الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 3

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 3

الوقفة الثالثة : أول يوم دراسي
في مطلع العام الدراسي 1386هـ اصطحبني والدي العزيز معه وأنا أرتدي ثوبي الجديد وحذائي الجديدة ويغشاني الفرح كما تغشاني السعادة ، اصطحبني والدي إلى مدرسة الحكمان الابتدائية وهي العالم الجديد الذي كنت أحلم به وأتمناه وخاصة بعد عدد من السنوات التي كنت أشاهد فيها أخوي الكبيرين في كل صباح وهما يتهيئان ويستعدان بعد وجبة إفطار خفيفة تعدها لهما أمي الغالية غفر الله لها وأسكنها فسيح جناته ويرتبان كما يرتب أقرانهم كتبهم ودفاترهم وأدواتهم المدرسية البسيطة في حقائب بل قل في شبه حقائب قماشية تخاط وتصنع غالبيتها من قبل الأمهات لكنها حاويات جيدة يتعلقها الطلاب آنذاك على أكتافهم مسدلين حملها الثقيل على جوانبهم وأحيانًا على ظهورهم .

سار والدي وأنا أسير معه في الطريق المعتاد للأهالي وللطلاب الموصل إلى المدرسة ، لم يكن الطريق غريبًا فقد كنت أرتاده من قبل نحو بعض القطع الزراعية التي يملكها والدي على ذلك الطريق لكنها المرة الأولى التي أرى الطريق تطوى في أرجلنا طيًا سريعًا وتقترب من نظري تدريجيًا أسطح منازل حارة اليتمان من قرية الحكمان السفلى أو كما كنا نطلق عليها آنذاك (أهل الوادي ) حيث توجد المدرسة في بيت محمد بن أحمد الزهراني غفر الله له ولوالدينا والمسلمين ، بعد أن تم إضافة بعض الغرف إليه لتستوعب المدرسة طلاب قريتنا وبعض القرى المجاورة لها مثل الحميدان والقامرة والشطة والإشتاء والوهدة قبل أن يكتمل بناء المبنى الجديد للمدرسة وقبل أن تؤسس مدرسة الإشتاء والوهدة الابتدائية ، وصلنا إلى فناء المدرسة قبل بدء العام الدراسي بأيام ، استقبلنا مدير المدرسة آنذاك المغفور له بإذن الله تعالى الأستاذ علي السبالي ورحب بنا كما لو كنا ندخل بيته أجلس والدي على الكرسي المقابل لمكتبه المتواضع وجلس على كرسي خشبي عادي خلف مكتبه الحديدي يعرض خدماته لوالدي وهو يرمقني بعينيه النابهتين ، فتحدث والدي مبتدأ بحمد الله وشكره على نعمة تعليم الأبناء وعلى توافر المدرسة قريبة من طلاب القرية ممتدحًا أسلوب إدارة المدرسة في الضبط وتشجيع الطلاب على التحصيل العلمي ، ثم قدمني لمدير المدرسة وكنت وقتها متكئًا على حجر والدي ولا يكاد يبلغ رأسي سطح مكتب المدير ، وأبلغ والدي مدير المدرسة برغبته في تسجيلي بالصف الأول الابتدائي ممتدحًا نباهتي وفطنتي ورغبتي في اللحاق بأخوي الكبيرين ومرافقتي لهم إلى المدرسة ، فسأل مدير المدرسة والدي عن عمري فقال والدي هذا الابن يسبق عمره بكثير فأومأ مدير المدرسة لي طالبًا حضوري بين يديه فدفعني والدي للاستجابة لطلب المدير في الوقت الذي قال والدي أن عمره الآن خمس سنوات لكنه سيفوق من هو أكبر منه سنًا بإذن الله ، صافحني مدير المدرسة واقترب إلى وقال ما اسمك فقلت سعود بن حسين بن سعيد بن سعدالله فقاطعني فقال حسبك أريد أن أشاهد مهاراتك وبعض قدراتك هل تستطيع أن تمسك أذنك اليسرى بيدك اليمنى من فوق رأسك لم أتردد وقتها بتطبيق التمرين الذي كان مقياسًا آنذاك لعمر الصغار وكنا نتدرب على ذلك لعلمنا السابق بأن من ينجح بتطبيقه يسمح له بدخول المدرسة ثم طلب مدير المدرسة مني أن أعد إلى خمسة ، انطلقت أعد كما كنت معتادًا في عد الغنم أو البهم عند المراح فعددت أمام مدير المدرسة حتى بلغت العشرة ، فقال ماشاء الله تبارك الله ، ثم التفت إلى والدي وقال سنقبله لصغر سنه مستمعًا في الصف الأول فإن نجح نظرنا في ترفيعه للصف الثاني وإن أخفق بقي للسنة التالية مسجلا رسميًا لبلوغ السن ، وقد كان السن المسموح به آنذاك للمدارس ما بين السادسة والعاشرة ولمدير المدرسة التجاوز عن هذه المعايير وفقًا لظروف الأهالي في المنطقة أو القرية أو الهجرة التي تتواجد