الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 12

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 12

الوقفة الثانية عشرة : دراجون في الركبان

في العام الهجري 1393هـ بينما كنت في الصف الأول المتوسط بالمعهد العلمي بمدينة الطائف كنت أقطع المسافة بين البيت الذي نسكنه بالاستئجار الواقع في حي الشرقية بشارع مزدلفة قريبًا من قصر عرب وشارع خالد بن الوليد إلى المعهد العلمي الواقع في حي شبرا الواقع إلى الخلف من قصر شبرا الشهير مشيًا على الأقدام ذهابًا إلى المعهد وعودة إلى البيت وكان والدي وفقه الله قد رافقني في الأيام الأولى للتعرف على الطريق الآمن من بين المنازل أو من الطريق الذي يمر بأطراف الركبان حتى الوصول إلى المعهد .

– والركبان قطع من الأراضي الزراعية بعضها مزروع وكثير منها مهجور يفصل بينها أكوام من التراب ترتفع لمتر أو مترين ، وفيها كثير من ملاعب كرة القدم الترابية ، وهي تقع إلى الشرق من مواقف سيارات التاكسي الأجرة الموصلة إلى مكة المكرمة وجدة والرياض ، وتمتد حتى بداية طريق السيل ، وفي طرفها الشرقي يقع قصر شبرا الشهير وقد تحولت اليوم إلى مباني وأبراج وأسواق وشوارع – وقد استحسنت الطريق الذي يمر بالركبان لما شاهدته عليه من مناظر المزارع في بعض الركبان بعيدًا عن خطورة السيارات ، وعند العودة من المعهد أرى الكثير من طلاب المدارس يمتطون دراجاتهم ويتسابقون في الطرقات عائدين إلى منازلهم ، وكنت أحلم بركوب الدراجة وأتمنى التمكن من مهارات أولئك الصبية الدراجين ، وامتلاك مثل ما يمتلكون من الدراجات .
مر العام ولا يزال الحلم في مخيلتي لا يغادرها كلما رأيت الدراجات والدراجين ، وفي آخر العام تعرفت وأخي الأوسط محمد وفقه الله تعالى وكان آنذاك في الصف الأول الثانوي بدار التوحيد ، تعرفنا على مؤجر للدراجات إلى القرب من حدائق نجمة حيث يمكن للمستأجر خلال وقت الاستئجار الذهاب إلى الركبان التي تحول بعضًا منها إلى ملاعب لكرة القدم للكبار وأذكر أن نادي عكاظ كان له مساحة مخططة في الركبان يمارس اللاعبون المنتمون إليه تمارينهم عليه ، وإجار الدراجات كان بالساعة أو الجزء منها ويحسب المؤجر الوقت عند تسليم الدراجة للمستأجر ثم يحسبه إذا عاد لتسليمها ويقرر قيمة الأجرة وفقًا لما قضاه المستأجر من الوقت ، وبعد أن تعرفنا على شروط الاستئجار ونظامه لدى المؤجر قررنا استئجار دراجتين وفقًا لمقاس كل منا ، وبالفعل دفعنا قيمة التأمين التي كانت كبيرة قياسًا لما يمكننا امتلاكه من المال ، وأذكر أن قيمة التأمين في ذلك الوقت كانت خمسين ريالا تعاد للمستأجر بعد حسم قيمة تأجير الدراجة وفق الزمن المستهلك ، وقد كان أخي وفقه الله قد ادخر من المال ما يكفي لدفع قيمة التأمين ، وبعد إتمام عملية استلام الدراجات انطلقنا بها ندفها تارة ونركبها تارة أخرى وأرجلنا لا تغادر الأرض خوفًا من السقوط ، وسرنا بها حتى بلغنا أطراف الركبان من الجهة الغربية قريبًا من منطقة الاستئجار شرق مواقف سيارات التاكسي الأجرة إلى مكة المكرمة وجدة والرياض .
وبدأنا مرحلة التعلم على ركوب الدراجات نسقط تارة ونفلح تارة أخرى في القيادة ، وكررنا تلك المحاولات حتى أتقنا قيادة الدراجة ، وفي المرات التالية وبعد أن جمعت من مصروفي المدرسي وهدايا النجاح مبلغ التأمين اللازم لاستئجار الدراجة كنت بين الفترة والأخرى أذهب لاستئجار دراجة والانطلاق بها بين المنازل في الحارات المجاورة وفي الركبان حتى أتقنت قيادة الدراجات ، ولكن حلمي بامتلاك دراجة ظل معي إلى أن تخرجت من المعهد العلمي ولم يتحقق .
