الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 5

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 5

الوقفة الخامسة : في سوق الربوع لأول مرة .
كانت قرية الحكمان حيث ولدت وترعرت من بين قرى زهران في ما يسمى اليوم بمحافظة القرى في منطقة الباحة التي كانت تحوي سوقًا أسبوعيًا قبل أن يتوقف عمله ويصبح أطلال سوق تظهر في جنباته جنوب الدار بقايا قواعد سقائف تحيط به من جهته الغربية وبقيت ساحته بمسمى ساحة السوق وهكذا عرفت واستمرت حتى اليوم ، ويقال أنه كان سوقًا رائجًا ونشيطًا يقام كل يوم سبت قبل أن ينطوى تاريخه ويشتهر سوق السبت في قرية المندق – مدينة المندق اليوم مركز محافظة المندق بمنطقة الباحة .

وقف قلاب العم خاطر بن علي صبيحة يوم الأربعاء في طرف ساحة السوق في القرية في انتظار نقل الراغبين في الهبوط إلى سوق الربوع بالأطاولة – والقلاب سيارة فورد يملكها ابن القرية العم أبو علي خاطر بن علي بن سعيد يستخدم لنقل الحجارة والرمل ونحوه بالإعارة والأجرة وهو السيارة الوحيدة المتوافرة للنقل آنذاك في القرية رغم وجود بعض السيارات التاكسي المملوكة لبعض سكان القرية لكنها في سفر دائم قليلا ما يأوب بها ملاكها إلى القرية – انطلقت مع أخي الأكبر إلى حيث يقف القلاب في طرف ساحة السوق بالقرية واستقليناه مع الهباط – مصطلح ينعت به الراغبين في النزول إلى سوق الربوع أي الأربعاء في بلدة الأطاولة – وركبنا في حوض القلاب إلى جوار الكثيرين من أهالي القرية قد أكون أصغرهم آنذاك والغالبية منهم من الكبار الراغبين في جلب المشتروات من احتياجات الأسر من السوق ، سار بنا القلاب في طريق جبلي غير ممهد مارًا بشطر القرية الأسفل ما نطلق عليه الوادي وحمل من الراغبين منهم ما زاد الزحام في حوض القلاب ، واستمر في السير في الطريق الوعرة إلى أن وصل إلى طرف سوق الربوع الذي ما أن رأيته عجبت لتزاحم الناس فيه القادمين إليه من القرى المجاورة والبعيدة ، وشد انتباهي في السوق سعته بمقاييس عيني آنذاك واصطفاف البائعين على جنباته وكانت السقائف تمثل مركز السوق رغم امتداده في الجهة الشمالية منه بين الدكاكين المرتصة في جنباته وقهوة بريق التي كانت تتوسط السوق ، بدأت رحلة التجول في السوق بالتوصيات من أخي ألا أدع يده خوفًا علي من الضياع في السوق ، وأعطاني علامات أتعرف بها على مكان موقف القلاب الذي سيأوب بنا إلى القرية بعد انقضاء السوق ، سرنا بين تزاحم المتسوقين وبين السقائف التي كان يشغلها الباعة وخاصة باعة الأقمشة والبخور والحبوب ونحوها واتجهنا إلى الجهة الشمالية من السوق حيث ترتص بعض الدكاكين ويقع فيها مدخل الفرن ومدخل القهوة وقف أخي على باب أحد الدكاكين وأظنه دكان أبو سته واشترى علبة جبنة من النوع الصغير الحجم وتوجهنا إلى الفرن لشراء التميس فاشترى أخي تميسة واحدة وحملها على كفه حيث صعدنا إلى الدور العلوي الذي تشغله قهوة بريق وترتص فيه الكراسي الخشبية المرتفعة المنسوجة من السلب أو ليف النخيل المفتول وتتوسطها طاولة خشبية مرتفعة توضع عليها طلبات الزبائن ، صاح أخي في عامل القهوة أبو أربعة ياعم ومفك علب ، وآخر يصرخ من مكان آخر أبو ثمانية ياعم ، وعامل القهوة يكرر طلبات الزبائن صارخًا ، عندك واحد أبو أربعة ، وعندك واحد أبو ثمانية ، وهكذا تسمع مناقشات الزبائن وحواراتهم داخل القهوة وصراخ عامل القهوة مكررًا طلبات الزبائن بشكل متداخل يملاء جنبات القهوة جلبة وضوضاء ، أفطرنا ذلك اليوم تميس مع الجبنة والشاهي ، ولأول مرة أرى براد الشاهي المصنوع من الخزف ، وأخي يوصيني بين الوهلة والأخرى بأن أرشد في شرب الشاهي ليكفي فطورنا فالبراد أبو أربعة أي أربعة فناجيل صغيرة من نوع عقال فيصل ، أو من نوع ساق سلوى ، أو من نوع باعشن ، أتممنا فطورنا وحمدنا الله على نعمه ونزلنا إلى السوق ، كان الوقت صيفًا وموسم تسويق التمور ، اصطفت سيارات الفورد التي تحمل عذوق البلح المجلوب من تربة والآخر المجلوب من بيشة ، والباعة يحرجون على بيع العذوق ، ليس غريبًا علي رؤية البلح والتمر لكن الغريب رؤية ذلك الكم المعروض في السوق والناس حوله ، سار بي أخي ليطلعني على سوق بيع المواشي في الجهة الغربية من السوق حيث تباع الأغنام والأبقار ويباع أيضًا إلى جوارها الدجاج البري والبيض وبعض أنواع الطيور المتوافرة في بيئة