الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 6

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي، الوقفة 6

الوقفة السادسة : أهالي القرية إطفائيون متطوعون
تلتصق منازل أهل القرية بعضها ببعض وتتجاور حيث تشترك بعضها في أخشاب أسقفها ولا يفصل بين بعضها سوى (الرصان) بتشديد الصاد ، فواصل من الخشب المغطى بالطين من الجهتين والرصان جمع تكسير للرص وهو مرصوص الأخشاب الواقفة من الأرضية حتى السقف المشدودة إلى بعضها البعض والمكسوة بالطين وتفصل بين البيوت ، وهندسة البيوت والمنازل القديمة في القرى تكاد تتماثل بتألفها من الطابق الأسفل وتسمى السافلة أو السفل ، وفيه تخزن الأعلاف والتبن والحطب المجموع طيلة العام وتربط فيه المواشي ، وفي بعض البيوت يخصص ركن منه للمشب ، وهو المكان الذي يعد فيه الخبز في تنور أو على الأرض مباشرة .

والطابق الثاني في البيوت القديمة يتألف من المجلس والمطبخ وزاوية النوم لأفراد الأسرة ويتوسطه (الملة ) بتشديد اللام وتعني المشب الخاص بالتدفئة والطبخ ، حيث يستخدم في الغالب الحطب لإعداد الطعام والتدفئة قبل أن يقتنى سكان القرى الطباخة بتشديد الباء وهي جهاز مصنوع من الزنك له حوض يملاء بالكيروسين الجاز وتشتعل فتائله المشبعة بالكيروسين لتخرج من أعلاها نار هادئة تستخدم في الطبخ أيضًا ، وغالبية أثاثات المنازل تتكون من الحصير وفرش الصوف والحنابل وطراريح ومخدات محشوة بالرين أو بالتبن ونادرًا ما يحشى منها بالقطن وأغطية من البطانيات والجوادر جمع جودري قماش محشو داخله بالقطن غالبًا يستخدم مفرشًا كما يستخدم غطاء في وقت البرد لما يضفي على مستخدميه الدفيء ، كما أن مخازن الحبوب تكون في هذا الطابق من المنزل عند الغالبية حيث تخزن الحبوب في قفاف جمع قفة وعاء كبير مصنوع من سعف النخيل أو في أكياس وقد تخزن الحبوب عند البعض في العلية وهي الطابق الثالث الذي يضم غرفة النوم الرئيسة لرب الأسرة ومخزن الحبوب ،، وجميع محتويات البيوت القديمة قابلة للاشتعال والاحتراق بمجرد تماسها مع النار ، وتفتقد البيوت إلى وسائل السلامة وأدوات إطفاء الحرائق ، لذلك تحرص الأسر وربات البيوت على الحذر عند استخدام النار ، والمياه المتوافرة في المنازل لا تكفي لاستخدام أكثر من يومين للشرب والغسيل والوضوء والاغتسال ولا يعتد بها كوسيلة لإطفاء الحرائق عند اشتعالها ، ولا يوجد في القرى التابعة لمحافظة القرى خلال المدة التي قضيتها في المرحلة الابتدائية دوائر ومؤسسات أمنية حكومية عدا مركزًا للشرطة ومحكمة ومستوصف في بلدة الأطاولة ، ولا يتوافر فيها فرق للدفاع المدني ، فإذا ما اشتعلت حريق في حمى أو في منزل من منازل القرى فإن الأهالي ذكورهم وإناثهم صغيرهم وكبيرهم يقومون بدور الإطفائيين بالتعاون والتكافل فيما بينهم .
كنت في الصف الثالث الابتدائي في العام الهجري 1387هـ تقريبًا عندما انطلقت نداءات الاستغاثة وطلب النجدة من قرية الزحاحيف أحد أحياء قرية الحكمان في جزئها الأسفل أو كما كنا نطلق عليه أسفل الوادي ، حيث شبت حريق في منزل أحد ساكنيها وما هي إلا دقائق وجيزة إذ بلغ الخبر جميع أهالي القرية أسفلها وأعلاها وتسابق أهالي قريتي لنجدة المستغيثين تاركين أعمالهم مسرعين نحو الزحاحيف ، فالخطب جلل حيث أن منازل أهالي الزحاحيف متلاصقة ومشتركة في الأسقف حالها حال غالبية بيوت أهل القرية والقرى