ومن الطرائف التي حصلت لي في تلك الفترة ما وقع أثناء تجوالي بالدراجة المستأجرة في حارة البخارية إذ استوقفني بعض الأولاد في تلك الحارة وطلبوا مني الترجل عن الدراجة حيث ادعى أحدهم بأن الدراجة التي أمتطيها هي دراجته ، وحضر المشادة الكلامية التي تحولت إلى مصارعة على الدراجة بعضًا من الكبار الصالحين في ذلك الحي ، وعندما استمعوا إلى إفادة المدعي وإفادتي بشأن الدراجة وأنها مستأجرة ، صدر حكمهم بتكليف أحدهم بمصاحبتي إلى مؤجر الدراجات للتأكد من صدقي ، وكان المدعي يستدل بعلامة في الدراجة هو ووالده الذي أيده في ذلك أثناء حضوره المشادة ، وبالفعل انطلقت مع المكلف بالتأكد ومعنا المدعي ووالده ، وعندما وصلنا إلى المؤجر أكد ما أفدت به ، وأعاد إلى التأمين فورًا ، وبدأت حلقة جديدة من المشادة بين المؤجر ووالد المدعي حول ملكية الدراجة ، حيث أفاد المؤجر بأن هذه الدراجة اشتراها في ذلك اليوم من أحدهم ، وأصر والد المدعي على إحضار البائع والتعريف به أو إرجاع الدراجة لابنه ، وأسقط في يد المؤجر الذي قال صارخا خذوا الدراجة ويعوض الله علي في المال الذي دفعته مقابل شراء الدراجة أنا لا أعرف البائع ولم أطلب منه إثبات هويته ، فقد قبض مبلغ المبايعة وانصرف وأنا لا أعلم أهذه الدراجة له أم سرقها وتعاملت معه بحسن النوايا فقط ، إثرها أخذ صاحب الدراجة دراجته وانطلق مع والده .
وقد تعلمت من ذلك الموقف درسًا في أهمية التأكد من هوية كل من أتعامل معهم في بيع أو شراء فتلك أمانة ، كما أنني خلال مدة تعلمي قيادة الدراجات واللهو بها تمكنت من التعرف على أغلب حارات مدينة الطائف آنذاك ، وتعرفت على الشوارع والأزقة فيها وأهم المعالم التي تميزها ، وكان يسكن الطائف آنذاك أعداد كبيرة من أفراد القبائل القريبة من الطائف مثل بني سفيان وهذيل وقريش ونمير وهوازن وثقيف وبني سعد وعتيبة وبالحارث وزهران وغامد ويتواجد الكثير من البخارية والسليمانيين والأفغان واليمنيين قبل أن يتم تصحيح أوضاعهم بعد حرب الخليج ، وكانت الدراجات وسيلة من وسائل المواصلات المهمة في ذلك الوقت للصغار والكبار وخاصة البائعون المتجولون والعمال ، وقد تحقق لي ولله الحمد في مدينة الطائف التعرف على الكثير من العادات والتقاليد والأعراف إضافة إلى ما اكتسبته في سنوات نشأتي الأولى بقرية الحكمان ، فكانت الحياة في المدينة كما كانت الحياة في القرية مؤثرًا من المؤثرات التي انعكست على شخصيتي وسلوكياتي في المستقبل ، وقد تصاحبت مع الكثيرين من زملاء الدراسة وأولاد الجيران في مدينة الطائف والذين لا يزال تواصلي مستمرًا مع الكثيرين منهم إلى اليوم وأعتز وأفتخر بصداقتهم ووفائهم ، وأدعو في هذه الوقفة إلى الاهتمام بتعليم الأولاد ما ينفعهم وتشجيعهم على الصداقة الوفية فرب أخ لك لم تلده أمك ، وكم من الأصدقاء من كان أوفى من الأشقاء ، والله الموفق والمستعان . ،،،

عن admin

2 تعليقان

  1. كنت هنا أستنشق رائحة الماضي على بساط ذكريات أبي رامي وكنت أطوف حول كل زاويه يستأنف فيها ذكرياته
    فما أروعك وما أروع تاريخك ، لقد كنت هنا.
    اليساري

  2. أحمد الباشا

    وقفت من خلالك مع الوقفات فوجدتك تسجل ذكريات شخصية ومذكرات حياة ، ولكن بأسلوب جديد ، موفق عزيزنا الدكتور لعلك تنفع بخبراتك في الوقفات من يرغب التعلم من سير الناجحين ، استمر وسنستمر بمتابعة سيرة كفاحكم ، دمت لمحبي سيرتك الناجحة .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التربية المعاصرة أمام تدفق المعلومات وغزارتها

تتدفق المعلومات على الأفراد والمجتمعات في الوقت المعاصر بشكل لم يسبقه مثال ...