الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة (85)

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة (85)

الوقفة (85) : مديرًا عامًا للتربية والتعليم للبنين بمنطقة المدينة المنورة

في الشهر السادس من عام 1431هـ تلقيت اتصالا هاتفيًا من مكتب معالي نائب وزير التربية والتعليم يفيدني فيه باختيار القيادات العليا في الوزارة لشخصي المتواضع لشغل منصب مدير عام التربية والتعليم في منطقة المدينة المنورة في الوقت الذي اتخذت فيه الوزارة قرارها بشأن دمج إدارات التربية والتعليم للبنات مع إدارات التربية والتعليم للبنين في إدارة واحدة في المناطق والمحافظات ، وكانت منطقة المدينة المنورة من بين إدارات التربية والتعليم المستهدفة بالدمج مع خمسة إدارات أخرى ، وعرض علي الخيار بين القبول بعرض الوزارة أو البقاء في محافظة الخرج والاستعداد للتكليف بالإدارة المدمجة فيها ، وكنت قد أشعرت قبلا من معالي النائب السابق لتعليم البنين في الوزارة معالي الدكتور سعيد المليص حفظه الله بأنني مرشح للتكليف بالإدارة العامة للتربية والتعليم للبنين في منطقة المدينة المنورة ومرشح للمرتبة الخامسة عشرة وظيفيًا والتي رفعت فيها الوزارة توصية بمنحها لمديري التربية والتعليم في خمس مناطق تعليمية بالمملكة آنذاك وفقًا لتوصية اللجنة التنسيقية لإدارات التربية والتعليم التي شرفت بعضويتها .

وعند ذلك حرصت على لقاء صاحب السمو الملكي محافظ الخرج الأمير عبدالرحمن بن ناصر وفقه الله وأشعرته بما عرضته الوزارة علي واستأذنته في توجيهي فأيد قبولي بالعرض واستثمار فرصة الترقية المتاحة ، ووعد بالدعم والتأييد ، فأشعرت عندها الوزارة بموافقتي على العرض رغم أن موافقتي ستكلفني الكثير من الأعباء وستفصلني عن أسرتي لبعض الوقت لإرتباط أفراد أسرتي بالدراسات المتخصصة في بعض الجامعات في مدينة الرياض والتي لايمكن معها نقلهم إلى جامعة طيبة بالمدينة المنورة مما يعني قبولي بالعيش منفردًا بعيدًا عن أسرتي خلال مدة تكليفي بالإدارة ، وقد كنت أرغب في الحصول على التقاعد المبكر بعد قضاء ما يزيد عن الثلاثين عامًا في العمل التربوي وآثرت حينها تأجيل التقاعد المبكر إلى ما بعد التكليف بالإدارة العامة للتربية والتعليم والحصول على المرتبة الوظيفية الموعود بها في منطقة المدينة المنورة وتقويم الوضع بعد ذلك ، وتم التتنسيق لموعد مقابلة صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة الأمير عبدالعزيز بن ماجد وفقه الله ، ورحب بقدومي إلى المدينة المنورة ومشاركتي إخواني أعضاء مجلس المدينة المنورة قائدًا للتربية والتعليم، وتم بالفعل صدور قرار سمو وزير التربية والتعليم الأمير فيصل بن عبدالله وفقه الله في 30 رجب 1431هـ بتكليفي أولا مديرًا عامًا للتربية والتعليم للبنين في الوقت الذي كان يشغل منصب مدير عام التربية والتعليم للبنات في منطقة المدينة المنورة الأخ الدكتور يوسف الفقي وفقه الله والذي بلغه أنني المرشح لقيادة إلإدارة العامة للتربية والتعليم عند تنفيذ الدمج في منطقة المدينة المنورة وقد وجدت لديه من الترحيب والحماس والتعاون ما وجدته لدى سمو أمير المنطقة وذلك ما شجعني للمضي قدمًا في تنفيذ إرادة الوزارة .