بها المدرسة بالتنسيق مع مكاتب الإشراف وإدارات التعليم ، وافق والدي وأتم عملية التسجيل وتعبئة النماذج البسيطة ، ثم انصرفنا ووالدي من المدرسة متجهين إلى البيت ولم ينفك والدي في رحلة عودتنا ينصحني ويرشدني لأرفع رأسه وأشرفه أمام الجميع ، وأنا أكاد أطير فرحًا لأنني سألتحق بالكبار الذاهبين للمدرسة كل يوم ، بدأ العام الدراسي وصحبت أخواي سعيد ومحمد إلى المدرسة في أول يوم من أيام الدراسة ، وعند وصولنا اصطف الطلاب في صفوفهم المعتادة للطابور الصباحي واصطففت مع أقراني المستجدين والمعيدين بالصف الأول الابتدائي بإشراف معلم الصف الأول وشاهدت لأول مرة في حياتي الطابور الصباحي الذي بدأ فيه الطلاب آنذاك بتحية العلم السعودي قبل أن يؤلف له النشيد الوطني المعاصر حيث كان مجموعة كلمات للتحية تتضمن دعوة لحياة الملك وكان ملك المملكة العربية السعودية آنذاك هو الملك فيصل رحمه الله ، وكان الطلاب يرددون بعد حامل العلم يحيا الملك يحيا العلم ، يا ،، يحيا يحيا يحيا … ، ثم ألقى مدير المدرسة كلمة توجيهية للطلاب وحثهم على الجد والاجتهاد والمحافظة على النظام وأذن للطلاب بالانصراف من الطابور إلى فصولهم ، فانصرفوا مرتبين بدأ من حامل العلم ويتبعه طلاب الصف السادس ثم الخامس ثم الذين يلونهم في ترتيب الفصول إلى أن وصل ترتيبنا فسرنا يتقدمنا معلم الصف ونحن طلاب الصف الأول الابتدائي خلفه إلى أن دخلنا غرفة الصف حيث لا توجد مقاعد وإنما كان مفروشًا بحصير ويوجد على جدار الفصل لوحة خشبية سوداء مسندة إلى الأرض وبعض الطباشير في كرتون إلى جوارها ، جلسنا على الحصير متحلقين بتوجيه من المعلم الذي وقف أمامنا إلى جوار اللوح الأسود وبدأ بالتعرف علينا من خلالنا وكان قليل منا من نجح في التعريف بنفسه ، ثم قاموا بتسليمنا الكتب الدراسية وبعضنا في فرحة غامرة والبعض متهيب خائف ووجل من الجو الجديد والبعض يبكون هلعًا وخوفًا مفتقدين أهليهم الذين تعودوا عليهم ، وكنت ممن عمتهم الفرحة وخالجهم بعض التوجس والخوف والوجل مما رأيت من أساليب التربية التقليدية باستخدام العصي واستخدام أدوات أخرى لضرب الطلاب لأسباب وبدون أسباب في كثير من الأحوال فقط لفرض هيبة المعلمين أمام الطلاب من أول يوم دراسي وكنا نشاهد بعض المعلمين يضرب بعض الطلاب الأكبر سنًا في الصفوف العليا -في الفلكة- بمساعدة طلاب آخرين ، ورغم أنه كان يوم رعب لا ينسى إلا أنني أتذكر بأنني كنت سعيدًا جدًا فقد امتلكت ما امتلكه أخواي ولم أعد صغيرًا حيث سأرافقهم للمدرسة كل يوم ، وسأحصل على المصروف المدرسي الذي كان عبارة عن قرشين للصغار وأربعة قروش للكبار ويمكننا أن نشتري بها قطعة من التميس – الخبز المخبوز في التنور – مع قطعة من الجبن وفنجال من الشاي لنفطر مع أقراننا في فسحة المدرسة ، لقد تغيرت الأنظمة وتغيرت المناهج وتغيرت أساليب التربية والتعليم وتغيرت إمكانات المدارس وتغير تأهيل المعلمين وتغيرت دوافع التعليم والتعلم لدرجة أن من يذكر اليوم الأول الدراسي ويقارنه مع ما يناله أولادنا اليوم في الأسبوع التمهيدي من رعاية وعناية وهدايا وبرامج ترفيهية وتهيئة نفسية بصحبة إحدى الوالدين بحسب جنس الطالب ليحمد الله تبارك وتعالى على الخير الذي أفاض الله تعالى به علينا وعلى أولادنا ، ومن يشاهد حال المدارس اليوم ولو في أسوأ مستأجرها ويقارنه مع ما كنا عليه ليحمد الله أيضًا على الخير الذي توافر للتعليم ، نعم نحن والوطن نطمح إلى تحقيق المزيد من الإمكانات التي تساعد على منافسة العالم المتقدم لكننا لا ننسى ما كنا عليه من قلة الإمكانات إلى عهد ليس بالبعيد وكنا في وقتها نحمد الله أيضًا أن يسر لنا سبل التعليم ، ولعلي في الوقفة التالية أصف بعض مشاهد التعليم في مدرستنا العزيزة مما بقي في ذاكرتي منها بعد أن انتقلنا إلى مبناها الجديد ،، والله الموفق والمستعان ،،،

