الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 23

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 23

الوقفة الثالثة والعشرون : تونس في كأس العالم كادت تحرمنا الاختبار

في نهاية العام الدراسي 1398هـ كان التلفزيون السعودي الأرضي يبث مباريات كأس العالم 1978م والتي كان فيها منتخب دولة تونس لكرة القدم ممثلا للكرة العربية في كأس العالم وأحد الفرق العالمية المؤهلة للتصفيات النهائية، وكنت في ذلك العام في الصف الثالث الثانوي ، وقد اعتدنا نحن الزملاء في الدراسة على الاجتماع سويًا في الردف أو في أحد الأودية والصحاري حول مدينة الطائف أو في منزل أحدنا لنذاكر للاختبارات سويًا .

وكان لنا زميل يسكن أعزباً مع مجموعة من أقاربه في حارة أبي بكر الصديق ويملك تلفزيونًا يمكننا من خلاله متابعة مباراة منتخب تونس آنذاك ضد منتخب المكسيك والتي انتهت بفوز المنتخب التونسي بثلاثة أهداف لهدف ، لكنها كادت أن تحرمنا متابعتها من اختبار إحدى المواد في جدول الاختبارات النهائية لذلك العام .
لا أذكر المواد التي كانت علينا في جدول الاختبار في اليوم التالي للمباراة لكنني أذكر جيدًا أننا سهرنا بعد المذاكرة مع المباراة ونمنا جميعًا دون حراك ، ولم يستيقظ أحد منا لإيقاظ المجموعة لصلاة الفجر والذهاب إلى الاختبارات ، وقد قمنا فزعًا من طرق شديد على الباب وقرع متواصل على جرس المنزل ، لقد كان أحد الزملاء الذين لم يسهروا معنا ممن ذهب للمعهد العلمي استعدادًا لأداء الاختبار ، وعندما تأخرنا عن الحضور صباحًا استأذن من مدير المعهد العلمي آنذاك ليأتي إلينا من أجل إيقاظنا فقد توقع نومنا الجماعي لغيابنا الجماعي ، وبالفعل قمنا مذعورين من تنبيهات زميلنا وعجلنا في لبس ثيابنا والانطلاق إلى المعهد ، وكان قد مر من زمن دخول زملائنا للاختبار ما يزيد عن الربع ساعة ، وقد تجمل مدير المعهد بالسماح لنا بدخول الاختبار بعد أن أتاح لنا أداء صلاة الفجر جماعة في المعهد ، ولو لم يفعل وفقه الله ذلك لأخفقنا جميعًا في اختبارات الدور الأول ولزمنا دخول اختبارات الدور الثاني ، لكنه لطف الله تعالى ثم نباهة زميلنا الذي جاء لإيقاظنا وسماحة مدير المعهد آنذاك أنقذتنا من الإخفاق بسبب الغياب عن الاختبار .
وقد كان لي من الزملاء والصحبة في المعهد العلمي بالطائف ممن لهم الفضل بعد الله تعالى في الحفز والتشجيع والتنافس الشريف ما دفعنا جميعًا إلى النجاح والتفوق ، حيث كنا نقبل على الدراسة والمذاكرة مع بعضنا البعض وفق جداول منظمة ونختار لاجتماعاتنا أفضل المواقع التي يتوافر فيها الهدوء والمتعة والنزهة فتارة نذهب إلى الردف قبل أن تتحول إلى منتزه منظم حيث الصخور والكهوف وظل بعض أشجار الطلح ، وتارة نذهب إلى وادي ثمالة جنوب الطائف حيث الجبال والأودية والأشجار ، وتارة نذهب إلى الحوية شرق الطائف حيت المساحات الصحراوية المفتوحة ، وتارة نذهب إلى الهدا شمال الطائف حيث المرتفعات الجبلية وأشجار العرعر ، وأذكر كثيرًا من المواقف الطريفة لاجتماعاتنا في تلك المواقع لعل من أبرزها ذهاب الزملاء نسيانًا وتركي في إحدى جبال الملعب وهي منطقة تقع جنوب وادي لية بما يقارب الخمسة كيلو مترات على الطريق المؤدي إلى منطقة الباحة ، فعند حلول المغرب نزلت من الجبل حيث كنت أذاكر بعض الدروس لألتحق بالزملاء للعودة إلى منازلنا بالطائف ، فلم أجد سيارة الزميل ولم أجد الزملاء المصاحبين ، فقررت أن أذهب إلى الطريق وطلب المساعدة من قادة السيارات الذاهبة لمدينة الطائف لنقلي إليها ، وما هي إلا دقائق إذا بسيارة الزميل التي تقل الزملاء عائدة من جهة الطائف إلى حيث كنت أقف وألوح بيدي طلبًا لوقوف إحدى السيارات ، وكان موقف اعتذار وعتب خالطه الضحك والتعليقات من الزملاء، ومواقف أخرى مماثلة لزملاء آخرين في مواقع أخرى ، ولعل ما يميز صداقة تلك المرحلة استمرارها إلى الآن مع كل الزملاء وفقهم الله .