وكما بدأت عملي في إدارة التربية والتعليم في محافظة الخرج بدأته في منطقة المدينة المنورة بإعداد مشروع تطوير للإدارة وبرنامج عمل مقترح أنطلقت منه بالتشارك مع الزملاء في عمليات التطوير إضافة إلى ما لدى الإدارة من خطط شبه استراتيجية ، وعرضت مشروعي على الزملاء من القيادات التربوية في الإدارة ولقي ترحيبهم وبدأنا العمل بجد في انتاج أول خطة استراتيجية قصيرة المدى في الإدارة وتم توجيه جميع الطاقات في الإدارة للإبداع والتجويد والعمل على تلافي المعوقات وعلاج السلبيات لتحقيق أفضل النتائج والمخرجات ، وكما هي إدارات التربية والتعليم في وطني وأي بلد في العالم لا تخلوا من المعوقات والسلبيات فقد ركزنا العمل على رصدها ووضع الخطط لتلافيها قدر الإمكان في حدود الصلاحيات المتاحة ، وتم تنشيط العمليات في الميدان التربوي بإقرار مجموعة من المشروعات التربوية بما فيها اللجان والمجالس والملتقيات التربوية للقيادات التربوية وللطلاب والمعلمين وقد شارك المجتمع المدني بحماسة لتنفيذ تلك المشروعات ، وتحقق لنا في الأشهر الستة الأولى الكثير من النجاحات التي كانت عند رضا المستفيدين والمتابعين والمهتمين بالتربية والتعليم الأمر الذي قادنا إلى تحقيق المزيد من النتائج الإيجابية بعد ذلك ، وجاء وقت تنفيذ دمج إدارتي التربية والتعليم في منطقة المدينة المنورة وصدر قرار سمو وزير التربية والتعليم في منتصف شهر ذي الحجة من عام 1431هـ بتكليفي مديرًا عامًا للتربية والتعليم في منطقة المدينة المنورة للبنين والبنات وهو ما استدعاني إلى قيادة عمليات الدمج وتوحيد الإجراءات في الإدارتين وذلك ما كلفنا الكثير من الجهد والعمل المخطط وفق مراحل مستهدفة للتوعية والتهيئة والتنفيذ والتقويم ومواجهة المقاومة للتطوير التي كانت كبيرة جدًا في أوساط الموظفين الذكور في الإدارتين ، وقد نجحت جميع خططنا ولله الحمد لتحقيق الهدف المنشود وتم العمل تدريجيًا لتحقيق الدمج وتوحيد الإجراءات وقد نقلت تجربة نجاح الإدارة إلى إدارات التربية والتعليم الأخرى التي نفذت قرار الوزارة للدمج مؤخرًا .

لم يكن قدومي إلى منطقة المدينة المنورة ولا أسلوبي في الإدارة مرحبًا به من الكثير من القوى والشخصيات التي كانت تستثمر نواحي الضعف والقصور لدى بعض منسوبي الإدارة لتحقيق مصالح شخصية ، وخاصة بعد أن أغلقت جميع الأبواب لتحقيق مصالحهم باعتماد المعايير والتشديد في تطبيقاتها على جميع المستويات مما شكل أمامي مقاومة جديدة خارج إدارة التربية والتعليم أضيفت إلى مقاومة التطوير من داخل الإدارة فتشكلت مجموعة من التحزبات لإحباط تنفيذ خططنا التربوية وخطط التطوير وقد واجهناها بحزم ودعم من صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الذي كان على علم مستمر بها وقد نالني منها الكثير من الظلم والتجني والتضييق والوشاية وصبرت على لأوائها خلال مدة تكليفي بالإدارة إلى أن انتهت في شهر ذي الحجة من عام 1433هـ ، حيث قررت نهائيًا التقاعد المبكر وترك القيادة التربوية للقيادات المتحمسة لذلك من القادرين على تحمل أعبائها ، ولعلي في مواقف أخرى أصف بعض جوانب النجاحات التي تحققت بفضل الله تعالى خلال مدة تكليفي بالإدارة العامة للتربية والتعليم في منطقة المدينة المنورة ، ولعلي أوجه نصيحتي في هذه الوقفة إلى القيادات التربوية في الميدان التعليمي والذين لا يزالون على رأس عملهم أن يعملوا لتحقيق مرضاة الله تبارك وتعالى محتسبين عناءهم ومشقتهم في ذلك لرفع درجاتهم بالحسنى عند الله ، وليعلموا يقينًا أن رضا الناس غاية لا تدرك وأن ما أصابهم لم يكن ليخطأهم وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وأن الله مع المتقين فذلك كان منهجي في كل مراحل تكليفي بالقيادة التربوية والتي استمرت لأكثر من خمس وعشرين عامًا ولله الحمد وأرجو أن أكون خلالها قد حققت ما يرضي الله تبارك وتعالى وما أسهم بشكل عملي في تطوير التربية والتعليم في وطني العزيز . والله الموفق والمستعان .،،،