3 تعليقات

  1. الشاعرة بنت الجنوب

    السلام عليكم ورحمة الله
    ايها الدكتور المناضل منذ الصغر
    ذكرت في هذه الوقفه ارشاد والدكم الكريم وفقه الله حين يوصي سعادتكم بأن ترفع راسه وتصبح ابناً يفتخربه والده بين جميع ناسه وجماعته ،. وانا اقول الا أن ارشاد والكم اثمر واتى بأعلى نتأئج الثمار المنتجه والمفيدة
    وها أنت دكتوراً واباً لجميع ابناء الوطن
    ونبراساً مضيئاً للعلم والمضئ قُدماً
    فما أجمل هذه الوقفات وما أثمرت.

    دكتورنا: اجدُ أ نها موضوعات تحمل اسمى معاني القيّم والتربيه السليمه والنشأة الصحيحه
    /؛/ بُوركت دكتورنا ورعاك الله ولا حرمنا منك ولامن وقفاتك وأجمل ذكرياتك. تحياتي لك
    انا / الشاعرة كوكب

  2. بوركت دكتورنا الغالي
    ومن يعرفك كبيرا
    يتوقع ان تكون في صغرك كما ذكرت من النباهة
    والفطنة
    وأنتم دوما كذلك ال سعد الله . رحم الله الميت وَبَارِكْ في الاحياء منكم

  3. علي بن أحمد آل صويلح

    رائعة هي ذكرياتكم كروعتكم وروعة الزمن الجميل الذي عشتم فيه وعشنا نحن بعضا من أطرافه..
    ومن يشاهد حال التعليم اليوم وحال هذا الجيل المرفّه الذي يغلب عليه اللامبالاة والتهرب من المسؤولية ليدرك أن الزمن الماضي هو الزمن الذهبي برغم بساطته وخلوه من مظاهر الرفاهية والترف..

    أتحفتنا أبا رامي بهذه الذكريات الجميلة وآمل الاستمرار في سرد ذكرياتك الجميلة في ميدان التربية وحقول المعرفة إبان توليكم ادارة ثانوية فلسطين بجدة ثم ايفادكم للتدريس في روسيا ثم توليكم المناصب القيادية في الخرج والمدينة المنورة، ففيها دروس وحكم وهي تجربة حياة حافلة بالنجاح والتفوق..
    تقبل تحياتي أبا رامي..

    أبو تمام..
    1/11/1435