الرئيسية / مقالات / وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 10

وقفات من حياتي قبل أن تمحى من ذاكرتي ، الوقفة 10

الوقفة العاشرة : بائعون على جانبي الطريق

في السنوات الأخيرة من المرحلة الابتدائية تم تشغيل طريق الطائف الجنوب المسفلت المار بالجهة الشرقية من قريتي قرية الحكمان مارًا برهي أم الطير – ورهي جمع تكسير لرهوة وهي المكان المرتفع قليلا من الأرض – المتاخمة من الشرق لوادي دحيس ووادي الشكالبة ووادي آل زياد بتشديد الياء الواقعة شرق القرية والتي تقع فيها الكثير من أملاك أهالي قرية الحكمان من القطع الزراعية المسقية والجبلية ، وتكثر في هذه الأودية أشجار اللوز الحجازي ولا تكاد أسرة في قرية الحكمان إلا وتملك من أشجار اللوز ما ينتج لها سنويًا ما لا يقل عن عشرة أمداد أي ما يقارب المائة كيلوغرام .

كما أن الكثيرين من أهالي القرية يمتلكون البعض من أشجار الصبار الجبلي وتسمى في البيئة القروية بشجرة التين بينما نطلق على شجرة التين المعروفة مسمى الحماط وبذلك يتم التفريق بين الشجرتين في أعرافنا القروية ، وشجرة التين هي ذات الشجرة التي يطلق عليها مسمى البرشومي في نواحي الطائف ومنطقة بني سعد وثقيف وهوازن ، وكلتا الشجرتين أقصد شجرة اللوز وشجرة الصبار البرشومي لها نتاج سنوي يعمل الأهالي على جني ثمارها لأغراض متنوعة ، فشجرة اللوز تجنى ثمراتها في مواسمها بالتعاون بين الأسر حيث يشارك الصغار في الجني والتقاط الساقط من الثمرات نتيجة الجني وتجميعه .
وعادة ما يكافأ الصغار المشاركين في عملية الجني آخر النهار بإعطائهم من الثمرة ، وينشط الكثيرون من الصغار في موسم الجني في تسلق شجرات اللوز المجنية من ملاكها لتبرئتها من الباقي فيها من الثمرات بعد الجني ، ونستمر نحن الصغار نجمع ما نحصل عليه في المشاركة في الجني وما نحصل عليه بتبرئة الأشجار المجنية قبلا ، وقد يجمع الواحد منا في الموسم الواحد ما يزيد على مدين أو ثلاثة أي ما قد يصل إلى عشرين أو ثلاثين كيلو غرام ، ونستخدم ما جمعناه في العادة بالمقايضة به مع بائعي العنب والفواكه القادمين إلى القرية من وادي تربة زهران لبيع محصول مزارعهم في القرية بالنقد أوالمقايضة بالحبوب واللوز ، أما الأهالي فيستهلكون ناتج أشجار اللوز المتوافرة لديهم والبعض منهم يبيع بعضًا من ناتجها على تجار اللوز واللباب ويوفرون بثمنه متطلبات واحتياجات أخرى ، أما شجرة الصبار التين البرشومي فهي شجرة جبلية عثرية أي لا تسقى إلا بماء الأمطار ولا تكاد أسرة في القرية إلا ولها بعض من تلك الشجيرات في أطراف مزارعهم أو قريبًا من بيوتهم ، وتستهلك الأسر ناتجها من البرشومي ولا يباع ناتجها ولا يشترى ، ولذلك قد ترى فساد الكثير من ثمرات البرشومي في أمهاتها في آخر مواسمها نتيجة عدم جنيها قبل فسادها ، أما أشجار الحماط وهي أشجار التين المعروفة فيكثر نموها في بطون الأودية بين المزارع وعلى الحواجز بينها وتنتج ثمرات أصغر في الحجم من ناتج المسقي منها أو المزروع لكنها أطيب وألذ طعمًا ، وهي لا تباع أيضًا ولا تشترى وإنما تستهلك من العامة الراغبين في استهلاكها بعد جمعها .
وأذكر أنني قد اتفقت مع بعض أقراني لممارسة عملية البيع على طريق الطائف الجنوب المسفلت الذي يمر كما ذكرت بالوادي الشرقي للقرية ، وعقدنا العزم بأن تكون معروضاتنا في البيع ثمرات اللوز والتين البرشومي والحماط ، وبدأنا رحلة جمع الثمرة ووضعها في أوعية من علب الصفيح ، وكان اليوم الأول من تجربة البيع إذ اصطففنا إلى جوار بعضنا البعض وأمام كل منا معروضاته من الثمرات ننتظر الراغبين من سائقي السيارات المارة في الشراء ، وقد كان ارتياد السيارات لذلك الطريق من القلة حتى أننا لننتظر في بعض الأحيان ما يزيد عن الخمس دقائق دون أن تمر بنا سيارة في الإتجاهين الذاهب والآيب ، وقد نضع آذاننا على الأسفلت للاستماع لصوت سيارة قادمة ، وما أن انقضى اليوم الأول إلا وقد بعت من ثمرات اللوز التي جمعتها نتيجة المشاركة في الجني وتبرئة الأشجار ما يعادل خمسة ريالات وباع بعض أقراني بعضًا من معروضاتهم لكننا فشلنا في تسويق ثمرات التين البرشومي والحماط ، وقد عدنا أدراجنا ذلك اليوم بعد أن اكتسبنا بعض المهارات التي تتطلب الصبر والانتظار وحسن العرض والترويج للبضائع ، كما عدنا بفائدة عدم جدوى المتاجرة فيما يتوافر مجانًا في البيئة القروية ، وقد كررنا عملية البيع على الطريق أكثر من مرة بعد تحسين أساليب العرض والتخلص من المنتوجات غير المرغوبة .