الأخرى ، وأقرب بئر يمكن جلب المياه منها تقع أسفل الوادي الذي تشرف عليه الزحاحيف من الغرب والمساوى من الشرق ويبعد المنزل المحترق عن البئر في الوادي ما يزيد عن الأربعمائة متر صعودًا حيث تتربع قرية الزحاحيف في أعلى الجبل الغربي من البئر ، انطلقت مع المنطلقين لرؤية الحدث ومشاهدة الأهالي وهم يتعاونون على إطفاء الحريق ، كان مشهدًا مهيبًا لمثلي في ذلك العمر طابور من الرجال والنساء يحملون القرب المملؤة بالماء في الطريق من البئر في الوادي إلى موقع المنزل المحترق ، والسانية على البئر ترفع الماء وتسكبه في القف وهو الحوض الذي يصب فيه الغرب في أعلى البئر ، والغرب هو الدلو الكبير الذي تجره السانية ويستخرج به الماء من البئر ، وهناك فوق سطح المنزل المجاور للمنزل المحترق رجال يحملون الفؤوس والمساحي والعتلات يعملون جاهدين على عزل المنزل المحترق عن المنازل المجاورة، ويحفرون طين السقف ويقطعون أخشاب السقوف المشركة ويطفئون بما توافر من المياه النار القريبة منهم ،، والقادمون الجدد من أهالي القرية يسألون عن سلامة أهل البيت ومواشيهم فيأتي الرد من الجميع الحمد لله الجميع سالمين والخسائر في الماديات فقط والعمل مستمر لإنقاذ المنازل المجاورة من تمدد الحريق ، كنت صغيرًا لكنني أذكر أنني كنت ومن في عمري نساعد وفق توجيه الكبار لنا بنقل التراب والحجارة الصغيرة والأخشاب غير المحترقة كل وفق طاقته وقدرته لكننا كنا مع الجماعة نتعاون كما يتعاونون ، ونشاهد تلك المهارات العالية لدى الغالبية في السيطرة على الحريق وضمان سلامة المنازل القريبة بعد أن أخليت من أهلها والمواشي التي في سوافلها ، نعم لقد نجح الإطفائيون المتطوعون في حصر أضرار الحريق ومحاصرة تمددها وإن كانت قد أتت على مخزون أهل البيت من الأعلاف والحطب وبعض أكياس الحبوب ، لكنهم في أعين أهالي قريتهم حيث بدأت بعد إخماد الحريق مرحلة التطوع لإعادة إعمار البيت المحترق وتعويض أهله ما خسروه في الحريق من أعلاف ومؤن وحبوب ، وقد شهدت إعادة الإعمار التي لم تتأخر وقتًا كثيرًا ، وتعاون أهل القرية في تنفيذها والتطوع بمتطلباتها ، هكذا كان أهالي قريتي قرية الحكمان ، تعلمنا منهم الفزعة والنجدة والتضحية والتعاون على البر والتقوى والتسابق في نجدة المستغيث والملهوف ، كنا صغارًا لكننا كنا نستوعب الدروس المتلاحقة ونقلد الكبار في تصرفاتهم البطولية وشمائلهم الإسلامية ، نحترم الجميع ولا ننادي الكبار بأسمائهم مجردة بل نقول للذكر يا عم فلان وللأنثى يا عمة فلانة وإن لم يكونوا من الأعمام والعمات في النسب ، كنا نقدر الجميع ونحترم الجميع ونطيع توجيهات الجميع لا فرق بين القريب والأبعد قرابة وغير القريب من أهالي القرية ويستوى في ذلك من منهم في الدار العليا أو في الدار السفلى ، كنا بحق نحب الجميع ويحبنا الجميع ، ونتبادل المنافع والمصالح والوجدان ،، كنا القرية المثالية كما كنا نعتقد وكذلك أهالي القرى الأخرى كانوا كذلك يرون قراهم مثالية ، وكان الكبار من أهالي القرية يحبون أن يظهروا قريتهم بالمظهر اللائق بين القرى في المناسبات والأفراح وفي النجدة والحمية ، ولا ينتقصون من أهالي القرى الأخرى لأنهم يدركون أن مشاعرهم متماثلة ، تلك هي البيئة التربوية التي نشأت فيها وإني لأظنها أبلغ تأثيرًا وأثرًا من جميع أساليب التربية المعاصرة ،، والله الموفق والمستعان .