الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 19

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 19

الوقفة التاسعة عشرة : قصيدتي الغزلية للتسليف

في عام 1396هـ بينما كنت أنعم بما ينعم به الأولاد من جيلي بمنطقة الباحة تلك الأجواء الشاعرية حقًا حيث الأمطار الدائمة والضباب والسحب الملامسة للجبال والأرض الخضراء والينابيع الوافرة وكانت تلك الأجواء تلامس مشاعرنا في مرحلة المراهقة وبناء الأحلام العريضة المتألقة للحياة والطامحة إلى مستقبل يملؤه الحب والشوق والغرام فعكست جمالها في مشاعر البعض منا ممن كان يهيم في الكلمة ويعشق القصائد الشعرية الفصيحة منها والشعبية .

وكنت من بين الهواة المحاولين التعبير عن مشاعرهم وخلجات صدورهم بالقصائد التي نتغنى بها في الأودية بين الصخور والجبال الشاهقة فنسمع صدى أصواتنا يتردد بين تلك البقاع فنأنس بالطرب وإلقاء ما تجود به قرائحنا من شعر على بعضنا البعض، وقد نبدي الإعجاب ببعضها فنتبادله سلفًا لنلقيه على بعض الصحبة آنذاك .
كانت شاعريتي تنبض بحب المكان والأصحاب وكان الصديق الحميم المشجع لشاعريتي آنذاك هو صديق الطفولة والصبا محمد أبا فادي غفر الله له ، فلم أسمع منه حين سماع قصائدي الوليدة إلا التعبير عن الإعجاب والتشجيع والتحفيز ، ولم يثلّب محاولة منها قط ، وقد كان يقف عند بعض الأبيات فيقوم بتلحينها تارة بألحان الحجاز الجبلية السائدة في منطقتنا وتارة على نمط أغنية من الأغاني التي كنا نسمع القليل منها آنذاك في الراديو أو في المسجلات القديمة التي تستخدم فيها (الكاسيتات ) فيطرب ويطربني إعجابه ، وقد كتبت مرة قصيدة غرامية في عتاب الحبيب الخيالي وهجره وصده عنونتها يومئذ بالمحتار ، وفي رحلة استمتاع وتنزه كنا نقوم بها وصديقي الحميم إلى وادي ربية ووادي مارد ألقيت عليه قصيدتي العصماء من وجهة نظري ، فاستوقفني لتكرارها أكثر من مرة وكان يدندن بينه وبين نفسه ليختار لها لحنًا خاصًا ، وفجأة طلب مني تسليفه القصيدة ، مما أوقعه في شرك أسئلتي وتساؤلاتي آنذاك عن الأسباب والمسببات والأهداف ونحو ذلك من أسئلة المتطفل على صاحبه .
فرد علي قائلاً : بدون أسئلة محرجة ، أنا أحتاج إلى هذه القصيدة فإما تسلفني أياها وإما تعتذر فأبحث عن بدائل أخرى ، فعلمت حينها أن صديقي يمر بحالة عاطفية تستدعيه أن يتسلف قصيدة صاحبه لينفس بتغنيه بها عن فؤاده المكلوم والظاهر لي بأن صديقي يعاني الهجر والصد من حبيب عزيز ، كنت تواقًا أن أعرف الطرف الآخر في قصة صديقي لكنه أبى غير الكتمان واحترمت ذلك في شعوره المتدفق حبًا وغرامًا وهيامًا ، وأذكر أن القصيدة العصماء التي وقع عليها اختيار صاحبي كان مطلعها :
يا قلبي يا محتار ،، طول بك المشوار ،، أنا في لهيب ونار ،، وحبيبي متغلّي ،،
أسمر مع السمار ،، والقلب قايد نار ،، وحبيبي بالأعذار والصد متحلّي ،،
تعبت من صبري ،، وقولته ما أدري ،،
أهواه من بدري ،، يا قسوة الأقدار ،،
عسى حبيبي يحس ،، بما يعذبني ،، ويجود لو بالهمس ،، بليل وإلا نهار ،،
تعبت من هجره ،، تعبت من غدره ،، واحترت في أمره ،، يا قسوة الأقدار ،،
ومرت الأيام وصديقي العزيز رحمه الله تعالى لا يزال يردد تلك القصيدة ببعض الأنات والتنهدات ، فسألته بعد مرور بعض الزمن عن الطرف الآخر في قصة الغرام المعذبة ، فوافق رحمه الله بشرط ألا أشي به ، فأخبرني ووفيت معه بوعدي وقد كان حلمه بعيد التحقيق بل مستحيل التحقيق من وجهة نظري التي اقتنع بها بعد ذلك فكف عن التنهد والتحسر على الحب الضائع ، وطلبت من صديقي أن يفرج لي عن قصيدتي التي تسلفها ففعل رحمه الله وأعطاني إياها وقد ذبلت الورقة التي كتبت عليها القصيدة وتقطعت من أطرافها ، ولا أكاد اقرأ الأبيات الأخيرة منها لاختلاط حبرها بعرق يديه خلال فترة استلافها .
لقد كانت تلك الأيام وتلك الذكريات التي تملؤها مع ذلك الصديق الحميم موضع تحاورنا في لقاءاتنا المستقبلة ، وكنا نتذكر تلك القصيدة العصماء التي تسلفها لإخماد حرائق مشاعره المتوهجة على حب مستحيل ، وكان يضحك كثيرًا عندما كنت أقول له : رد لي السلف يا أبا فادي ،، قصيدة عصماء تخفف عني ما أعانيه من ألآم العمل والوظيفة والمسؤوليات الاجتماعية التي ازدحم بها وقتي ، وكان يرد علي بلطفه المعتاد ، لو كنت شاعرًا ما تسلفت منك قصيدتك العصماء .
لقد تابعت كتابة الشعر الشعبي منذ تلك الأيام وكتبت في الشعر الزجل والشعر الفصيح ولعل تلك القصيدة لما ارتبط بها من ذكريات مع صديق حميم عزيز رحمه الله تعالى وجمعني به ووالدي وأولادي وأحبابي مع النبيين في الفردوس الأعلى من الجنة هي الأوفر حظًا من بين قصائدي الأخرى المزامنة لها ببقائها في الذاكرة دون اللجوء إلى المدون منها كتابة ، وستظل ذكرياتي مع الشعر وصديقي الحميم هي الأكثر تأثيرًا في مشاعري اليوم ولعلي أعرج في وقفات أخرى على بعض من الطرائف التي أذكرها بشأن الشعر وتقويم الزملاء والأصحاب وذوي الخبرة لما دونته في مسيرة شاعر هاو يكتب الشعر ليشعر به الآخرون ويشعر من خلاله بهم ، والله الموفق والمستعان .،،،