وأذكر أن تعلقنا بكرة القدم كان يدفعنا جميعًا للتنافس في تشجيع الأندية الأشهر في ذلك الحين وكانت تسمى بأندية الدرجة الممتازة ومنها النادي الأهلي ونادي الاتحاد بجدة ونادي الوحدة بمكة المكرمة ونادي النصر ونادي الهلال بالرياض ونادي الاتفاق بالشرقية ، وكان كل من الزملاء يشجع ناديًا من تلك النوادي لعل الأبرز من الأندية في استقطاب المشجعين من الزملاء كانت الأهلي والاتحاد والنصر والهلال ، وأذكر أنني شجعت النادي الأهلي ردحًا من الزمن وجذبتني مبارياته المؤثرة مع منافسيه ، وحضرت له أكثر من مباراة في أستاد جدة الدولي كما كان يسمى آنذاك ، وكان من أشهر لا عبيه في تلك المرحلة حارس المرمى أحمد عيد واللاعبين أحمد الصغير ودابو وأبو داوود وغيرهم ، ثم ما لبثت أن انقلبت لتشجيع اللعب واللاعبين بغض النظر عن الأندية ، فشجعت لعب ماجد عبدالله ، وصالح النعيمة ، وصالح خليفة ، وطارق ذياب ، وسعيد الغراب ، وغيرهم من الجيل القديم للاعبي كرة القدم .
وبعد التخرج في معهد الطائف العلمي تفرق الصحاب وفق رغباتهم وميولهم فمنهم من التحق بالكليات العسكرية ومنهم من سجل معي في جامعة الملك عبدالعزيز شطر مكة المكرمة في أقسام أو كليات أخرى والتي أصبحت الآن جامعة أم القرى ، ومنهم من سجل في جامعات أخرى بمدينة الرياض ، لكننا كنا نتواصل ولم تنفك علاقاتنا الأخوية وصداقتنا الحميمة إلى أن أنأتنا أعمالنا الوظيفية وأبقت لنا التواصل عبر وسائل التواصل المتوافرة بحسب الزمن والفترة والنوع المستحدث منها ، وظل الدعاء بالغيب لكل الزملاء قائمًا من كل منا ، فما بقي لدينا من الذكريات لتلك المرحلة كفيل بتذكيرنا بفضل الله علينا ثم بفضل بعضنا على بعض ، ولعل الجيل المعاصر يحافظ على ما كنا نحرص على المحافظة عليه إخلاصًا وودًا ووفاء وتقديرًا ويستفيد الفرد منهم من حفز الزملاء والأصدقاء الأوفياء له فهو كالوقود لمحركات المركبة ، وعلى الأولاد أن يتخيروا الأصدقاء فتأثيرهم بالغ وفاعل سواء أكان إيجابيًا أم سلبيا ، والعرب تقول : قل لي من تصاحب ؟ أقول لك من أنت .!!! وهو مثل يؤكد على تأثير الأصدقاء في تكوين الشخصية ، وقد أجريت بحثًا في هذا المجال سألت فيه عينة من المعلمين عن مصادر اكتسابهم الخبرات، فجاء تبادل الخبرات مع الزملاء في الدرجة الأولى قبل مؤسسة الإعداد والإشراف التربوي والإدارة المدرسية ، وهو ما يؤكد قوة تأثير الزملاء والأصحاب في سلوكيات الأفراد ، فليختار الجيل المعاصر والمستقبل الصاحب المؤمن التقي الوفي المخلص المحفز المنافس الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، ولو حرص كل على أن يكون صاحبه كذلك لكان الجميع كذلك . والله الموفق والمستعان. ،،،

عن admin

2 تعليقان

  1. ياسلام على الرفقة الطيبة ، لكن المدير كان متعاطف معكم
    اختبار وسهر للمبارة.حماس شباب بقوة ولكن لفت نظري وفاء الصحبة وحسن اختيارها
    ماشاء الله تبارك الله تاريخ زاهر

  2. سعد ابو ناصر

    تابعت وقفاتك التي سطرت خلالها سيرتك غير المعلنة وجذبتني سردك القصصي ولا أعلم ألك مجموعات قصصية يمكننا اقتنائها . الوقفات مثيرة وجاذبة كما أن شعرك جاذب وقوي وفقك الله يادكتور انت مجدد ومبتكر ومشاركتك في موقعك بكتاباتك المتنوعة مميزة .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تربية الموهوبين والمبدعين

كنت ولا أزال أعتقد بأن الموهبة والإبداع يتمتع بها كل إنسان خلقه ...