وأذكر أنني في ذلك العام بعت على الطريق جميع ما جمعته من ثمرات اللوز ولم يكن الثمن كبيرًا لكنه كان تجربة مثيرة لمن هو في مثل عمري آنذاك ، لقد كانت مبادرة منا نحن المجموعة ولم نكن قد رأينا تجربة مماثلة قبلا ، عدا ما شاهدناه في سوق الربوع الأسبوعي في بلدة الأطاولة ، لكننا لم نكرر التجربة في الأعوام التالية بينما أقدم عليها بعض الأقران تقليدًا ومنهم من نجح في محاولته والكثيرون منهم لم تفلح محاولاتهم .
وبعد أن كبرت قليلا وانتقلت من القرية إلى مدينة الطائف كنت أشاهد على الطريق بعضًا من البائعين لبعض المنتوجات الزراعية فأتذكر تلك المحاولات الأولى لي ولبعض أقراني في الوادي الشرقي ولا أزال أتذكر تلك المحاولات كلما رأيت بائعين على الطرقات ، وكنت ولا أزال أقدر كثيرًا من يقوم بمثل هذا العمل التجاري لعلمي بأن ما يقومون به من العمل الشريف لطلب الرزق ، وعندما أقف على معروضات أحدهم بهدف الشراء لا أجادل كثيرًا في السعر المعروض بل اشتري البضاعة المرغوبة منهم بالسعر الذي يعرضون وقد أزيد البعض منهم وفق تقديري لقيمة البضاعة المماثلة لها في السوق العامة .
لقد عشت وأقراني ولله الحمد مرحلة طفولة قروية معلمة اكتسبنا فيها الكثير من المهارات التربوية والحياتية كما اكتسبنا فيها الكثير من القيم الإسلامية والاجتماعية المؤثرة ، وإنني ممن يؤمن بأن ما يكتسبه الأطفال من مهارات حياتية يظل مؤثرًا قويًا في تكوين شخصياتهم واتجاهاتهم وسلوكياتهم المستقبلة وقد ينشط أو يخبو هذا التأثير نتيجة المؤثرات الثقافية والاجتماعية والعقدية لكن ذكريات الطفولة يظل لها حنين دائم لدى الكثيرين ممن مروا بتجارب متنوعة ومعلمة .
وقد أعرج في الوقفات التالية على بعض المواقف التي أحدثت تأثيرًا قويًا في شخصيتي حيث استمرت معي صفة حب المغامرات والاكتشاف والمشاركة في العمل من سن مبكرة وحتى كبرت حيث عملت في مواسم الحج المتعاقبة كما عملت في حفر الآبار وفي جني ثمار التمر وقطع نواتج النخيل كمهارات تعلمتها بالعمل في مزارع النخيل خارج حدود قريتي التي احتضنت طفولتي ، وفي الطائف حيث استقر بي المقام مع أسرتي في المرحلتين المتوسطة وبعض المرحلة الثانوية كنت استثمر كغيري من الطلاب أوقات إجازة الحج وإجازة الصيف في الأعمال بمواسم الحج وفي الأعمال الأخرى والوظائف المؤقته وكان لي بعض الذكريات والوقفات التي لا تزال باقية في ذاكرتي ، وكذلك الحال في المرحلة الجامعة في مكة المكرمة وما تلاها من مراحل العمل والجهاد الوظيفي ،، آمل أن أوفق في تدوينها جميعًا قبل نسيانها ،، والله الموفق والمستعان ،،،

3 تعليقات

  1. متابع إبداعاتكم

    كأنك تتحدث عن تاريخي وزملاء الطفولة ، نحن من سكان الهدا وكم وقفنا على الطريق لبيع منتوجات مزارعنا وخاصة البرشومي ، وأصدقك بأننا تعلمنا منها الرجولة والجرأة والاعتماد على النفس ، لقد كانت ذكريات كما وصفتها يامبدع الكلمات والسرد القصصي ، بالتوفيق وسأتابع وقفاتك القادمة

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    دكتور سعود الزهراني

    لقد تأملت في هذه الوقفات
    التي تحكيها ذاكرتك لنا بكل دقه وصدق / وفقت يامبدع كثيرا في نقل هذه الوقفات وسردها
    لا املك الا ان اقول:

    بارك الله فيك وسدد خطاك

  3. انت رائع ووقفاتك اروع
    ماسعدنا بك وانت تروي لنا وقفات حياتك وطفولتك ومابعدها
    بقليل ونحن نطلع بكل استمتاع

    زادك الله عزاً ونصرا
    تقديري دكتور