عن admin

3 تعليقات

  1. يا قلبي يا محتار ،، طول بك المشوار ،،
    أنا في لهيب ونار ،، وحبيبي متغلّي ،،
    أسمر مع السمار ،، والقلب قايد نار ،،
    وحبيبي بالأعذار والصد متحلّي ،،
    تعبت من صبري ،، وقولته ما أدري ،،
    أهواه من بدري ،، يا قسوة الأقدار ،،
    عسى حبيبي يحس ،، بما يعذبني ،،
    ويجود لو بالهمس ،، بليل وإلا نهار ،،
    تعبت من هجره ،، تعبت من غدره ،،
    واحترت في أمره ،، يا قسوة الأقدار ،،
    وقد ذبلت الورقة التي كتبت عليها ً
    القصيدة وتقطعت من أطرافها ، ولا

    ماينلام خويك انذاك في هذا السحر الحسي
    عاش منطوقك. وبقاك مولاك. وقفات لاتُمل ابد

  2. تقرع الأجراس بنغمٍ مُتفردٍ بكِ أنت ولايقرعه إلا القليل أمثالك!
    متصفح يضجُ جمالاً بكِ يا ربيع الشعر.. بوركت ووفقك الله .

  3. السلام عليكم ورحمه الله وبركاته الله يحفظك أينما تكون ،، وقفات رائعة وتاريخ رائع .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مصادر التربية توافق واختلاف

تتعدد مصادر التربية المعاصرة وتتنوع في الأسرة والمجتمع ووسائل الإعلام والتواصل والتقنيات ...