القرى حيث لم يعرف آنذاك الدجاج الداجن أو دجاج المزارع ، وبعد مشاهدة المزايدات على المواشي وتقليبها من الزبائن لمعرفة أعمارها ومستوى سمنتها ، عرجنا على دكان ابن مسمار الواقع في الجهة الجنوبية من السوق حيث اشترى لي أخي قزازة كندادراي بأربعة قروش كانت القروش الأولى من جائزة نجاحي التي اشتري بها شيئا خاصًا بي ، طلب أخي أن اعتني بالزجاجة ولا أكسرها فعلينا بعد الفراغ منها أن نعيدها إلى البائع فارغة ونرتد قيمة تأمينها قرشان دفعها أخي حينذاك ، وجلست إلى جوار الدكان استمتع بشرب ذلك المشروب اللذيذ والجديد على فمي ، استحسنتها وأضمرت أن أشتري أخرى متى ما ضمئت ، حيث أنني لم أكد أتمها حتى أحسست بالتخمة لما فيها من غازات ، عاد إلى أخي بعد أن تجول مع بعض رفقته في السوق وقد فرغت من شرب الكندادراي ، فأخذني إلى حيث تباع الألعاب لدى بعض الباعة ، كنت تواقًا إلى شراء علب شختك بختك ففي داخلها قد تجد لعبًا مع الحلوى ، اشترى لي أخي منها بأربعة قروش وسار بي بين المتسوقين والباعة في السوق وبينما نحن كذلك إذا ثلاثة أو أربعة رجال يصرخون من فوق السقائف بالتهليل والتكبير ، وهي طريقة اعتادها الدعاة قبل البدء في الخطبة على الأشهاد في السوق ، بينهم رجل كثيف اللحية هو من قام بالخطبة وتوجيه وإرشاد الباعة والمتسوقين أذكر أن ما شدني فيه آنذاك جرأته وخطابته وارتجاله الخطبة على غير ما عهدناه في خطبة الجمعة في قريتنا ، لم أفهم كثيرًا مما كان قد قال لكنني بهرت بالأسلوب والطريقة ، والناس في السوق بين مستمع ومنشغل ، وهو مستمر في خطبته وكأن جميع من حوله في السوق مستمعين ، حملت مع أخي ما اشتراه من البلح وبعض الفواكه وما أوصته أمي رحمها الله تعالى بشرائه من السوق واتجهنا إلى قلاب العم خاطر ولا تزال الكندا دراي تشغل تفكيري ، لم أفلح في شراء أخرى فقد حان موعد الصدور أو العودة من السوق وأطلق العم خاطر بن علي البوري أي منبه السيارة إعلامًا للجماعة المتسوقين بالعودة إلى قريتنا ، فما لبثنا طويلا حتى تجمع من كان قد ركب معنا صباحا هابطا في حوض القلاب للعودة إلى القرية ، كانت رحلة العودة أشق من رحلة الذهاب في نظري ، لكنني خلال الطريق ما انفكيت أتذكر تلك المشاهد في سوق الربوع والتي شاهدتها لأول مرة في حياتي ، وقد تكرر هبوطي أو نزولي إلى سوق الربوع بعد ذلك لكن تلك المرة الأولى التي بقيت مشاهدها عالقة في ذاكرتي حتى اللحظة ، لقد كانت الحياة بسيطة وهادئة وكان التعاون بين الناس ميزة ظاهرة ، وكان التسوق بالدين أكثر منه بالمدفوع في حينه ، وكان الناس يصبرون على بعضهم البعض ويعذرون المحتاج والفقير والمعذور ، ويقايضون السلع بالسلع الأخرى إضافة إلى التبادل النقدي ، وجميع من في السوق إلا ما ندر يتعارفون حتى الذين يأتون من ديار بعيدة مثل تربة أو بيشة ونحوها من الديار للتسويق لبضائعهم ، وتلفت انتباه المرتادين الأسواق آنذاك التحايا والقبل المتبادلة بين المتسوقين والسؤال عن الأحوال والأخبار ، كأنما السوق لأسرة واحدة ، لقد عشت تلك الحقبة الزمنية التي ربت فينا الكثير من مكارم الأخلاق ، فسقى الله تلك الديار ومثل تلك الأيام التي ما أن نذكرها حتى يحن جيلي إلى مثلها ، ونتمنى أن يعيش أولادنا مثلها لتصقل فيهم البر والتقوى وتزيد فيهم شمائل الإيمان والإحسان والتعاون والتكافل والإخلاص ، والله الموفق والمستعان ،،

2 تعليقان

  1. عفوًا للزوار ،، أوقفت التعليقات على هذا المقال لورود تعليقات مزعجة تزيد عن 300 تعليق ، وتم فتح التعليقات بعد أن تم معالجة التعليقات المزعجة ،، وفقكم الله .

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ما اجمل تلك الذكريات. والوقفات
    فقد نقلت لنا ثقافه كامله ومفصله
    عن تاريخ ابائنا واجدادنا بكل فخر واعتزاز ؛؛ فو الله لم يسبق وحدثني احد عن هذا التراث ولم اكن اعلمه قبل اليوم

    فما أجمل ذكريات القريه والمعيشه الهادئه البريئه،،،
    التي يفتقر لها ابناء هذا الزمن
    دكتور سعود الزهراني

    كم انت عظيم حين تجدد هذه الوقفات بين الفينه والاخرى :؛
    فلا تحرمنا من الاستمتاع بقرأة هذه الوقفات التي تأخذنا بين طياتها الى تلك الاجواء الحنينيه واطلالها.
    شكرا اديبنا واستاذنا ومُتلمذ اجيالنا
    دكتورنا سعود

    تقبل تحياتي
    الشاعرة بنت الجنوب