خاصة عبئًا مضاعفًا .

ومما أذكره لتلك المدة الوجيزة التي عملت فيها مستشارًا بوكالة الوزارة للتعليم أنني كلفت مع أكثر من فريق عمل للعمل على مجموعة من مشاريع التطوير والتنظير لمجموعة من المشاريع والطموحات المستقبلة ، ويأتي إعداد دليل الإدارة المدرسية في مقدمتها ، حيث عملت مع فريق إعداده الذي ضم مجموعة من الكفاءات القيادية المتميزة من تعليم الرياض تعلمت منهم الكثير من المهارات واكتسبت منهم الكثير من الكفايات ، وقمت على مراجعته وتدقيقه والإشراف على نشر نسخه الإليكترونية ليكون متاحًا لجميع القيادات التربوية في الميدان وقد استخدمنا أول الأمر الأقراص الممغنطة والموقع الإليكتروني للوزارة آنذاك وتم تعميمه بنهاية العام الدراسي 1421هـ ، وعملت مع مجموعة من قيادات الوزارة آنذاك على إعداد مشروع رتب المعلمين ومشروع رخصة التدريس وكانت الإدارة العامة للإشراف التربوي مكانًا لإعداد تلك المشاريع، ومما أذكره في تلك الحقبة تمسكي الكامل بربط مشروع رتب المعلمين بسلم الرواتب الوظيفي للوظائف التعليمية وربط التدرج في رتبه وعلاواته بمستوى الإنتاجية ونسب تقرير الأداء الوظيفي إضافة إلى المعايير التي اتفق فريق الإعداد عليها، وتم بالفعل إضافة هذه المقترحات لأساس المشروع وكان بعض الزملاء ممن تحفظوا على هذه المقترحات المضافة يرون أنها ستكون سببًا في عرقلة اعتماده لدخول أكثر من وزارة في الحكم على قبوله قبل أن يمكن اعتماده من الجهات العليا المشرعة مثل وزارة الخدمة المدنية ووزارة المالية وهو ما يتطلب التنسيق معها قبل رفع المشروع إلى الجهات العليا ، بينما كنت أرى أن تطبيق المشروع بدون ربطه بسلم الرواتب والدرجات والعلاوات سيكون شكليًا لا يؤتي ثمرته الفعلية ، وها نحن إلى اليوم وهذا المشروع يراوح بين الجهات الرسمية دون اعتماد وربما قد إضيف إليه أو حذف منه ما يزيد من تعقيدات اعتماده مستقبلا، وكنت ممن يعتقد جازمًا بأن مدخل التغيير الحقيقي في الأداء التعليمي في الميدان التربوي يلزمه تنفيذ هذا المشروع الطموح وتحمل ردود الفعل التي ستنشأ من منسوبي التعليم غير القادرين على النماء والتطور ، وسيؤتي أكله حين اعتماده بالإضافات التي كنت أعتقد بأهميتها إن شاء الله ، وقد يحدث هذا بعد دمج الوزارات المعنية بالتعليم العام والعالي في وزارة التعليم الحالية .

ومن المشاريع الطموحة التي عملت على تنظيرها وتقعيد معاييرها مشروع التوسع في خصصة التعليم بالجودة المعيارية عن طريق شراء مقاعد التعليم الخاص وفق الشروط والمعايير وهو المشروع الذي سيرفع من مستوى الأداء والتحصيل ويخفض كلفة الطالب التعليمية عند التوسع في تطبيقه إلى أكثر من عشرين إلى خمسة وعشرين في المائة والتي يمكن توجيهها إلى رفع مستوى كفاية البنى التحتية والتجهيزات المدرسية في جميع المناطق التعليمية ، وأذكر تعليقًا لمعالي وزير التربية والتعليم آنذاك محمد الرشيد رحمه الله بعد اطلاعه على المشروع المرفوع من مكتب وكيل التعليم إليه حيث علق قائلا : ” إن مستقبل التعليم في الوطن العزيز للتعليم الخاص متى ما معير أداؤه وروقبت جودته مع الموافقة على عرضه على مجلس الوزارة للتباحث بشأنه ” ولا أزال أعتقد بأن مثل هذا المشروع سيفتح آفاق التطوير التربوي ويحسن من الأداء في الميدان متى تم تبنيه ، ولعل التغيرات التي حدثت في الوزارة ترتب عليها طي هذا المشروع مع المشروعات الأخرى التي استهدفت التطوير ورفع مستوى الأداء والتحصيل .

وقد مكثت في وكالة الوزارة للتعليم مدة عامين في بحث وتحليل وتقويم الكثير من المشروعات التربوية التي كانت تعرض على معالي الوزير وتحال بالضرورة إلى مكتب وكيل الوزارة للتعليم ، وأذكر أنني كنت من المؤيدين للإشراف المتنوع الذي وضع قواعده سعادة الأخ الدكتور راشد العبدالكريم والذي أصبح مديرًا عامًا للإشراف التربوي فيما بعد وكنت ولا أزال أعتقد بأن الإشراف التربوي تطويري وليس رقابي وأن أفضل وسيلة للانتفاع منه دمجه مع التدريب التربوي وتسكينه في المدارس لتقديم خدماته مباشرة في البيئة التعليمية ، ولما كان يمثله هذا التوجه من حساسية لدى منسوبي الإشراف التربوي فقد واجهت مقترحاتي بشأنه تحفظات الكثيرين .

وفي العام التالي فتحت الوزارة فرصة الابتعاث الداخلي لإكمال الدراسات العليا وفق المعايير ، وكان الأخ الدكتور عبدالعزيز الدبيان آنذاك مديرًا عامًا للتدريب التربوي والابتعاث ، فعرضت عليه رغبتي في الاستفادة من هذا النظام الجديد لاستكمال مشروع الدكتوراه في جامعة الإمام محمد بن سعود االإسلامية ، ورحب بتقديمي مع المتقدمين والخضوع للمعايير والشروط المعتمدة ، وتقدمت بالفعل وتم اختياري ضمن الدفعة الأولى المفرغة للدراسات العليا داخليًا ولله الحمد وبعد صدور القرار بتفريغي غادرت وكالة الوزارة للتعليم وتفرغت لمدة عامين لاستكمال دراسة الدكتوراه ، وبعد تفريغي حدثت التغيرات في وزارة التربية والتعليم بدمج تعليم البنات إليها وتم تعيين معالي الدكتور خضر القرشي وفقه الله نائبًا للوزير لتعليم البنات ، وكلف سعادة الأخ الدكتور خالد العواد وفقه الله وكيلا للتعليم وهو ما أثر على توجيهي بعد العودة للوزارة حيث رغب معالي النائب بتكليفي للعمل في الأمانة العامة لمجلس التطوير التربوي والذي أحدث في الوزارة بعد الدمج .

ولعلي أشير في هذه الوقفة إلى أهمية مراجعة وزارة التعليم المعاصرة لجميع المشروعات التي تم تنظيرها ووضعت قواعدها في الفترات السابقة وإعادة النظر في تقويمها والافادة مما يتناسب منها مع الواقع والمستقبل ويتوافق مع الطموحات ، فالتعليم سيظل في أعين النقاد مقصرًا في بلوغ الغايات ما لم يلمس المجتمع آثاره الفعلية في أولادهم ، ومفاتيح بلوغ الغايات من وجهة نظري تكمن في التطوير المستمر وفي إحداث نقلة نوعية تقوم على اعتماد استقلال المدارس وما يترتب على ذلك من تغييرات في الهياكل والأنظمة واللوائح على مستوى الوزارة وإدارات التربية والتعليم والمدارس ، فغالبية الدول المتفوقة تعليميًا مثل نيوزيلاندا تبنت مثل هذا التوجه وحققت نتائج مدهشة خلال عقد من الزمن ، ولو أن الأمر بيدي لحرصت على تطبيق مشروع رتب المعلمين وتطبيق رخصة التدريس ولتوسعت في مشروع مدارس تطوير في اتجاه مدارس المستقبل المستقلة والتي يمكن أن تدار من مجلس أمناء له كامل الصلاحية في التوظيف وإنهاء الخدمات وفقًا للمعايير التي يقرها لرفع مستوى الأداء والجودة والتحصيل الدراسي ، وإتاحة الفرصة للقطاع الخاص للتنافس في بناء المناهج وفقًا لوثيقة المنهج المعتمدة وإعطاء الحرية لكل مدرسة أن تختار المناهج الملائمة لطلابها من بين المعروضات المتنافسة لتحقيق أعلى درجات الجودة والنوعية المنافسة في مستوى التحصيل الدراسي وإعداد الطلاب للحياة فكلما زادت مساحات الحرية وضيّقت مساحات القيود كلما زادت مستويات الإبداع وتنوعت وأمثلة هذه التجارب الطموحة تملأ العالم المتفوق في التعليم ويمكن الاستفادة منها بالشكل الذي يحقق الأمال والطموحات . والله الموفق والمستعان .،،